مذكرات سعدون حمادي

 

 

 

د سعدون حمادي

 

 

نواف شاذل طاقة

 

عرض وتعليق: نواف شاذل طاقة

 

صدر‭ ‬عن‭ ‬المركز‭ ‬العربي‭ ‬للأبحاث‭ ‬ودراسات‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬الدوحة‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬2022‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬مذكرات‭ ‬ويوميات‭ ‬السياسي‭ ‬والمفكر‭ ‬العراقي‭ ‬الراحل‭ ‬الدكتور‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬أوراق‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‮»‬‭. ‬وكان‭ ‬الراحل‭ ‬قد‭ ‬شغل‭ ‬مناصب‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1958‭ ‬حتى‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬أبرزها‭ ‬رئاسته‭ ‬تحرير‭ ‬جريدة‭ ‬الجمهورية‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عقب‭ ‬14‭ ‬تموز‭ ‬1958،‭ ‬ثم‭ ‬تعيينه‭ ‬وزيراً‭ ‬للإصلاح‭ ‬الزراعي‭ ‬عام‭ ‬1963،‭ ‬ثم‭ ‬رئيساً‭ ‬لشركة‭ ‬النفط‭ ‬الوطنية‭ ‬عام‭ ‬1968،‭ ‬وبعدها‭ ‬وزيراً‭ ‬للنفط،‭ ‬ثم‭ ‬وزيراً‭ ‬للخارجية،‭ ‬ونائباً‭ ‬لرئيس‭ ‬الوزراء،‭ ‬ثم‭ ‬رئيسا‭ ‬للوزراء‭ ‬حيث‭ ‬قاد‭ ‬حملة‭ ‬اعمار‭ ‬البلاد‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬بعد‭ ‬الدمار‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬أحداث‭ ‬الكويت‭ ‬عام‭ ‬1990‭. ‬كان‭ ‬آخر‭ ‬منصب‭ ‬شغله‭ ‬الراحل‭ ‬هو‭ ‬ترأسه‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ (‬البرلمان‭) ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬دورة‭ ‬حتى‭ ‬وقوع‭ ‬العراق‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأجنبي‭ ‬عام‭ ‬2003‭. ‬يقول‭ ‬فريق‭ ‬الإعداد‭ ‬الذي‭ ‬أشرف‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬الكتاب‭ ‬أن‭ ‬الوثائق‭ ‬التي‭ ‬تضمنها‭ ‬الكتاب‭ ‬والتي‭ ‬ستلحق‭ ‬بجزء‭ ‬ثان‭ ‬وأخير،‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬المركز‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬وتتضمن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخواطر‭ ‬والمذكرات‭ ‬الشخصية‭ ‬التي‭ ‬دوّنها‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬متعددة‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الوثائق‭ ‬الأخرى‭ ‬المهمة،‭ ‬وهي‭ ‬مذكرات‭ ‬وخواطر‭ ‬ووثائق‭ ‬تسلط‭ ‬جميعها‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬جوانب‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق‭ ‬السياسي‭. ‬يشير‭ ‬فريق‭ ‬الاعداد‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المذكرات‭ ‬موضوع‭ ‬البحث‭ ‬دوّنها‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬على‭ ‬مرحلتين،‭ ‬الأولى‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬احتلال‭ ‬العراق،‭ ‬والثانية‭ ‬بعد‭  ‬احتلاله‭. ‬

يستهل‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬مذكراته‭ ‬بالتعريف‭ ‬بنسبه،‭ ‬مستنداً‭ ‬بذلك‭ ‬إلى‭ ‬تقاليد‭ ‬العرب‭ ‬الراسخة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يُخفي‭ ‬الكاتب‭ ‬اعتزازه‭ ‬بها‭ ‬عبر‭ ‬صفحات‭ ‬الكتاب‭. ‬ويرجع‭ ‬نسب‭ ‬أسرة‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬إلى‭ ‬قبيلة‭ (‬زبيد‭) ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬سكنت‭ ‬قرب‭ ‬مدينة‭ ‬كربلاء‭ ‬العراقية‭ ‬حيث‭ ‬يشيد‭ ‬بخلق‭ ‬اسرته‭ ‬وسيرتهم‭ ‬ويقول‭ ‬إن‭ ‬أسرته‭ ‬‮«‬من‭ ‬أصول‭ ‬ريفية،‭ ‬عاشوا‭ ‬من‭ ‬عملهم،‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬سواد‭ ‬الناس،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬أغنيائهم،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬فقرائهم‭..‬‮»‬‭.‬

ينطلق‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬تدوين‭ ‬مذكراته‭ ‬من‭ ‬أساس‭ ‬‮«‬أخلاقي‮»‬‭ ‬إذ‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يغفل‭ ‬جانباً‭ ‬آخر‭ ‬مهماً‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬صفة‭ ‬‮«‬المصلحة‮»‬‭ ‬،إذ‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬الالتزام‭ ‬بمبدأ‭ ‬‮«‬المصلحة‭ ‬العامة‮»‬‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬التاريخ،‭ ‬لكنه‭ ‬يعود‭ ‬ليؤكد‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬مطلقاً‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬سبق‭ ‬إصرار‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ضد‭ ‬الحقيقة‮»‬‭. ‬وعليه‭ ‬فان‭ ‬على‭ ‬القارئ‭ ‬ألاّ‭ ‬يتوقع‭ ‬قراءة‭ ‬تفاصيل‭ ‬أحداث‭ ‬تُروى‭ ‬على‭ ‬عواهنها‭ ‬بل‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أنه‭ ‬أمام‭ ‬رجل‭ ‬مثقف‭ ‬صلب‭ ‬عركته‭ ‬الحياة‭ ‬ويعرف‭ ‬ماذا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬ومتى‭. ‬

عن‭ ‬توجهاته‭ ‬الفكرية،‭ ‬يتحدث‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬عن‭ ‬المنابع‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬نهل‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬نشأته‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬اهتماماته‭ ‬المبكرة‭ ‬بالأدب‭ ‬والثقافة،‭ ‬ثم‭ ‬الميول‭ ‬الفكرية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬والتي‭ ‬عزاها‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬محيط‭ ‬مدينة‭ ‬كربلاء‮»‬‭ ‬وتأثره‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مبكرة‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬بما‭ ‬وصفه‭ ‬‮«‬التثقيف‭ ‬الشيعي‭ ‬المعروف‭ ‬الصفات‮»‬‭. ‬لكنه‭ ‬يتحرر‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التأثيرات،‭ ‬متحدثا‭ ‬عن‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة‭ ‬ينشغل‭ ‬فيها‭ ‬بالصراع‭ ‬بين‭ ‬الميول‭ ‬القومية‭ ‬والميول‭ ‬الماركسية‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬ويبتعد‭ ‬فيها‭ ‬تدريجياً‭ ‬عن‭ ‬الفكر‭ ‬الشيوعي‭.‬

مؤسس‭ ‬أول‭ ‬نواة‭ ‬لحزب‭ ‬البعث‭ ‬في‭ ‬كربلاء

البدايات‭ ‬السياسية

يروي‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬تعلقه‭ ‬بالأفكار‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬أربعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬حقبة‭ ‬تاريخية‭ ‬دار‭ ‬فيها‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬الفكر‭ ‬القومي‭ ‬والفكر‭ ‬الماركسي،‭ ‬إذ‭ ‬يؤكد‭ ‬أنه‭ ‬راعه‭ ‬كثيراً‭ ‬وقوف‭ ‬الشيوعية‭ ‬العراقية‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬جانب‭ ‬الصهيونية‭ ‬وإسرائيل‭ ‬بعد‭ ‬قيامها‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1948‮»‬‭. ‬تلك‭ ‬كانت‭ ‬محطات‭ ‬ساهمت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬وعيه‭ ‬القومي،‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬شعوراً‭ ‬وطنياً‭ ‬تولد‭ ‬لديه‭ ‬‮«‬ضد‭ ‬الاستعمار‭ ‬الغربي‭ ‬والنظام‭ ‬الملكي‭ ‬آنذاك‮»‬‭. ‬

