

عرض وتعليق: نواف شاذل طاقة
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسة في الدوحة في تشرين الثاني 2022 الجزء الأول من مذكرات ويوميات السياسي والمفكر العراقي الراحل الدكتور سعدون حمادي تحت عنوان «أوراق سعدون حمادي». وكان الراحل قد شغل مناصب مهمة في العراق منذ عام 1958 حتى غزو العراق عام 2003، أبرزها رئاسته تحرير جريدة الجمهورية التي صدرت عقب 14 تموز 1958، ثم تعيينه وزيراً للإصلاح الزراعي عام 1963، ثم رئيساً لشركة النفط الوطنية عام 1968، وبعدها وزيراً للنفط، ثم وزيراً للخارجية، ونائباً لرئيس الوزراء، ثم رئيسا للوزراء حيث قاد حملة اعمار البلاد عام 1991 بعد الدمار الذي أصاب العراق في أعقاب أحداث الكويت عام 1990. كان آخر منصب شغله الراحل هو ترأسه المجلس الوطني (البرلمان) لأكثر من دورة حتى وقوع العراق تحت الاحتلال الأجنبي عام 2003. يقول فريق الإعداد الذي أشرف على إصدار الكتاب أن الوثائق التي تضمنها الكتاب والتي ستلحق بجزء ثان وأخير، حصل عليها المركز من أسرة الدكتور حمادي وتتضمن الكثير من الخواطر والمذكرات الشخصية التي دوّنها في مراحل متعددة إضافة إلى الوثائق الأخرى المهمة، وهي مذكرات وخواطر ووثائق تسلط جميعها الضوء على جوانب مهمة من تاريخ العراق السياسي. يشير فريق الاعداد أيضا إلى أن المذكرات موضوع البحث دوّنها الدكتور حمادي على مرحلتين، الأولى كانت قبل احتلال العراق، والثانية بعد احتلاله.
يستهل سعدون حمادي مذكراته بالتعريف بنسبه، مستنداً بذلك إلى تقاليد العرب الراسخة التي لا يُخفي الكاتب اعتزازه بها عبر صفحات الكتاب. ويرجع نسب أسرة سعدون حمادي إلى قبيلة (زبيد) العربية التي سكنت قرب مدينة كربلاء العراقية حيث يشيد بخلق اسرته وسيرتهم ويقول إن أسرته «من أصول ريفية، عاشوا من عملهم، وهم من سواد الناس، لا من أغنيائهم، ولا من فقرائهم..».
ينطلق الكاتب في تدوين مذكراته من أساس «أخلاقي» إذ يعتبر أن لا شيء أفضل من الحقيقة، لكنه لا يغفل جانباً آخر مهماً أطلق عليه صفة «المصلحة» ،إذ رأى أن من الضروري الالتزام بمبدأ «المصلحة العامة» في رواية التاريخ، لكنه يعود ليؤكد أنه «لا يجوز مطلقاً أن يقول الإنسان عن سبق إصرار ما هو ضد الحقيقة». وعليه فان على القارئ ألاّ يتوقع قراءة تفاصيل أحداث تُروى على عواهنها بل عليه أن يدرك أنه أمام رجل مثقف صلب عركته الحياة ويعرف ماذا يريد أن يقول ومتى.
عن توجهاته الفكرية، يتحدث الدكتور حمادي عن المنابع الفكرية التي نهل منها في نشأته مشيراً إلى اهتماماته المبكرة بالأدب والثقافة، ثم الميول الفكرية الإسلامية، والتي عزاها إلى «محيط مدينة كربلاء» وتأثره في مراحل مبكرة من حياته بما وصفه «التثقيف الشيعي المعروف الصفات». لكنه يتحرر بعد ذلك من تلك التأثيرات، متحدثا عن مرحلة لاحقة ينشغل فيها بالصراع بين الميول القومية والميول الماركسية في العراق، ويبتعد فيها تدريجياً عن الفكر الشيوعي.
