دعوة لحفلة شاي على مائدة روّاد النسوية – آمال طرزان

دعوة لحفلة شاي على مائدة روّاد النسوية – آمال طرزان

اليوم بداية شهر يناير من عام 2030 وإذا تلقيت اتصالا هاتفية من ا.د « حليم» المتخصص في دراسة الفلسفة  ليخبرني بأنه تقرر إقامة مؤتمر دولي حول تدشين حركة نسوية شرقية دولية معاصرة بمدينة الغردقة، وذلك سيوافق 8 من مارس سنة 2030  بعد اقتراحات عدة بتشكيل حركة نسويّة شرقية عربية كمنهج مثمر وفعال في بناء الحركات النسويّة في مجتمعاتنا العربية، حتى نتمكن من وضع أطروحات جديدة تتناسب مع الظروف الراهنة وقادرة على تعزيز وضع المرأة الشرقية ومكانتها وحل معضلاتها.

-الأمر يذكرني بالاتحاد النسائيّ العربيّ لهدى الشعراوي، ولكن للأسف لم يدم كثيرا بعد وفاتها، وهذا يعني دكتور «حليم» أن هذه الحركة هي امتداد لجهود الحركات السابقة؛ ولأننا في عصر السموات المفتوحة سيتم الاستعانة بجميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لتكوين حركة نسوية شرقية دولية.

– دكتور حليم: نعم آمال فقد ركزت جهود الدول العربية على تعزيز دور المرأة وتمكينها في كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أجل دمج جهود المرأة في برامج التنمية الشاملة، بهدف تعزيز وتطوير مكانتها وتأثيرها في المجتمع. وسوف يتم استقبال ممثلين من كافة التخصصات بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني من عديد من الدول العربية لبحث قضايا المرأة الشرقية التي تتباين في كثير من الجوانب عن المرأة الغربية وقد رشحتك لتشاركي فيه لعلمي باهتمامك بقضايا المرأة وسوف ننظم قبل المؤتمر حفلة شاي للقاء بعض من رواد الحركة النسوية بالشرق والغرب، والغرض من ذلك الوقوف على أهم الاطروحات التي قدمها رواد الحركة النسوية بموجاتها وتياراتها المتباينة ثم طرح أطروحاتنا التي تتناسب مع عصرنا وزمننا.

موعد الغد

-في ليلة قارسة البرودة، قررت الاتصال بصديقتي المقربة «نور الهدي» لتكون في جانبي  في موعد الغد. وصلنا سويًا إلى مكتب الدكتور «حليم»، الذي كان يرافقه الدكتور «نجيب»، المتخصص في دراسة الفلسفة. استقبلونا بحفاوة وترحيب، وبعد تناول فنجان من القهوة الدافئة، بدأنا في محادثة ممتعة لتبادل الأفكار الرائعة حول النسوية في هذه اللحظة، عبرت لهما عن مشاعري المتضاربة الممزوجة بالخوف والفرح .

– ولكن د. «حليم»  د «نجيب» إنني اشعر بالتردد والقلق من قبول تلك الدعوة؛ فهناك كثير من التباين الشديد بين رواد  تلك الحركة أو الفلسفة وفقًا لتياراتهم أخشى عدم القدرة على غربلة آرائهم لاستبعاد ما هو شديد التطرف المنافي لهويتنا العربية. وأخذ قلبي يهمس لي مهما كُنتِ تحلمين بالمثالية فعليك تقبل متناقضات الحياة.

– دكتور حليم: يا بنيتي لا أخشي عليك من ذلك ولدى حسن الظن بيكِ بطرح آراء معتدلة.

– دكتور نجيب: ولكن في البداية أوضح لك أ.آمال أنه يوجد اختلاف في المعاجم والقواميس حول تعرف النسوية بأنها إما نظرية أو فلسفة أو حركة. ومن الأجدر أن توصف بالحركة؛ وذلك لأن معظم من كتبوا عنها ليسوا بفلاسفة، وإنما من تخصصات متعددة اتفقوا جميعهم على ضرورة الدفاع عن حقوق المرأة وقضاياها المتنوعة، وأخبرك أنه سترافقنا في استقبال رواد الحركة النسوية السيدة «أمينة» زوجة سي «السيد»، وإذا بالسيدة «أمينة» تشاركنا الحديث.