ينتقل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تجربته‭ ‬المبكرة‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬قرأ‭ ‬دستور‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬وأُعجب‭ ‬به‭ ‬فانضم‭ ‬إلى‭ ‬صفوفه‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬عام‭ ‬1949‭ ‬والشخصيات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬التقاها‭ ‬وتوطدت‭ ‬علاقته‭ ‬بها‭ ‬وفي‭ ‬المقدمة‭ ‬منها‭ ‬مؤسس‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬ميشيل‭ ‬عفلق‭. ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يتحدث‭ ‬الكاتب‭ ‬بإسهاب‭ ‬عن‭ ‬تجربته‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬أثناء‭ ‬سنوات‭ ‬دراسته‭ ‬هناك،‭ ‬والتي‭ ‬قادته‭ ‬بحلول‭ ‬سنته‭ ‬الدراسية‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬تسلم‭ ‬مسؤولية‭ ‬تنظيمات‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬وتعرضه‭ ‬للسجن‭ ‬بسببها،‭ ‬ليعقب‭ ‬ذلك‭ ‬تخرجه‭ ‬وبدء‭ ‬مرحلة‭ ‬انتشار‭ ‬تنظيمات‭ ‬البعث‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭ ‬حيثما‭ ‬انتقل‭ ‬اليها‭ ‬مع‭ ‬بقية‭ ‬أعضاء‭ ‬الحزب‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬دراستهم‭.‬

‭ ‬بعد‭ ‬تخرجه‭ ‬من‭ ‬الجامعة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬بيروت،‭ ‬يعود‭ ‬حمادي‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬النجف‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬حيث‭ ‬يمضي‭ ‬عاماً‭ ‬في‭ ‬تدريس‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتجارة‭ ‬في‭ ‬اعدادية‭ ‬النجف،‭ ‬ويواصل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬نشاطه‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬الحزب‭ ‬متنقلاً‭ ‬بين‭ ‬النجف‭ ‬وبين‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كربلاء‭ ‬حاملاً‭ ‬معه‭ ‬أفكاره‭ ‬القومية‭ ‬حيث‭ ‬أسس‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭ ‬أول‭ ‬نواة‭ ‬لحزب‭ ‬البعث‭. ‬

وبعد‭ ‬مضي‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬النجف،‭ ‬يغادر‭ ‬حمادي‭ ‬العراق‭ ‬متوجها‭ ‬إلى‭ ‬ولاية‭ ‬ويسكونسن‭ ‬الأمريكية‭ ‬لمواصلة‭ ‬دراسته‭ ‬الجامعية‭ ‬متخصصاً‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الزراعي‭ ‬حيث‭ ‬يمضي‭ ‬هناك‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬ليعود‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬ويعين‭ ‬أستاذاً‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الزراعة‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬بغداد‭. ‬وعن‭ ‬تجربته‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬يعدها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬‮«‬المواجهة‭ ‬الأولى‮»‬،‭ ‬يسجل‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬اعجابه‭ ‬بروح‭ ‬التسامح،‭ ‬وتقبل‭ ‬الرأي‭ ‬الآخر،‭ ‬والأجواء‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬لفتت‭ ‬نظره‭ ‬أثناء‭ ‬فترة‭ ‬مكوثه‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حيث‭ ‬مارس‭ ‬نشاطاته‭ ‬القومية‭ ‬بكامل‭ ‬حريته‭ ‬وتفتح‭ ‬ذهنه‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬رسخت‭ ‬قناعاته‭ ‬السياسية‭. ‬يختصر‭ ‬حمادي‭ ‬نمو‭ ‬مشاعره‭ ‬السياسية‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬قُلت‭ ‬إن‭ ‬جذور‭ ‬تفكيري‭ ‬كانت‭ ‬إسلامية،‭ ‬ولكن‭ ‬تطور‭ ‬تفكيري‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬النشاط‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬بيروت،‭ ‬إلى‭ ‬القومية‭ ‬العلمانية،‭ ‬وبدأت‭ ‬تتوضح‭ ‬لي‭ ‬الآثار‭ ‬السلبية‭ ‬للطائفية‭ ‬التي‭ ‬تعرّضت‭ ‬لثقافتها‭ ‬في‭ ‬طفولتي‭ ‬في‭ ‬كربلاء،‭ ‬فزاد‭ ‬تعلّقي‭ ‬بالقومية‭ ‬والطابع‭ ‬القومي‭ ‬للدولة‭ ‬الأموية‭ ‬في‭ ‬دمشق،‭ ‬ولكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عربي‮»‬‭. ‬ويؤكد‭ ‬حمادي‭ ‬برؤية‭ ‬صادقة‭ ‬بعد‭ ‬تجربة‭ ‬سياسية‭ ‬غنية‭ ‬دامت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬بأنه‭ ‬يرى‭ ‬اليوم‭ ‬‮«‬أن‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬الهدف‭ ‬الأول‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ينصب‭ ‬إليه‭ ‬اهتمام‭ ‬العرب،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يغفل‭ ‬الأهداف‭ ‬الأخرى،‭ ‬ليختم‭ ‬كلامه‭ ‬بالقول‭ ‬‮«‬إنني‭ ‬قومي‭ ‬وحدوي‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‮»‬‭.  ‬وعن‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬ثورة‭ ‬1958‭ ‬يقول‭ ‬حمادي‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬مرّت‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وعموم‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬أظهرت‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬‮«‬العلّة‮»‬‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬قلّة‭ ‬المرونة‭. ‬أضاف‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬التي‭ ‬تأسس‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬‮«‬بقي‭ ‬مُصرّاً‭ ‬على‭ ‬بقاء‭ ‬الفئة‭ ‬الحاكمة‭ ‬نفسها،‭ ‬وعلى‭ ‬موقفه‭ ‬وآرائه‭ ‬ومراكزه‮»‬،‭ ‬وعدّ‭ ‬ذلك‭ ‬النظام‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬تقبل‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬فحاربها‭ ‬وتصدى‭ ‬لها‭ ‬بكل‭ ‬قوة‭. ‬

عبدالكريم‭ ‬قاسم‭ ‬غريب‭ ‬الاطوار‭ ‬وعبدالسلام‭ ‬عارف‭ ‬مرائي

يستعرض‭ ‬الكاتب‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تطورات‭ ‬الأحداث‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬ثم‭ ‬العراق،‭ ‬ويكرس‭ ‬مساحات‭ ‬واسعة‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أحداث‭ ‬رئيسة‭ ‬وقعت‭ ‬أواخر‭ ‬الخمسينيات‭ ‬ومطلع‭ ‬الستينيات‭ ‬في‭ ‬البلدين،‭ ‬ولعل‭ ‬أبرزها‭ ‬فشل‭ ‬تجربة‭ ‬الوحدة‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وسوريا‭. ‬

ينتقل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تجربته‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1958‭ ‬وتسلمه‭ ‬بعد‭ ‬بضعة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬وقوعها‭ ‬مسؤولية‭ ‬جريدة‭ ‬الجمهورية،‭ ‬اذ‭ ‬كتب‭ ‬أول‭ ‬مقالة‭ ‬افتتاحية‭ ‬فيها‭ ‬باسمه‭ ‬الشخصي‭ ‬وأصبح‭ ‬رئيسا‭ ‬لتحريرها‭ ‬لحين‭ ‬حدوث‭ ‬الانقسام‭ ‬الخطير‭ ‬بين‭ ‬قادة‭ ‬الثورة،‭ ‬بين‭ ‬تيار‭ ‬قومي‭ ‬وآخر‭ ‬شيوعي‭ ‬تمكن‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬من‭ ‬استقطابه‭. ‬

يصف‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬الزعيم‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬رجل‭ ‬غريب‭ ‬الأطوار،‭ ‬همه‭ ‬أن‭ ‬يحكم‭ ‬وأن‭ ‬يستمر‭ ‬في‭ ‬الحكم‮»‬،‭ ‬فأحيا‭ ‬التمرد‭ ‬الكردي‭ ‬شمال‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كاد‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬الملكي،‭ ‬وطبق‭ ‬سياسة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬العهد‭ ‬الملكي‭ ‬قد‭ ‬بدأها،‭ ‬ما‭ ‬أفضى‭ ‬إلى‭ ‬حصول‭ ‬انقسام‭ ‬وطني‭. ‬وعن‭ ‬الأخطاء‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬العراقي،‭ ‬يسجل‭ ‬الكاتب‭ ‬قناعته‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬‮«‬لن‭ ‬تقوم‭ ‬له‭ ‬قائمة‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬له‭ ‬عام‭ ‬1963‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭. ‬كما‭ ‬يوجه‭ ‬الكاتب‭ ‬انتقاده‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬عارف‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬‮«‬مرائياً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تقريباً‮»‬،‭ ‬في‭ ‬دينه،‭ ‬وفي‭ ‬دفاعه‭ ‬عن‭ ‬المبادئ‭ ‬القومية،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قوله‭.‬