مؤسس أول نواة لحزب البعث في كربلاء
البدايات السياسية
يروي الدكتور حمادي الظروف التي رافقت تعلقه بالأفكار القومية في أواخر أربعينيات القرن الماضي في خضم حقبة تاريخية دار فيها صراع بين الفكر القومي والفكر الماركسي، إذ يؤكد أنه راعه كثيراً وقوف الشيوعية العراقية إلى «جانب الصهيونية وإسرائيل بعد قيامها في عام 1948». تلك كانت محطات ساهمت على ما يبدو في بلورة وعيه القومي، إذ يقول إن شعوراً وطنياً تولد لديه «ضد الاستعمار الغربي والنظام الملكي آنذاك».
ينتقل بعد ذلك إلى تجربته المبكرة في الجامعة الأمريكية في بيروت حيث يقول إنه قرأ دستور حزب البعث وأُعجب به فانضم إلى صفوفه في بيروت عام 1949 والشخصيات العربية التي التقاها وتوطدت علاقته بها وفي المقدمة منها مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق. إلى ذلك، يتحدث الكاتب بإسهاب عن تجربته في العمل السياسي أثناء سنوات دراسته هناك، والتي قادته بحلول سنته الدراسية الأخيرة إلى تسلم مسؤولية تنظيمات حزب البعث في لبنان، وتعرضه للسجن بسببها، ليعقب ذلك تخرجه وبدء مرحلة انتشار تنظيمات البعث في بلدان عربية أخرى حيثما انتقل اليها مع بقية أعضاء الحزب بعد انتهاء دراستهم.
بعد تخرجه من الجامعة الأمريكية في بيروت، يعود حمادي إلى مدينة النجف في العراق حيث يمضي عاماً في تدريس الاقتصاد والتجارة في اعدادية النجف، ويواصل في الوقت نفسه نشاطه السياسي في الحزب متنقلاً بين النجف وبين مسقط رأسه في مدينة كربلاء حاملاً معه أفكاره القومية حيث أسس في كربلاء أول نواة لحزب البعث.
وبعد مضي عام واحد في النجف، يغادر حمادي العراق متوجها إلى ولاية ويسكونسن الأمريكية لمواصلة دراسته الجامعية متخصصاً في مجال الاقتصاد الزراعي حيث يمضي هناك أربع سنوات ليعود بعدها إلى العراق ويعين أستاذاً في كلية الزراعة في العاصمة بغداد. وعن تجربته في الولايات المتحدة، التي يعدها في وقت لاحق «المواجهة الأولى»، يسجل الدكتور حمادي اعجابه بروح التسامح، وتقبل الرأي الآخر، والأجواء الديمقراطية التي لفتت نظره أثناء فترة مكوثه في الولايات المتحدة حيث مارس نشاطاته القومية بكامل حريته وتفتح ذهنه على المعرفة الغربية التي رسخت قناعاته السياسية. يختصر حمادي نمو مشاعره السياسية بقوله «قُلت إن جذور تفكيري كانت إسلامية، ولكن تطور تفكيري منذ أيام النشاط القومي في الجامعة الأمريكية في بيروت، إلى القومية العلمانية، وبدأت تتوضح لي الآثار السلبية للطائفية التي تعرّضت لثقافتها في طفولتي في كربلاء، فزاد تعلّقي بالقومية والطابع القومي للدولة الأموية في دمشق، ولكل ما هو عربي». ويؤكد حمادي برؤية صادقة بعد تجربة سياسية غنية دامت أكثر من نصف قرن بأنه يرى اليوم «أن الوحدة العربية هي الهدف الأول» الذي يجب أن ينصب إليه اهتمام العرب، من دون أن يغفل الأهداف الأخرى، ليختم كلامه بالقول «إنني قومي وحدوي قبل كل شيء». وعن المرحلة التي سبقت ثورة 1958 يقول حمادي أن التجارب العديدة التي مرّت على العراق وسوريا وعموم البلاد العربية قبل ذلك التاريخ أظهرت له أن «العلّة» الرئيسية في عموم بلدان العالم الثالث تكمن في قلّة المرونة. أضاف أن النظام السياسي التي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية «بقي مُصرّاً على بقاء الفئة الحاكمة نفسها، وعلى موقفه وآرائه ومراكزه»، وعدّ ذلك النظام عاجزاً عن تقبل القوى السياسية الجديدة التي ظهرت فحاربها وتصدى لها بكل قوة.