 – السيدة أمينة: يسعدني أن أكون معكم لاستقبال المدافعين عن حقوق المرأة، وأحب أن أوضح للجميع أنني أؤمن بأن أولى واجباتي كزوجة هي إسعاد زوجي والعمل على إرضائه وتربية أبنائنا على الخلق القويم، ولكن في سبيل ذلك تحملت المسؤولية بمفردي في الحياة فهو لا يعير الالتزام بواجباته الأسرية سوى الإنفاق المادي؟ فأصبحت مجرد أداة لتحقيق أماني سي «السيد» هو لم يتساءل يومًا ماذا أريد؟ لم يمنحني القدر الكافي من الحب والاهتمام، بل لم أشعر معه بالأمان، ولعل ذلك يرجع إلى اتصافه بالحزم والشدة والقسوة في كثير من الأحيان الأمر الذي باعد بيننا المسافات خاصة وأنه دوما كان يحاول السيطرة على أفعالي من مأكل وملبس، كنت أصبر نفسي وأحمد الله لأنه لم يكن ذا علاقات نسائية كما يعتقد البعض؛ وبسبب كثرة المشاجرات لعدم السماح لي بممارسة هوايتي أو حتى زيارة عائلتي  وصديقاتي بدأت أحب العزلة والابتعاد عن جميع العلاقات الاجتماعية فأنا دكتور «حليم» سجينة المنزل أسيرة «سي السيد» وأصبحت دكتور «نجيب» محبة للوحدة والصمت أشعر بحزن عميق يستوطن قلبي. جئت اليوم لعلي أستطيع أن أجد الحل في كيفية التواصل معه؟ ولكن هل من الممكن توضيح مبادئ هذه الحركة لي؟

-وعلي الرغم مما تعانيه السيدة أمينة من قسوة زوجها، إلا أنني ألمح على وجهها ابتسامة معلنة فيها الأمل في مولد حظ جميل للأيام المقبلة .

– نور الهدى:  على حد علمي  سيدتي  النسوية قائمة على مبدئيين جوهريين أولهما أن النساء جميعهن وقع عليهن ظلم واضطهاد بسبب النوع الاجتماعي  أو ما يعرف بالجندر وثانيهما سعى النساء للتخلص من ذلك الظلم، ولكن التساؤل الذي يراودني هل كل من يؤمن بهذين المبدأين يعد مؤمنًا بالنسوية؟

وقد نظرا إليّ الحضور وإذا بالدكتور «نجيب» يقول من الممكن أن توضحي أهم مبادئ الحركة النسوية.

– نعم إنهما مبدآن عامان، ولكن لكى نحكم على فرد أنه من المؤمنين بالحركة النسوية لابد أن يركز منهجه على مجموعة من المبادئ المشتركة بين جميع التيارات النسوية وروادها.

وهنا بدأت في عرض المبادي المشتركة داخل النسوية لصديقتي والسيدة «أمينة» حتى تستطيع صديقتي والسيدة «أمينة» التعرف على الفرد المؤمن بهذه الحركة.

المبدأ الأول انقسام العام والخاص: يوجد مجالان في حياة كلا الجنسين هما المجال الخاص الذي يشمل الحياة الأسرية  للمرأة، فعليها الحفاظ على الهدوء والسكينة  داخل الأسرة، وأن تقوم برعاية الأبناء والعمل المنزلي وإيصال زوجها لأعلى مراتب النجاح؛ ولكن للأسف توجد نماذج عديدة من النساء كالسيدة «أمينة» يبقين بالمنزل؛ لتتحملن مسؤوليات الحياة المنزلية بمفردهن؛ فهن مسجونات داخل قلاع محصنة بأسوار وأبواب مغلقة لن تفتح مطلقًا وعليهن فحسب تقديم الطاعة العمياء لأوامر أزواجهن مع إجهاض كافة أحلامهن ورغباتهن وطموحاتهن. أما المجال العام هو خاص بالمؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية وهو من صميم عمل الرجال حيث خرجوا  إلى العمل والسوق، وتحملوا مسؤولية الإنفاق على الزوجة والأبناء، ونجد أن النسويات سعت إلى تحطيم تلك التفرقة بين كون الرجل يتصدى للمجال العام والمرأة تتصدى للمجال الخاص، من خلال الدعوة إلى مشاركة النساء في المجال العام وضرورة حصولهن على التعليم من أجل تنمية مهاراتهن وقدراتهن العقلية وفتح المجال لهن  للعمل في الميادين المختلفة.

– السيدة أمينة: ولكن هل حصولي على التعليم والعمل سيكفي ليقدرني سي السيد…؟!

– نورالهدى: وفي حين أنني وعديد من صديقاتي نرغب في العودة إلى المنزل لبعض الوقت، فالمشاركة في المجال العام بجانب الأعمال المنزلية قد أرهق صحتنا.