فؤاد‭ ‬الركابي‭ ‬اهتم‭ ‬بالحكم‭ ‬وأهمل‭ ‬الحزب

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يروي‭ ‬الكاتب‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬مكالمة‭ ‬هاتفية‭ ‬جرت‭ ‬بين‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬عارف‭ ‬والرئيس‭ ‬المصري‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬تصرف‭ ‬خلالها‭ ‬عارف‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬لائقة‭ ‬مستهزئاً‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬الرئيس‭ ‬المصري‭ ‬يقوله‭ ‬أما‭ ‬الحضور،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كون‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬حليفه‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬لا‭ ‬يُحمّل‭ ‬هذين‭ ‬الطرفين‭ ‬بمفردهما‭ ‬انحراف‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬‮«‬عام‭ ‬1958‭ ‬إذ‭ ‬نجده‭ ‬يوجه‭ ‬أصابع‭ ‬الاتهام‭ ‬بصورة‭ ‬متوازية‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬حزب‭ ‬البعث،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أمين‭ ‬سر‭ ‬قيادته‭ ‬القطرية،‭ ‬فؤاد‭ ‬الركابي،‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬وزيرا‭ ‬للإعمار‭ ‬بعد‭ ‬الثورة،‭ ‬والذي‭ ‬قاله‭ ‬عنه‭ ‬إنه‭ ‬أولى‭ ‬‮«‬اهتماماً‭ ‬بالحكم‭ ‬وأهمل‭ ‬الحزب‮»‬‭ ‬ليتحول‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬سياسي‭ ‬محترف‮»‬‭. ‬يأخذ‭ ‬حمادي‭ ‬على‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يحاول‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬التوصل‭ ‬لاتفاق‭ ‬مع‭ ‬الشيوعيين‭ ‬لتحقيق‭ ‬تطلعات‭ ‬الشعب‭ ‬القومية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬التفاهم‭ ‬معهم‭ ‬بشأن‭ ‬البديل‭ ‬الذي‭ ‬طرحوه‭ ‬للوحدة‭ ‬العربية‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬الاتحاد‭ ‬الفيدرالي‮»‬،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قناعته‭ ‬بأن‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬كان‭ ‬سيرفض‭ ‬ذلك‭. ‬لم‭ ‬يمكث‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬في‭ ‬منصبه‭ ‬كرئيس‭ ‬تحرير‭ ‬لجريدة‭ ‬العهد‭ ‬الجديد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بضعه‭ ‬أشهر،‭ ‬حتى‭ ‬علم‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬مهدداً‭ ‬بالاعتقال‭ ‬من‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬فهرب‭ ‬إلى‭ ‬سورياً‭ ‬وواصل‭ ‬نشاطه‭ ‬السياسي‭ ‬من‭ ‬هناك،‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ليبيا‭. ‬وهناك،‭ ‬يتزوج‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬من‭ ‬سيدة‭ ‬فلسطينية‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬الكيالي‭ ‬العريقة‭ ‬والتي‭ ‬وقفت‭ ‬معه‭ ‬طيلة‭ ‬حياتها‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬حمادي‭ ‬يُعتقل‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬ويُحكم‭ ‬عليه‭ ‬بالسجن‭ ‬لمدة‭ ‬سنة‭ ‬واحدة‭ ‬بسبب‭ ‬نشاطه‭ ‬القومي،‭ ‬ويصاب‭ ‬خلال‭ ‬مكوثه‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬بمرض‭ ‬في‭ ‬الكبد‭ ‬بسبب‭ ‬الأوضاع‭ ‬السيئة‭ ‬وغياب‭ ‬الخدمة‭ ‬الصحية،‭ ‬وهو‭ ‬المرض‭ ‬الذي‭ ‬بقيت‭ ‬أعراضه‭ ‬تلاحقه‭ ‬طيلة‭ ‬حياته‭. ‬يمضي‭ ‬حمادي‭ ‬فترة‭ ‬سجنه‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬بيروت‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكث‭ ‬فيها‭ ‬طويلاً،‭ ‬فيقرر‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬رغم‭ ‬علمه‭ ‬بأنه‭ ‬سيسجن‭ ‬فور‭ ‬وصوله،‭ ‬لكنه‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬ويُلقى‭ ‬القبض‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬بغداد‭ ‬وينقل‭ ‬إلى‭ ‬السجن‭ ‬مباشرة‭. ‬لن‭ ‬تمضي‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬حتى‭ ‬يطاح‭ ‬بنظام‭ ‬قاسم‭ ‬ويطلق‭ ‬سراح‭ ‬الدكتور‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬ويعين‭ ‬وزيراً‭ ‬للإصلاح‭ ‬الزراعي‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬البعث‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬1963‭. ‬وعن‭ ‬فشل‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬يتحدث‭ ‬الكاتب‭ ‬عن‭ ‬الانقسامات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬التجربة،‭ ‬ويقول‭ ‬إنه‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬الاحداث‭ ‬وأنه‭ ‬يعرف‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬محور‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬الى‭ ‬فشل‭ ‬التجربة‭ ‬والتي‭ ‬عزاها‭ ‬إلى‭ ‬مشكلاتها‭ ‬الداخلية،‭ ‬كما‭ ‬يروي‭ ‬تفاصيل‭ ‬اعدام‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شاهداً‭ ‬مباشراً‭ ‬عليها‭ ‬لكنه‭ ‬دخل‭ ‬إلى‭ ‬الغرفة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬فيها‭ ‬تنفيذ‭ ‬حكم‭ ‬الاعدام‭ ‬بعد‭ ‬ساعات‭ ‬معدودة‭ ‬من‭ ‬تنفيذ‭ ‬الحكم‭ ‬حيث‭ ‬طغى‭ ‬دخان‭ ‬الرصاص‭ ‬على‭ ‬جو‭ ‬الغرفة‭. ‬

اول‭ ‬لقاء‭ ‬مع‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬على‭ ‬جسر‭ ‬الصرافية

ينتقل‭ ‬الدكتور‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬إلى‭ ‬الحقبة‭ ‬التالية‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬عاد‭ ‬الى‭ ‬بغداد‭ ‬من‭ ‬دمشق‭ ‬قبل‭ ‬تسلم‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬مقاليد‭ ‬الحكم‭ ‬عام‭ ‬1968‭ ‬وبقي‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عمل‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬استوقفني‭ ‬الرفيق‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬على‭ ‬جسر‭ ‬الصرافية‭… ‬وعرض‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬رئيساً‭ ‬لشركة‭ ‬النفط‭ ‬الوطنية،‭ ‬فأجبته‭ ‬بالإيجاب‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬العام‭ ‬1970‭ ‬يعين‭ ‬حمادي‭ ‬وزيراً‭ ‬للنفط،‭ ‬حيث‭ ‬يكرس‭ ‬مساحات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬المؤسسات‭ ‬الغربية‭ ‬وشركات‭ ‬النفط‭ ‬الكبرى‭ ‬والعمل‭ ‬الاستخباري‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬ضد‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬ومراقبتها‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬ينتقل‭ ‬الكاتب‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬المفاوضات‭ ‬الطويلة‭ ‬والشاقة‭ ‬التي‭ ‬خاضها‭ ‬العراق‭ ‬مع‭ ‬شركات‭ ‬النفط‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬التأميم‭ ‬وحل‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬عالقة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭. ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬يؤكد‭ ‬حمادي‭ ‬أنه‭ ‬وبصفته‭ ‬وزيراً‭ ‬للنفط‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬شعر‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬يتمتع‭ ‬بثقة‭ ‬القيادة‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الوجوه‭: ‬الإخلاص‭ ‬والكفاءة‭ ‬والنزاهة‮»‬‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬يشعر‭ ‬براحة‭ ‬واطمئنان‭ ‬في‭ ‬عمله،‭ ‬وهي‭ ‬أمور‭ ‬قال‭ ‬إنها‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬مهمته‭.  ‬ينتقل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬حقبة‭ ‬عمله‭ ‬وزيراً‭ ‬للخارجية‭ ‬منذ‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬1974‭ ‬لنحو‭ ‬ثماني‭ ‬سنوات‭ ‬مستعرضاً‭ ‬بإسهاب‭ ‬النشاطات‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الشخصيات‭ ‬السياسية‭ ‬العالمية‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬التقى‭ ‬بها‭ ‬خلال‭ ‬عمله،‭ ‬وانطباعاته‭ ‬الشخصية‭ ‬المهمة‭ ‬حول‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الشخصيات‭ ‬والتي‭ ‬تستحق‭ ‬لوحدها‭ ‬عرضاً‭ ‬خاصاً‭. ‬

الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران

يتحدث‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أجزاء‭ ‬مذكراته‭ ‬عن‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬بذلها‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬وزيراً‭ ‬للخارجية‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬تأزم‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬العراق‭ ‬وإيران‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬وظروف‭ ‬لقائه‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬قمة‭ ‬عدم‭ ‬الانحياز‭ ‬في‭ ‬هافانا‭ ‬عام‭ ‬1980‭ ‬بوزير‭ ‬خارجية‭ ‬إيران‭ ‬إبراهيم‭ ‬يزدي‭ ‬الذي‭ ‬طلب‭ ‬منه‭ ‬لقاء‭ ‬الرئيس‭ ‬صدام‭ ‬حسين،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬رحب‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭. ‬تابع‭ ‬الوزير‭ ‬حمادي‭ ‬تحركه‭ ‬حيث‭ ‬التقى‭ ‬بسفير‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬ويدعى‭ ‬محمود‭ ‬دعائي،‭ ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬العراقي‭ ‬دعوة‭ ‬عقد‭ ‬اجتماع‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬عال‭ ‬بين‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬بلاده‭ ‬والقادة‭ ‬العراقيين،‭ ‬حيث‭ ‬وافق‭ ‬العراقيون‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬على‭ ‬المقترح،‭ ‬وبدا‭ ‬السفير‭ ‬الإيراني‭ ‬مسروراً‭ ‬بالموافقة‭ ‬العراقية،‭ ‬واستفسر‭ ‬من‭ ‬الوزير‭ ‬حمادي‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لدى‭ ‬الرئيس‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬ما‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬استقبال‭ ‬الوفد‭ ‬الإيراني‭ ‬بملابسهم‭ ‬الدينية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬رحب‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭. ‬سافر‭ ‬دعائي‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬والتقى‭ ‬بالرئيس‭ ‬مهدي‭ ‬بازركان‭ ‬الذي‭ ‬رحب‭ ‬بدوره‭ ‬بعقد‭ ‬اللقاءات‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬ثم‭ ‬توجه‭ ‬السفير‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬قم‭ ‬للقاء‭ ‬الخميني،‭ ‬وانقطعت‭ ‬حينها‭ ‬المعلومات،‭ ‬حيث‭ ‬علم‭ ‬الجانب‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬أن‭ ‬الخميني‭ ‬يرفض‭ ‬أي‭ ‬تفاهم‭ ‬مع‭ ‬العراقيين‭. ‬يتطرق‭ ‬الكاتب‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬وتفاصيلها‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬المذكرات،‭ ‬إذ‭ ‬يشير‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الأحدث‭ ‬بقوله‭ ‬إن‭ ‬ظهور‭ ‬الخمينية‭ ‬‮«‬رافقها‭ ‬أحلام‭ ‬تصدير‭ ‬الثورة‭ ‬والسعي‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والعراق‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬مقدسة‭ ‬وثروة‭ ‬نفطية‮»‬‭. ‬يُفصّل‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬الكتاب‭ ‬الجهود‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬بذلها‭ ‬للتصدي‭ ‬للحملة‭ ‬الإعلامية‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬مسلطاً‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬مساعي‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬‮«‬احتكار‭ ‬الإسلام‭ ‬وتكفير‭ ‬الآخرين‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الثقافي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بدافع‭ ‬المهنة‭ ‬بل‭ ‬‮«‬خدمة‭ ‬عامة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬أؤديها‭ ‬طوعاً‮»‬‭. ‬

حين‭ ‬عاتب‭ ‬تاتشر‭ ‬لدعمها‭ ‬ايران‭ ‬فقالت‭ ‬له‭: ‬وماهي‭ ‬السيادة؟

مواقف‭ ‬دولية‭ ‬تجاه‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الايرانية

عن‭ ‬تاريخ‭ ‬النزاع‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬والخلافات‭ ‬العميقة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬يروى‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬تفاصيل‭ ‬لقائه‭ ‬برئيسة‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطانية‭ ‬السابقة‭ ‬مارغريت‭ ‬تاتشر‭ ‬التي‭ ‬يصفها‭ ‬بأنها‭ ‬امرأة‭ ‬اعتيادية‭ ‬‮«‬لا‭ ‬مُنفّرة،‭ ‬ولا‭ ‬وَدودٌ‮»‬،‭ ‬ويسرد‭ ‬الكاتب‭ ‬بعض‭ ‬جوانب‭ ‬حديثه‭ ‬معها‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬عندما‭ ‬واجهها‭ ‬بكل‭ ‬صراحة،‭ ‬مُذكراً‭ ‬أن‭ ‬بلادها‭ ‬كانت‭ ‬ضالعة‭ ‬في‭ ‬تزويد‭ ‬إيران‭ ‬بالسلاح‭. ‬أوضح‭ ‬لها‭ ‬حمادي‭ ‬أن‭ ‬الدعم‭ ‬البريطاني‭ ‬لإيران‭ ‬تسبب‭ ‬بتمكين‭ ‬الشاه‭ ‬وتعريض‭ ‬العراق‭ ‬إلى‭ ‬ضغوطه،‭ ‬وبالتالي‭ ‬دعمه‭ ‬التمرد‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬الوطن،‭ ‬ما‭ ‬‮«‬اضطرنا‭ ‬إلى‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬سيادتنا‭ ‬على‭ ‬نصف‭ ‬شط‭ ‬العرب‮»‬‭. ‬ردت‭ ‬عليه‭ ‬تاتشر‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬وما‭ ‬هي‭ ‬السيادة؟‮»‬‭. ‬

وفي‭ ‬سياق‭ ‬المواقف‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬يستذكر‭ ‬الكاتب‭ ‬مواقف‭ ‬الرئيس‭ ‬الليبي‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬حيث‭ ‬يعيد‭ ‬التذكير‭ ‬بالترحيب‭ ‬والدعم‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬العراق‭ ‬للثورة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬وتوجه‭ ‬القادة‭ ‬العراقيين‭ ‬إلى‭ ‬طرابلس‭ ‬لتقديم‭ ‬التهنئة‭ ‬للعقيد‭ ‬القذافي‭ ‬بنجاح‭ ‬الثورة،‭ ‬ويستذكر‭ ‬كيف‭ ‬عرض‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬صدام‭ ‬حسين،‭ ‬في‭ ‬حينه،‭ ‬على‭ ‬القذافي‭ ‬استعداد‭ ‬العراق‭ ‬ارسال‭ ‬السلاح‭ ‬والعتاد‭ ‬والرجال‭ ‬لدعم‭ ‬الثورة‭ ‬الليبية‭. ‬بالمقابل،‭ ‬يستذكر‭ ‬الكاتب‭ ‬أن‭ ‬العقيد‭ ‬القذافي‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬شخص‭ ‬يقدم‭ ‬الصواريخ‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ (‬أرض‭ ‬ـ‭ ‬أرض‭) ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬لتقصف‭ ‬بها‭ ‬العاصمة‭ ‬بغداد‭ ‬ومدن‭ ‬عراقية‭ ‬أخرى‭. ‬وعن‭ ‬تصرفات‭ ‬مشابهة‭ ‬لزعماء‭ ‬عرب‭ ‬عزا‭ ‬الكاتب‭ ‬سلوكهم‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬أخلاقية،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬‮«‬انعدام‭ ‬الاخلاق‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬يروي‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬اجتماعات‭ ‬القيادة‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬اضطر‭ ‬الرئيس‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬إلى‭ ‬ترك‭ ‬الاجتماع‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أبلغ‭ ‬بأن‭ ‬الرئيس‭ ‬المصري‭ ‬الأسبق‭ ‬حسني‭ ‬مبارك‭ ‬يرغب‭ ‬بالتحدث‭ ‬معه‭ ‬هاتفياً‭. ‬لدى‭ ‬عودة‭ ‬الرئيس‭ ‬الى‭ ‬الاجتماع‭ ‬أبلغ‭ ‬الحضور‭ ‬أن‭ ‬مبارك‭ ‬تحدث‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬ضغوط‭ ‬أمريكية‭ ‬يواجهها‭ ‬مقابل‭ ‬حصول‭ ‬بلاده‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬القمح‭ ‬الأمريكية‭ ‬واصرارهم‭ ‬على‭ ‬تسديد‭ ‬مبلغ‭ ‬60‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬قبل‭ ‬وصول‭ ‬أية‭ ‬شحنة‭. ‬عندها‭ ‬استدرك‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬وقال‭ ‬لرفاقه‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬مبارك‭ ‬محرجاً‭ ‬ولم‭ ‬يشأ‭ ‬أن‭ ‬يطلب‭ ‬منه‭ ‬صراحةً‭ ‬مبلغ‭ ‬60‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭. ‬حينها‭ ‬أوعز‭ ‬الرئيس‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬كبار‭ ‬موظفيه‭ ‬بتحويل‭ ‬مبلغ‭ ‬60‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬فوراً‭. ‬بالمقابل،‭ ‬وبعد‭ ‬مضي‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحادثة،‭ ‬يستذكر‭ ‬حمادي،‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬احدى‭ ‬سفراته‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬أيام‭ ‬‮«‬الحصار‮»‬‭ ‬رفضت‭ ‬السلطات‭ ‬المصرية‭ ‬اقلاع‭ ‬طائرته‭ ‬الرسمية‭ ‬الخاصة‭ ‬من‭ ‬مطار‭ ‬القاهرة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسدد‭ ‬طاقمها‭ ‬قيمة‭ ‬الوقود‭ ‬عداً‭ ‬ونقداً‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬البلدين،‭ ‬والأفضال‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬العراق‭ ‬قد‭ ‬أغدق‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬مبارك‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬غياب‭ ‬الأخلاق‮»‬،‭ ‬عزا‭ ‬حمادي‭ ‬تصرفات‭ ‬مبارك‭ ‬والقذافي،‭ ‬وتصرفات‭ ‬قادة‭ ‬عرب‭ ‬وأجانب‭ ‬آخرين‭ ‬كان‭ ‬العراق‭ ‬قد‭ ‬قدم‭ ‬لهم‭ ‬دعماً‭ ‬مادياً‭ ‬ومعنوياً،‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬ترتبط‭ ‬بالأنانية‭ ‬وقصر‭ ‬النظر‭ ‬وتغليب‭ ‬المصالح‭ ‬الشخصية‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬الأمة‭. ‬ولا‭ ‬يفوت‭ ‬حمادي‭ ‬التذكير‭ ‬بأن‭ ‬السياسة‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬تعتمد‭ ‬المصالح‭ ‬ولا‭ ‬تكترث‭ ‬بالمواقف‭ ‬الأخلاقية‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يستنكره‭ ‬الكاتب‭.‬