عبدالكريم قاسم غريب الاطوار وعبدالسلام عارف مرائي
يستعرض الكاتب بعد ذلك تطورات الأحداث السياسية التي عاشها في لبنان وسوريا ثم العراق، ويكرس مساحات واسعة للحديث عن تجربة حزب البعث لا سيما في سوريا والعراق من خلال أحداث رئيسة وقعت أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات في البلدين، ولعل أبرزها فشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا.
ينتقل بعد ذلك إلى تجربته في العراق بعد عام 1958 وتسلمه بعد بضعة أيام من وقوعها مسؤولية جريدة الجمهورية، اذ كتب أول مقالة افتتاحية فيها باسمه الشخصي وأصبح رئيسا لتحريرها لحين حدوث الانقسام الخطير بين قادة الثورة، بين تيار قومي وآخر شيوعي تمكن عبد الكريم قاسم من استقطابه.
يصف سعدون حمادي الزعيم عبد الكريم قاسم بأنه «رجل غريب الأطوار، همه أن يحكم وأن يستمر في الحكم»، فأحيا التمرد الكردي شمال العراق بعد أن كاد أن ينتهي في العهد الملكي، وطبق سياسة العنف في الحياة السياسية التي كان العهد الملكي قد بدأها، ما أفضى إلى حصول انقسام وطني. وعن الأخطاء العديدة التي ارتكبها الحزب الشيوعي العراقي، يسجل الكاتب قناعته بأن هذا الحزب «لن تقوم له قائمة» بعد ما حدث له عام 1963 على يد حزب البعث. كما يوجه الكاتب انتقاده أيضا إلى الرئيس عبد السلام عارف الذي كان «مرائياً في كل شيء تقريباً»، في دينه، وفي دفاعه عن المبادئ القومية، على حد قوله.
فؤاد الركابي اهتم بالحكم وأهمل الحزب
في هذا السياق يروي الكاتب أنه كان شاهداً على مكالمة هاتفية جرت بين عبد السلام عارف والرئيس المصري جمال عبد الناصر تصرف خلالها عارف بطريقة غير لائقة مستهزئاً بما كان الرئيس المصري يقوله أما الحضور، على الرغم من كون عبد الناصر حليفه. غير أن سعدون حمادي لا يُحمّل هذين الطرفين بمفردهما انحراف «ثورة «عام 1958 إذ نجده يوجه أصابع الاتهام بصورة متوازية إلى قيادة حزب البعث، لا سيما أمين سر قيادته القطرية، فؤاد الركابي، الذي أصبح وزيرا للإعمار بعد الثورة، والذي قاله عنه إنه أولى «اهتماماً بالحكم وأهمل الحزب» ليتحول بعد ذلك إلى «سياسي محترف». يأخذ حمادي على حزب البعث خلال تلك الحقبة أنه لم يحاول السعي إلى التوصل لاتفاق مع الشيوعيين لتحقيق تطلعات الشعب القومية، في حين كان من الممكن التفاهم معهم بشأن البديل الذي طرحوه للوحدة العربية تحت عنوان «الاتحاد الفيدرالي»، على الرغم من قناعته بأن عبد الكريم قاسم كان سيرفض ذلك. لم يمكث سعدون حمادي في منصبه كرئيس تحرير لجريدة العهد الجديد أكثر من بضعه أشهر، حتى علم أنه أصبح مهدداً بالاعتقال من عبد الكريم قاسم فهرب إلى سورياً وواصل نشاطه السياسي من هناك، ثم انتقل بعد ذلك إلى