– ترى أستاذي الجليلين هل هذا هو لسان حال الجميع؟ وما السبيل لدعم المرأة، حتى تحقق النجاح في حياتها الخاصة والعامة معًا؟ يبدو أن علينا انتظار الإجابة عن هذا السؤال بعد الذهاب لحفلة الشاي، وسننتقل إلى المبدأ الثاني.

– الأبوية: تركز النسوية على مفهوم الأبوية والذي يعني هيمنة الرجال داخل مؤسسة الأسرة وكذلك خارجها على النساء، فهم القادة المسيطرون المهيمنون على العالم بأكمله وفقًا للرؤية النسوية.

– السيدة أمينة:  فعلا، فقد أصبحت من قهر سي السيد والتحكم والخضوع لأوامره ألجأ إلى الكذب، فاليوم، حتى أستطيع الحضور معكم قلت له أنني سأذهب إلى زيارة خالتي المريضة، وأوصيت ابني ألا يقول له شيئًا.

– وهل الكذب سيحقق الاستقرار والمودة؟ هل سينشئ جيل على خلق عظيم؟!

– نور الهدى: أحمد الله على زوجي «رمزي» أنه ليس من اتباع «سي السيد»  ففي بعض الأحيان أشعر بالخوف من شدة الظلام الذي يخيم عليّ قلبي من كافة الجهات، فأجده ينير دربي حتى أسير بأمان ولكنني أتساءل هل يعقل أن ينسب سبب قهر النساء في جميع الأمكنة إلى السلطة الأبوية متغافلين أسباب ونظم ومعتقدات تقهرنا، إلى جانب ذلك قد تمارس بعض السيدات العنف ضد بعضهن، وفي بعض الأحيان ضد بعض الذكور أنفسهم.

– د. نجيب: يبدو يا دكتور «حليم» أن « الأستاذة «نور» ذات نظرة ناقدة، فالحوار سيكون مثمرًا، وسنجد من ينصف الرجال -وهنا ضحك الحضور.

– والحق يقال إننا بحاجة إلى ضرورة استبدال فكرة النظام الأبوي بوصفه رمزًا لقهر النساء بمصطلح آخر يعبر عن الأسباب الحقيقية التي سببت في تدني وضع النساء وتهميشيهن، وإذا بالدكتور «نجيب» لكن ماذا بعد الأبوي يا آمال.

– المبدأ الثالث هو الجنس – النوع أو ما يعرف بالجندر:

تحاول الحركة النسوية التفرقة بين مصطلحي الجنس والجندر، حيث إن الجنس يشير إلى الاختلافات البيولوجية الطبيعية بين الرجال والنساء، وهي اختلافات ثابتة وواضحة، بينما يشير الجندر إلى أن أساس الاختلاف بين الرجال والنساء يرجع إلى المجتمع والثقافة والقيم والعادات…. إلخ، ويلاحظ أستاذي الجليلين أنه وفقًا للاتجاه المحافظ نجد أن الخصائص البيولوجية هي سبب التميز بين الجنسين حيث رسمت بشكل حتمي مجموعة من الأدوار لكلا الجنسين بمعنى أن المرأة وفقا لخصائصها البيولوجية تختص بمهمة رعاية الأطفال والقيام بالأعمال المنزلية من طبخ وغسل الأواني والكنس، وهذا ما جعل الفيلسوفة الوجودية «سيمون دى بوفوار» تعلن مقولتها الشهيرة المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة، وقد أكدت النسويات أن الاختلافات القائمة بين الرجل والمرأة هي من صنع المجتمع وبذلك أصبحت البيولوجيا لا تشكل دورًا في تحديد هوية الإنسان/النوع الاجتماعي، وإنما الثقافة هي التي تحدد مصير الجنس البشري.

– دكتور حليم : أتدركوا ما هى خطورة الفصل بين الجنس والجندر أن ذلك سيؤدي إلى محو هوية الإنسان.

– دكتور نجيب: الأمر يحتاج إلى الوقوف على نقد وتفنيد هذه المبادئ لما سيفرزه بعضها من أطروحات منافية للفطرة الإنسانية.

– صدقت أستاذ الجليل.

وهذه هي أهم مبادي الحركة النسوية أتمنى أن تكون «نور» والسيدة «أمنية» قد ألمت ببعض من ملامح هذه الحركة لحين البدء للإعداد لحفلة الشاي. وإذا برجل وامرأة يدخلان علينا المكتب صباح الخير أخي العزيز دكتور «حليم» صباح الخير ابني المخلص دكتور «نجيب».

ترى عزيزي القارئ عزيزتي القارئة من هذان الشخصان وهل لهما علاقة بدعوتنا؟

دكتوراه في فلسفة الأخلاق موضوع الدراسة الحركة النسوية