الكويت‭ ‬

تضمنت‭ ‬المذكرات‭ ‬إشارات‭ ‬مقتضبة‭ ‬لكنها‭ ‬مباشرة‭ ‬وعميقة‭ ‬إلى‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬العراق‭ ‬والكويت،‭ ‬حيث‭ ‬اعتبر‭ ‬الكاتب‭ ‬أن‭ ‬حكومة‭ ‬البعث‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬1963‭ ‬‮«‬اندفعت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الإجراءات‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هو‭ ‬مؤيداً‭ ‬لها،‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬وزيراً،‭ ‬ورأى‭ ‬انها‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬خطأ،‭ ‬مشيراً‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬بمسألة‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الكويت،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مؤيداً‭ ‬للاتصالات‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬مع‭ ‬حكومة‭ ‬الكويت‭ ‬ومجيء‭ ‬وفد‭ ‬كويتي‭ ‬إلى‭ ‬بغداد،‭ ‬لكنه‭ ‬أردف‭ ‬قائلاً‭ ‬‮«‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬أن‭ ‬أعمل‭ ‬شيئاً‭ ‬لمنعه،‭ ‬فانسجمت‭ ‬بدافع‭ ‬الانضباط،‭ ‬وحصل‭ ‬ما‭ ‬حصل‮»‬‭. ‬ويمضي‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬معلقاً‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الاتصالات‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬موضوع‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالكويت‭ ‬عمل‭ ‬اثبتت‭ ‬الأيام‭ ‬نتائجه‭ ‬السلبية‭ ‬وكان‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬‮«‬الأسس‭ ‬القانونية‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬استند‭ ‬إليها‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثيني‭ ‬بقيادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬العراق‮»‬‭. ‬يستذكر‭ ‬الكاتب‭ ‬أيضا‭ ‬قائلا‭ ‬إن‭ ‬الاتفاق‭ ‬بين‭ ‬العراق‭ ‬والكويت‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬التوصل‭ ‬إليه‭ ‬عام‭ ‬1963‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يصادق‭ ‬عليه‭ ‬دستورياً،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬خطأ‭ ‬سببه‭ ‬التسرع‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع،‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬استعراضه‭ ‬لما‭ ‬دار‭ ‬خلال‭ ‬اللقاءات‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬عقدها‭ ‬مع‭ ‬قادة‭ ‬العالم‭ ‬ووزراء‭ ‬خارجيتها،‭ ‬يستذكر‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬زيارة‭ ‬له‭ ‬إلى‭ ‬موسكو‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬طهران‭ ‬مع‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬طارق‭ ‬عزيز‭ ‬عشية‭ ‬العدوان‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬حيث‭ ‬اجتمعا‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬هاشمي‭ ‬رفسنجاني‭. ‬ذكر‭ ‬حمادي‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني‭ ‬بدا‭ ‬‮«‬متعاطفاً‮»‬‭ ‬مع‭ ‬العراق‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لمس‭ ‬من‭ ‬رفسنجاني‭ ‬رغبة‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬إقدام‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬احتلال‭ ‬‮«‬المنطقة‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬السعودية‮»‬‭. ‬بيد‭ ‬أنه‭ ‬يعود‭ ‬ويقول‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬الإيرانيين‭ ‬يمثل‭ ‬موقفا‭ ‬حقيقاً‭ ‬أم‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭. ‬

تجربة‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬العراق

يتحدث‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬في‭ ‬مذكراته‭ ‬عن‭ ‬تجربته‭ ‬في‭ ‬المناصب‭ ‬التي‭ ‬عمل‭ ‬فيها‭ ‬خلال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬ويشير‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬موضع‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬بــ‭ ‬‮«‬أزمة‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬العراق‮»‬‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬متعددة‭ ‬والتي‭ ‬قال‭ ‬إنها‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬تتفاعل‭ ‬بصمت‮»‬‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعلن‭ ‬عنها‭ ‬لأسباب‭ ‬متعددة‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬ظروف‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬النصر‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬يستدعي‭ ‬التغاضي‭ ‬عن‭ ‬سواها‭ ‬من‭ ‬الضرورات،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬عرضه‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬بشأن‭ ‬حرصه‭ ‬الدائم‭ ‬على‭ ‬الانضباط‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬الصف‭. ‬ويتطرق‭ ‬حمادي‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التفصيل‭ ‬عن‭ ‬موضوع‭ ‬الديمقراطية‭ ‬حيث‭ ‬يذكر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬طرح‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬اجتماعات‭ ‬القيادة‭ ‬العراقية‭ ‬قبل‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬وجرى‭ ‬التصويت‭ ‬حول‭ ‬ضرورة‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التصويت‭ ‬لم‭ ‬يحظّ‭ ‬سوى‭ ‬بصوتين‭ ‬مؤيدين‭ ‬لهذا‭ ‬التوجه‭ ‬وهما‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬وسعدون‭ ‬حمادي‭. ‬يلفت‭ ‬الكاتب‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬اللجان‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬شُكلت‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ – ‬الإيرانية‭ ‬والتي‭ ‬انيطت‭ ‬بها‭ ‬مهمة‭ ‬بحث‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الحريات‭ ‬واتاحة‭ ‬المجال‭ ‬لتأسيس‭ ‬أحزاب‭ ‬سياسية‭ ‬معارضة،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬يعترف‭ ‬بأن‭ ‬نتائج‭ ‬هذه‭ ‬اللجان‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مثمرة،‭ ‬وأن‭ ‬القرارات‭ ‬السياسية‭ ‬المتخذة‭ ‬تسير‭ ‬عكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭. ‬وفي‭ ‬موضع‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬يوضح‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬الحرية‭ ‬بكلمات‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬التأويل،‭ ‬فتراه‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬إنني‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬مبرراً‭ ‬لحجب‭ ‬حرية‭ ‬الرأي،‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال‭ ‬وتحت‭ ‬جميع‭ ‬الظروف‭. ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نفسح‭ ‬المجال‭ ‬للمواطن‭ ‬ليتدرب‭ ‬على‭ ‬سماع‭ ‬الآراء‭ ‬المتعددة،‭ ‬وأن‭ ‬نخرجه‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬الزجاجي‭ ‬الذي‭ ‬تخلقه‭ ‬الرقابة‭ ‬إلى‭ ‬الهواء‭ ‬الطبيعي‭ ‬الذي‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬الأوكسجين،‭ ‬كما‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬الجراثيم،‭ ‬ليأخذ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مفيد،‭ ‬وليقاوم‭ ‬بمناعته‭ ‬الطبيعية‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مضر‮»‬‭. ‬