ليبيا. وهناك، يتزوج سعدون حمادي من سيدة فلسطينية من أسرة الكيالي العريقة والتي وقفت معه طيلة حياتها. غير أن حمادي يُعتقل في ليبيا ويُحكم عليه بالسجن لمدة سنة واحدة بسبب نشاطه القومي، ويصاب خلال مكوثه في السجن بمرض في الكبد بسبب الأوضاع السيئة وغياب الخدمة الصحية، وهو المرض الذي بقيت أعراضه تلاحقه طيلة حياته. يمضي حمادي فترة سجنه في ليبيا ثم يعود إلى بيروت التي لا يمكث فيها طويلاً، فيقرر العودة إلى بغداد رغم علمه بأنه سيسجن فور وصوله، لكنه يصر على العودة ويُلقى القبض عليه في مطار بغداد وينقل إلى السجن مباشرة. لن تمضي فترة طويلة حتى يطاح بنظام قاسم ويطلق سراح الدكتور سعدون حمادي ويعين وزيراً للإصلاح الزراعي في حكومة البعث الأولى عام 1963. وعن فشل هذه التجربة، يتحدث الكاتب عن الانقسامات التي شهدتها التجربة، ويقول إنه عاش في خضم هذه الاحداث وأنه يعرف الأشخاص الذين كانوا محور الصراع الذي أدى الى فشل التجربة والتي عزاها إلى مشكلاتها الداخلية، كما يروي تفاصيل اعدام عبد الكريم قاسم التي لم يكن شاهداً مباشراً عليها لكنه دخل إلى الغرفة التي تم فيها تنفيذ حكم الاعدام بعد ساعات معدودة من تنفيذ الحكم حيث طغى دخان الرصاص على جو الغرفة.
اول لقاء مع صدام حسين على جسر الصرافية
ينتقل الدكتور سعدون حمادي إلى الحقبة التالية حيث يقول إنه عاد الى بغداد من دمشق قبل تسلم حزب البعث مقاليد الحكم عام 1968 وبقي فترة من دون عمل حتى «استوقفني الرفيق صدام حسين على جسر الصرافية… وعرض عليّ أن أكون رئيساً لشركة النفط الوطنية، فأجبته بالإيجاب». وفي العام 1970 يعين حمادي وزيراً للنفط، حيث يكرس مساحات واسعة في الكتاب للحديث عن دور المؤسسات الغربية وشركات النفط الكبرى والعمل الاستخباري الذي كانت تقوم به هذه الشركات ضد الحكومة العراقية ومراقبتها ما يجري في العراق. ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى المفاوضات الطويلة والشاقة التي خاضها العراق مع شركات النفط وصولا إلى التأميم وحل المشكلات التي كانت عالقة بين الطرفين. حول هذه التجربة، يؤكد حمادي أنه وبصفته وزيراً للنفط خلال تلك الحقبة شعر بأنه «يتمتع بثقة القيادة من جميع الوجوه: الإخلاص والكفاءة والنزاهة» ما جعله يشعر براحة واطمئنان في عمله، وهي أمور قال إنها أسهمت في نجاح مهمته. ينتقل بعد ذلك إلى حقبة عمله وزيراً للخارجية منذ تشرين الثاني 1974 لنحو ثماني سنوات مستعرضاً بإسهاب النشاطات السياسية والثقافية التي قام بها خلال تلك الحقبة بما في ذلك الشخصيات السياسية العالمية العديدة التي التقى بها خلال عمله، وانطباعاته الشخصية المهمة حول العديد من هذه الشخصيات والتي تستحق لوحدها عرضاً خاصاً.
الحرب مع إيران
يتحدث سعدون حمادي في أحد أجزاء مذكراته عن الجهود التي بذلها عندما كان وزيراً للخارجية للحيلولة دون تأزم العلاقات بين العراق وإيران بعد الثورة الإيرانية وظروف لقائه على هامش قمة عدم الانحياز في هافانا عام 1980 بوزير خارجية إيران إبراهيم يزدي الذي طلب منه لقاء الرئيس صدام حسين، الأمر الذي رحب به الرئيس العراقي. تابع الوزير حمادي تحركه حيث التقى بسفير إيران في العراق، ويدعى محمود دعائي، الذي حمل إلى الجانب العراقي دعوة عقد اجتماع على مستوى عال بين المسؤولين في بلاده والقادة العراقيين، حيث وافق العراقيون على الفور على المقترح، وبدا السفير الإيراني مسروراً بالموافقة العراقية، واستفسر من الوزير حمادي إذا كان لدى الرئيس صدام حسين ما يمنع من استقبال الوفد الإيراني بملابسهم الدينية، الأمر الذي رحب به الرئيس العراقي. سافر دعائي إلى طهران والتقى بالرئيس مهدي بازركان الذي رحب بدوره بعقد اللقاءات بين البلدين، ثم توجه السفير بعد ذلك إلى قم للقاء الخميني، وانقطعت حينها المعلومات، حيث علم الجانب العراقي في نهاية المطاف أن الخميني يرفض أي تفاهم مع العراقيين. يتطرق الكاتب بعد ذلك إلى الظروف التي رافقت الحرب مع إيران وتفاصيلها في أكثر من مكان في المذكرات، إذ يشير في موضع آخر من الكتاب عن تلك الأحدث بقوله إن ظهور الخمينية «رافقها أحلام تصدير الثورة والسعي للسيطرة على منطقة الخليج العربي والعراق بما فيها من أماكن مقدسة وثروة نفطية». يُفصّل الدكتور حمادي في صفحات الكتاب الجهود الثقافية التي بذلها للتصدي للحملة الإعلامية التي قام بها النظام الإيراني مسلطاً الضوء على مساعي إيران في «احتكار الإسلام وتكفير الآخرين»، حيث يؤكد أن ما قام به في الجانب الثقافي لم يكن بدافع المهنة بل «خدمة عامة، يجب أن أؤديها طوعاً».
حين عاتب تاتشر لدعمها ايران فقالت له: وماهي السيادة؟
مواقف دولية تجاه الحرب العراقية الايرانية
عن تاريخ النزاع مع إيران والخلافات العميقة بين البلدين يروى الدكتور حمادي تفاصيل لقائه برئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر التي يصفها بأنها امرأة اعتيادية «لا مُنفّرة، ولا وَدودٌ»، ويسرد الكاتب بعض جوانب حديثه معها ولا سيما عندما واجهها بكل صراحة، مُذكراً أن بلادها كانت ضالعة في تزويد إيران بالسلاح. أوضح لها حمادي أن الدعم البريطاني لإيران تسبب بتمكين الشاه وتعريض العراق إلى ضغوطه، وبالتالي دعمه التمرد في شمال الوطن، ما «اضطرنا إلى التنازل عن سيادتنا على نصف شط العرب». ردت عليه تاتشر قائلة: «وما هي السيادة؟».
وفي سياق المواقف الدولية من الحرب العراقية الإيرانية، يستذكر الكاتب مواقف الرئيس الليبي معمر القذافي من الحرب مع إيران حيث يعيد التذكير بالترحيب والدعم الذي قدمه العراق للثورة في ليبيا وتوجه القادة العراقيين إلى طرابلس لتقديم التهنئة للعقيد القذافي بنجاح الثورة، ويستذكر كيف عرض نائب الرئيس صدام حسين، في حينه، على القذافي استعداد العراق ارسال السلاح والعتاد والرجال لدعم الثورة الليبية. بالمقابل، يستذكر الكاتب أن العقيد القذافي كان أول شخص يقدم الصواريخ بعيدة المدى (أرض ـ أرض) إلى إيران لتقصف بها العاصمة بغداد ومدن عراقية أخرى. وعن تصرفات مشابهة لزعماء عرب عزا الكاتب سلوكهم إلى أسباب أخلاقية، أو بالأحرى «انعدام الاخلاق»، إذ يروي أنه في إحدى اجتماعات القيادة العراقية في بغداد اضطر الرئيس صدام حسين إلى ترك الاجتماع بعد أن أبلغ بأن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك يرغب بالتحدث معه هاتفياً. لدى عودة الرئيس الى الاجتماع أبلغ الحضور أن مبارك تحدث له عن ضغوط أمريكية يواجهها مقابل حصول بلاده على واردات القمح الأمريكية واصرارهم على تسديد مبلغ 60 مليون دولار قبل وصول أية شحنة. عندها استدرك الرئيس العراقي وقال لرفاقه ربما كان مبارك محرجاً ولم يشأ أن يطلب منه صراحةً مبلغ 60 مليون دولار. حينها أوعز الرئيس إلى أحد كبار موظفيه بتحويل مبلغ 60 مليون دولار إلى مصر فوراً. بالمقابل، وبعد مضي سنوات قليلة على هذه الحادثة، يستذكر حمادي، أنه في احدى سفراته إلى مصر أيام «الحصار» رفضت السلطات المصرية اقلاع طائرته الرسمية الخاصة من مطار القاهرة قبل أن يسدد طاقمها قيمة الوقود عداً ونقداً على الرغم من العلاقات التي تربط البلدين، والأفضال التي كان العراق قد أغدق بها على مبارك. إضافة إلى «غياب الأخلاق»، عزا حمادي تصرفات مبارك والقذافي، وتصرفات قادة عرب وأجانب آخرين كان العراق قد قدم لهم دعماً مادياً ومعنوياً، إلى أسباب ترتبط بالأنانية وقصر النظر وتغليب المصالح الشخصية على مصالح الأمة. ولا يفوت حمادي التذكير بأن السياسة ولا سيما العلاقات بين الدول تعتمد المصالح ولا تكترث بالمواقف الأخلاقية وهو الأمر الذي يستنكره الكاتب.