مؤتمر‭ ‬عاصف

ينتقل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬تجربته‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تعرض‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬اتهامات‭ ‬لتطلعاته‭ ‬السياسية‭ ‬‮«‬غير‭ ‬المشروعة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬توليه‭ ‬منصب‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬أحداث‭ ‬الكويت‭. ‬يقول‭ ‬الكاتب‭ ‬إنه‭ ‬حقق‭ ‬نجاحاً‭ ‬كبيراً‭ ‬بمعية‭ ‬زملائه‭ ‬من‭ ‬الوزراء‭ ‬والخبراء‭ ‬الفنيين‭ ‬في‭ ‬إصلاح‭ ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬دمرته‭ ‬قوات‭ ‬التحالف‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬من‭ ‬جسور‭ ‬ومنشآت‭ ‬نفطية‭ ‬ومحطات‭ ‬توليد‭ ‬الطاقة،‭ ‬حيث‭ ‬تمكن‭ ‬الفنيون‭ ‬الذين‭ ‬عملوا‭ ‬تحت‭ ‬اشرافه‭ ‬كرئيس‭ ‬للوزراء‭ ‬من‭ ‬إصلاح‭ ‬130‭ ‬جسراً‭ ‬و244‭ ‬بناية‭ ‬تعرضت‭ ‬للدمار‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬قوات‭ ‬التحالف‭. ‬وبفضل‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬بذلتها‭ ‬هذه‭ ‬الكوادر‭ ‬العراقية،‭ ‬كان‭ ‬العراقيون‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الوقود‭ ‬لعجلاتهم‭ ‬بعد‭ ‬مضي‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬وقد‭ ‬تحقق‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بأياد‭ ‬وخبرات‭ ‬عراقية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬مساعدة‭ ‬أجنبية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬قوبلت‭ ‬برد‭ ‬فعل‭ ‬سلبي‭ ‬خلال‭ ‬المؤتمر‭ ‬القطري‭ ‬العاصف‭ ‬الذي‭ ‬عقده‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬حيث‭ ‬حمله‭ ‬حسين‭ ‬كامل‭ – ‬صهر‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ – ‬مسؤولية‭ ‬الإخفاقات،‭ ‬قائلا‭ ‬إن‭ ‬الدكتور‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬المصاعب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬العراق‭. ‬وكان‭ ‬حمادي‭ ‬قد‭ ‬أشار‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬مذكراته‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬لم‭ ‬يعترض‭ ‬على‭ ‬كلام‭ ‬حسين‭ ‬كامل‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬اعتبره‭ ‬الكاتب‭ ‬موافقة‭ ‬ضمنية‭ ‬على‭ ‬الانتقادات‭. ‬تعامل‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الانتقادات،‭ ‬على‭ ‬عادته‭ ‬في‭ ‬تجاربه‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬الحكم،‭ ‬بحكمة‭ ‬وصبر‭ ‬ولم‭ ‬يسحب‭ ‬ترشحه‭ ‬في‭ ‬الانتخابات،‭ ‬وعاد‭ ‬إلى‭ ‬داره‭ ‬بكل‭ ‬هدوء‭ ‬بعد‭ ‬اقصائه‭ ‬من‭ ‬منصبه‭. ‬لكن‭ ‬الرئيس‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬يعود‭ ‬عام‭ ‬1996‭ ‬ليتصل‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬المكتب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬خصص‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬‮«‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المجاملة‮»‬،‭ ‬ويطلب‭ ‬منه‭ ‬الترشح‭ ‬ثانية‭ ‬لرئاسة‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭. ‬

لا‭ ‬يتوقف‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬كثيراً‭ ‬عند‭ ‬سرد‭ ‬تجاربه‭ ‬الشخصية،‭ ‬لكنه‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬تجربته‭ ‬الغنية‭ ‬في‭ ‬الادارة‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬مرافق‭ ‬الدولة،‭ ‬وتجربته‭ ‬النضالية‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬عربية،‭ ‬ولقاءاته‭ ‬مع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الزعماء‭ ‬العرب،‭ ‬ليتناول‭ ‬أزمة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬شخصنة‭ ‬الظاهرة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مشكلة‭ ‬التفرد‭ ‬بالسلطة،‭ ‬متبعاُ‭ ‬منهجا‭ ‬حرص‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬الظواهر‭ ‬ومعالجة‭ ‬المرض‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رؤية‭ ‬موضوعية‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬التعصب‭ ‬والعواطف‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاطار،‭ ‬يتناول‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬أزمة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الاحتلال‭ ‬وبعده‭ ‬لافتاً‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬أخلاقي‭ ‬داخلي‭ ‬وعامل‭ ‬سلطوي‭ ‬خارجي‭ ‬ليخلص‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬تحقيق‭ ‬الحرية‭ ‬والعدالة‭ ‬والسلام‭ ‬يتطلب‭ ‬بناءً‭ ‬متوازناً‭ ‬لسلطة‭ ‬الدولة،‭ ‬وإن‭ ‬غياب‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬إحلال‭ ‬الاستبداد‭ ‬بدل‭ ‬الحرية‭. ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يتحدث‭ ‬الكاتب‭ ‬عن‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬خاضتها‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬علي‭ ‬يد‭ ‬بول‭ ‬بريمر‭ ‬بحجة‭ ‬إرساء‭ ‬دعائم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬والتي‭ ‬يرى‭ ‬أنها‭ ‬تسببت‭ ‬بالفوضى‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬العراق‭ ‬اليوم،‭ ‬فلا‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬ولا‭ ‬النضج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬كانا‭ ‬قد‭ ‬بلغا‭ ‬مرحلة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬والمضي‭ ‬قدما‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬البلاد‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يشيد‭ ‬الكاتب‭ ‬بما‭ ‬يصفه‭ ‬بـ»معادلة‭ ‬البناء‭ ‬الديمقراطي‮»‬‭ ‬التدريجية‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الانفراج‭ ‬السياسي‭ ‬وتوسيع‭ ‬الحريات‭ ‬بوجه‭ ‬عام،‭ ‬لكنه‭ ‬ينتقد‭ ‬الاداء‭ ‬الذي‭ ‬يرافق‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬طبقة‭ ‬سياسية‭ ‬تسعى‭ ‬دوماً‭ ‬إلى‭ ‬احتكار‭ ‬الحقيقة‭ ‬وبالتالي‭ ‬التشبث‭ ‬بالسلطة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يولد‭ ‬معه‭ ‬ظواهر‭ ‬مدانة‭ ‬نعيشها‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬وفي‭ ‬المقدمة‭ ‬منها‭ ‬الاستبداد‭ ‬والضغط‭ ‬عل‭ ‬المواطن‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الحياد‭ ‬وغياب‭ ‬النزاهة‭. ‬يلاحظ‭ ‬الكاتب‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسيات‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تدفع‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالقوى‭ ‬الخارجية‭. ‬

الأسر‭ ‬الأمريكي

‭ ‬يتحدث‭ ‬الدكتور‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬فصول‭ ‬كتابه‭ ‬عن‭ ‬الظروف‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬مرّ‭ ‬بها‭ ‬أثناء‭ ‬فترة‭ ‬وقوعه‭ ‬بالأسر‭ ‬لدى‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأمريكية،‭ ‬والتي‭ ‬وصفها‭ ‬بأنها‭ ‬تمثل‭ ‬‮«‬الوجه‭ ‬الثاني‮»‬‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وقال‭ ‬عنها‭ ‬إنها‭ ‬كانت‭ ‬الأسوأ‭ ‬والأقسى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬حالات‭ ‬الاعتقال‭ ‬التي‭ ‬مرّ‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬1963،‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭. ‬ولا‭ ‬يسع‭ ‬القارئ‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بالحزن‭ ‬والغضب‭ ‬إزاء‭ ‬المعاملة‭ ‬المهينة‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬لها‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬في‭ ‬الأسر‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬73‭ ‬عاماً‭ ‬وبدأت‭ ‬تظهر‭ ‬عليه‭ ‬بوادر‭ ‬المرض‭ ‬العضال‭ ‬الذي‭ ‬تسبب‭ ‬بعد‭ ‬بضع‭ ‬سنوات‭ ‬بوفاته‭. ‬يروي‭ ‬الكاتب‭ ‬بعض‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬واجهها‭ ‬في‭ ‬الاعتقال‭ ‬الامريكي‭ ‬وحالاتٍ‭ ‬تصرف‭ ‬فيها‭ ‬جنود‭ ‬المحتل‭ ‬‮«‬الأميين‮»‬‭ ‬بمنتهى‭ ‬الصفاقة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬جاءوا‭ ‬من‭ ‬‮«‬النصف‭ ‬الأخر‭ ‬للكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬وأقدموا‭ ‬على‭ ‬احتلال‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وجه‭ ‬حق‮»‬‭. ‬يصف‭ ‬الكاتب‭ ‬هؤلاء‭ ‬الجنود‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬خليط‭ ‬من‭ ‬شريحة‭ ‬متدنية‭ ‬ثقافياً‭ ‬واجتماعياً‮»‬،‭ ‬بيد‭ ‬أنه‭ ‬يعود‭ ‬ويتحدث‭ ‬عن‭ ‬حالات‭ ‬أخرى‭ ‬كان‭ ‬قلة‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬أكثر‭ ‬وعياً‭ ‬واحتراماً،‭ ‬حيث‭ ‬يروى‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الجنود‭ ‬الأمريكيين‭ ‬زاره‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬علم‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ويسكونسن‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬نشأ‭ ‬فيها‭ ‬ذلك‭ ‬الجندي‭ ‬ووعده‭ ‬ببذل‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يستطيع‭ ‬لتحسين‭ ‬ظروف‭ ‬أسره‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬الجندي‭ ‬عاد‭ ‬بعد‭ ‬بضعه‭ ‬أيام‭ ‬ليعتذر‭ ‬منه‭ ‬ويخبره‭ ‬بأنه‭ ‬يأسف‭ ‬لعدم‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬المساعدة‭. ‬ولا‭ ‬يفوت‭ ‬حمادي‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬التذكير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ ‬بأن‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬جاءت‭ ‬بالطائفية‭ ‬إلى‭ ‬العراق،‭ ‬وغرستها،‭ ‬لتبدأ‭ ‬مشروع‭ ‬تقسيم‭ ‬البلاد‭ ‬وإضعافه‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حد‭. ‬يختم‭ ‬الكاتب‭ ‬كلامه‭ ‬بالقول‭ ‬‮«‬حدث‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬عناصر‭ ‬الشر‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‮»‬،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬يحمل‭ ‬هؤلاء‭ ‬المحتلون‭ ‬للعراقيين‭ ‬أي‭ ‬احترام‭.‬

الوحدة‭ ‬العربية

لعل‭ ‬مسألة‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية‭ ‬وهمومها‭ ‬تحتلان‭ ‬أكبر‭ ‬مساحة‭ ‬في‭ ‬المذكرات‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬الدكتور‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬قبل‭ ‬احتلال‭ ‬العراق‭ ‬وبعده،‭ ‬فالوحدة‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬المسألة‭ ‬السامية‭ ‬التي‭ ‬آمن‭ ‬بها‭ ‬الكاتب‭ ‬طيلة‭ ‬حياته،‭ ‬وسعى‭ ‬للعمل‭ ‬على‭ ‬تحقيقها،‭ ‬وبناء‭ ‬الدعائم‭ ‬لها‭ ‬إنْ‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬نظرياً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمل‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬مارسه‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مراحل‭ ‬عمله‭ ‬الوطني،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬اليومي‭ ‬الذي‭ ‬اضطلع‭ ‬فيه‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬دراسته‭ ‬الجامعية‭ ‬الأولية‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬أواخر‭ ‬اربعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وليبيا،‭ ‬والذي‭ ‬تعرض‭ ‬بسببه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬إلى‭ ‬السجن‭. ‬لكن‭ ‬حمادي‭ ‬بقي‭ ‬مؤمناً‭ ‬بمبادئه‭ ‬مخلصاً‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬السراء‭ ‬والضراء‭ ‬ولم‭ ‬يتزحزح‭ ‬عنها‭ ‬حتى‭ ‬مماته‭. ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يؤكد‭ ‬حمادي‭ ‬بعد‭ ‬خروجه‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬أبان‭ ‬فترة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأمريكي‭ ‬للعراق‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬النهضة‭ ‬العربية،‭ ‬وأن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬موضع‭ ‬التنفيذ‭ ‬هو‭ ‬المخرج‭ ‬الوحيد‭ ‬من‭ ‬المأزق‭ ‬الذي‭ ‬تواجهه‭ ‬الأمة‭. ‬ويرى‭ ‬المؤلف‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬يتطلب‭ ‬نضال‭ ‬الشعب‭ ‬كله،‭ ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬فئة‭ ‬معينة،‭ ‬وهو‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬تلقائياً‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النضال‭ ‬والعمل‭ ‬الدؤوب‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬بكل‭ ‬الوحدويين‭ ‬العمل‭ ‬عليه‭ ‬على‭ ‬‮«‬أساس‭ ‬ديمقراطي‭ ‬سلمي‮»‬‭. ‬ويحدد‭ ‬حمادي‭ ‬في‭ ‬مذكراته‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬المشروع‭ ‬الوحدوي‭ ‬يتطلب‭ ‬قيام‭ ‬حركة‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬تطلعاتها‭ ‬موضع‭ ‬التنفيذ،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬فئات‭ ‬ومثقفين‭ ‬عديدين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬يتطلعون‭ ‬لهذا‭ ‬العمل‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يتطرق‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬صفة‭ ‬‮«‬الفتنة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تجتاح‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وفلسطين،‭ ‬والتي‭ ‬يرجع‭ ‬بعض‭ ‬أصولها،‭ ‬لغةً‭ ‬وتاريخاً،‭ ‬إلى‭ ‬الفتنة‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الإسلام،‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬عنها‭ ‬إنها‭ ‬تتسع‭ ‬فيغذي‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬فتتفرع‭ ‬وتتشابك‭ ‬فيقع‭ ‬الناس‭ ‬أسرى‭ ‬حبالها‭. ‬وبينما‭ ‬يشير‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬الفتنة‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬بين‭ ‬فتح‭ ‬وحماس‭ ‬والصراع‭ ‬المستمر‭ ‬بينهما،‭ ‬فهو‭ ‬يتطرق‭ ‬إلى‭ ‬فتنة‭ ‬الطائفية‭ ‬والعرقية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬التي‭ ‬ادخلتها‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬الامريكية‭ ‬الى‭ ‬العراق‭ ‬والتي‭ ‬تشكل‭ ‬جوهر‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬البلاد‭ ‬اليوم‭. ‬يصف‭ ‬حمادي‭ ‬الفتنة‭ ‬القائمة‭ ‬بالعراق‭ ‬بـ»الفجيعة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬أصحابها‭ ‬في‭ ‬‮«‬دوامة‭ ‬مغلقة‭ ‬يراق‭ ‬خلالها‭ ‬دم‭ ‬العراقيين‭ ‬وتدمر‭ ‬بلادهم‭ ‬بأيديهم‭ ‬وبمواردهم‮»‬‭. ‬ويخلص‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬السبيل‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬الفتنة‭ ‬الطائفية‭ ‬والعرقية‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الحكمة‭ ‬ونكران‭ ‬الذات‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬الوطنية‭ ‬والقومية‭. ‬لكن‭ ‬حمادي‭ ‬لا‭ ‬يخفي‭ ‬تشاؤمه‭ ‬فتجده‭ ‬يعترف‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬المرات‭ ‬السابقة‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬يتعرض‭ ‬إلى‭ ‬النفي‭ ‬خارج‭ ‬العراق‭ ‬فانه‭ ‬يعرف‭ ‬‮«‬أن‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬أمان‮»‬‭ ‬وأنه‭ ‬سيعود‭ ‬إليه‭ ‬وسيجده‭ ‬سالماً،‭ ‬أما‭ ‬الآن‭ ‬فإنه‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬سيحصل‭ ‬له‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬قدح‭ ‬الزجاج‭ ‬إذا‭ ‬سقط‭ ‬وتهشم‭ ‬وعلى‭ ‬الأرض‭ ‬‮«‬سيصعب،‭ ‬أو‭ ‬يستحيل‮»‬‭ ‬عودته‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬تصور‭ ‬مرعب‮»‬،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قوله‭. ‬

الخاتمة‭ ‬والاستنتاجات

يعود‭ ‬الدكتور‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬مذكراته‭ ‬إلى‭ ‬نضال‭ ‬الانسان‭ ‬العربي‭ ‬الدائم‭ ‬لنيل‭ ‬الحرية‭ ‬وتحقيق‭ ‬الحياة‭ ‬الحرة‭ ‬الكريمة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نظام‭ ‬ديمقراطي‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬حياته،‭ ‬ويشير‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬موضع‭ ‬إلى‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬العربي‭ ‬الممزق‭ ‬وتدخل‭ ‬قوى‭ ‬الاستعمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬في‭ ‬شؤوننا‭ ‬العربية،‭ ‬حيث‭ ‬يصف‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬إن‭ ‬الأجنبي‭ ‬أمسك‭ ‬بنا‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وصار‭ ‬ينصب‭ ‬فئات‭ ‬حاكمة‭ ‬علينا‮»‬‭. ‬يختتم‭ ‬حمادي‭ ‬مذكراته‭ ‬بالإشارة‭ ‬إلى‭ ‬وثيقتين‭ ‬تاريخيتين‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬جوهرية‭ ‬بصلب‭ ‬موضوع‭ ‬الكتاب،‭ ‬تتضمن‭ ‬الأولى‭ ‬رسالة‭ ‬كتبها‭ ‬الاسكندر‭ ‬المقدوني‭ ‬الى‭ ‬معلمه‭ ‬ارسطو‭ ‬بعد‭ ‬اجتياح‭ ‬جيوش‭ ‬الاسكندر‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬وبابل‭ ‬وقضائها‭ ‬على‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الفارسية‭. ‬يقول‭ ‬الاسكندر‭ ‬في‭ ‬رسالته‭ ‬إن‭ ‬كبار‭ ‬رجال‭ ‬الفرس‭ ‬جاءوا‭ ‬إليه‭ ‬برأس‭ ‬ملكهم‭ ‬بعد‭ ‬اجتياح‭ ‬جيوشه‭ ‬لبلادهم‭ ‬طمعاً‭ ‬بالتقرب‭ ‬إليه،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منه‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬أمر‭ ‬بصلبهم‭ ‬بعدما‭ ‬لمس‭ ‬منهم‭ ‬قلة‭ ‬وفائهم‭. ‬يذكر‭ ‬الاسكندر‭ ‬أيضاً‭ ‬أنه‭ ‬جمع‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أبناء‭ ‬ملوك‭ ‬الفرس‭ ‬وخاصتهم‭ ‬ممن‭ ‬جاءوا‭ ‬إليه‭ ‬طائعين‭ ‬وشاهد‭ ‬هيئتهم‭ ‬الجيدة‭ ‬ومنطقهم‭ ‬السليم،‭ ‬فقرر‭ ‬أن‭ ‬يستشير‭ ‬ارسطو‭ ‬بما‭ ‬يتعين‭ ‬عليه‭ ‬فعله‭ ‬بهم‭. ‬أجابه‭ ‬ارسطو‭ ‬برسالة‭ ‬يوردها‭ ‬الكاتب‭ ‬كاملة،‭ ‬ينصح‭ ‬فيها‭ ‬الاسكندر‭ ‬بعدم‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬قتلهم‭ ‬ويحذره‭ ‬بالقول‭ ‬‮«‬إنك‭ ‬إنْ‭ ‬تقتل‭ ‬أشرافهم،‭ ‬تخلّف‭ ‬الوضعاء‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬أعقابهم،‭ ‬وتورث‭ ‬سفلتهم‭ ‬منازلَ‭ ‬عليتهم‮»‬‭ ‬وأن‭ ‬الملوك‭ ‬لم‭ ‬يبتلوا‭ ‬ببلاء‭ ‬أعظم‭ ‬من‭ ‬‮«‬غلبة‭ ‬السفلة‭ ‬وذل‭ ‬الوجوه‮»‬‭. ‬وأظن‭ ‬أن‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬أراد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬أن‭ ‬يلخص‭ ‬الوضع‭ ‬الذي‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬شؤون‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأقطار‭ ‬التي‭ ‬تسلط‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬السفلة‮»‬‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬العباد‭. ‬

تعقيب

لا‭ ‬بد‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬الختام‭ ‬من‭ ‬التنويه‭ ‬إلى‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬شخصياً‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬عملي‭ ‬موظفاً‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬حزيران‭ ‬عام‭ ‬1980‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬الدكتور‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬وزيراً‭ ‬للخارجية‭. ‬لقد‭ ‬تمتع‭ ‬الراحل‭ ‬طيلة‭ ‬فترة‭ ‬عمله‭ ‬كوزير‭ ‬للخارجية‭ ‬باحترام‭ ‬وتقدير‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الوزارة‭ ‬الذين‭ ‬عرفوه‭ ‬بجديته‭ ‬ونزاهته‭ ‬وأدبه‭ ‬الجم‭. ‬تبوأ‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬طيلة‭ ‬أربعين‭ ‬عاماً‭ ‬مناصب‭ ‬رفيعة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬رئاسة‭ ‬وزراء‭ ‬البلاد‭ ‬ورئاسة‭ ‬برلمانه،‭ ‬وكان‭ ‬بوسعه‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬غنياً،‭ ‬لكننا‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬أيامه‭ ‬يشكو‭ ‬ضيق‭ ‬ذات‭ ‬اليد‭ ‬معبراً‭ ‬عن‭ ‬حزنه‭ ‬لعدم‭ ‬تمكنه‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أيام‭ ‬العيد‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬وفاته‭ ‬من‭ ‬دعوة‭ ‬أسرته‭ ‬إلى‭ ‬مأدبة‭ ‬غداء‭ ‬لائقة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬واجهها‭ ‬بسبب‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الدواء‭ ‬لعلاج‭ ‬مرضه‭ ‬العضال،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬نزاهته،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬عزت‭ ‬فيه‭ ‬النزاهة‭. ‬أخيراً،‭ ‬كموظف‭ ‬سابق‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية،‭ ‬فان‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬يرويها‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬لابد‭ ‬وأنها‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬مرت‭ ‬على‭ ‬زملائي،‭ ‬وربما‭ ‬توحي‭ ‬للقراء‭ ‬من‭ ‬الدبلوماسيين‭ ‬بأحداث‭ ‬عاشوها‭ ‬بتفاصيلها‭ ‬الحلوة‭ ‬والمرة،‭ ‬من‭ ‬الهند‭ ‬وحركة‭ ‬عدم‭ ‬الانحياز،‭ ‬إلى‭ ‬المواقف‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬العراق،‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬الكويت،‭ ‬ثم‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأمريكي‭ ‬البغيض،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬تسلط‭ ‬‮«‬السفلة‮»‬‭ ‬على‭ ‬مقادير‭ ‬الأمور‭. ‬وكما‭ ‬أسلفت‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬هذا‭ ‬العرض،‭ ‬فان‭ ‬من‭ ‬يقرأ‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعمئة‭ ‬صفحة‭ ‬يدرك‭ ‬بأن‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬اختار‭ ‬عدم‭ ‬الدخول‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الأحداث،‭ ‬وأنه‭ ‬آثر‭ ‬استنباط‭ ‬الدروس‭ ‬والعبر‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬الجسام‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬كمسؤول‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬مترفعاً‭ ‬عن‭ ‬ذكر‭ ‬الصغائر‭ ‬وشخصنة‭ ‬الأحداث‭. ‬لقد‭ ‬أوجز‭ ‬الدكتور‭ ‬حمادي‭ ‬في‭ ‬مذكراته‭ ‬لكنه‭ ‬أجاد‭ ‬وأوفى،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المبالغة‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬العراق‭ ‬فقد‭ ‬بوفاة‭ ‬الدكتور‭ ‬سعدون‭ ‬حمادي‭ ‬مثقفاً‭ ‬وشخصية‭ ‬وطنية‭ ‬ورجل‭ ‬دولة‭ ‬من‭ ‬الطراز‭ ‬الأول‭ ‬قلّ‭ ‬نظيره‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البلاد‭.