الكويت
تضمنت المذكرات إشارات مقتضبة لكنها مباشرة وعميقة إلى العلاقات بين العراق والكويت، حيث اعتبر الكاتب أن حكومة البعث الأولى عام 1963 «اندفعت في بعض الإجراءات» التي لم يكن هو مؤيداً لها، عندما كان وزيراً، ورأى انها كانت على خطأ، مشيراً بشكل خاص إلى ما وصفه بمسألة العلاقة مع الكويت، حيث قال إنه لم يكن مؤيداً للاتصالات التي حدثت في حينه مع حكومة الكويت ومجيء وفد كويتي إلى بغداد، لكنه أردف قائلاً «لم أستطع أن أعمل شيئاً لمنعه، فانسجمت بدافع الانضباط، وحصل ما حصل». ويمضي الدكتور حمادي معلقاً على تلك الاتصالات معتبراً أن موضوع الاعتراف بالكويت عمل اثبتت الأيام نتائجه السلبية وكان جزءاً من «الأسس القانونية المهمة التي استند إليها العدوان الثلاثيني بقيادة الولايات المتحدة على العراق». يستذكر الكاتب أيضا قائلا إن الاتفاق بين العراق والكويت الذي تم التوصل إليه عام 1963 «لم يصادق عليه دستورياً، إلا أنه خطأ سببه التسرع». وفي نطاق أوسع، وفي سياق استعراضه لما دار خلال اللقاءات العديدة التي عقدها مع قادة العالم ووزراء خارجيتها، يستذكر الدكتور حمادي زيارة له إلى موسكو عن طريق طهران مع نائب رئيس الوزراء طارق عزيز عشية العدوان على العراق حيث اجتمعا مع الرئيس الإيراني في حينه هاشمي رفسنجاني. ذكر حمادي أن الرئيس الإيراني بدا «متعاطفاً» مع العراق مشيراً إلى أنه لمس من رفسنجاني رغبة قوية في إقدام العراق على احتلال «المنطقة النفطية في السعودية». بيد أنه يعود ويقول إنه لم يعرف إذا كان ما صدر عن الإيرانيين يمثل موقفا حقيقاً أم غير ذلك.
تجربة الحكم في العراق
يتحدث سعدون حمادي في مذكراته عن تجربته في المناصب التي عمل فيها خلال أكثر من نصف قرن، ويشير في أكثر من موضع إلى ما وصفه بــ «أزمة الحكم في العراق» في مراحل متعددة والتي قال إنها كانت «تتفاعل بصمت» في داخله دون أن يعلن عنها لأسباب متعددة تقف في مقدمتها ظروف الحرب مع إيران حيث كان يرى أن النصر على إيران يستدعي التغاضي عن سواها من الضرورات، بالإضافة إلى ما عرضه في أكثر من مكان في كتابه بشأن حرصه الدائم على الانضباط والحفاظ على وحدة الصف. ويتطرق حمادي بشيء من التفصيل عن موضوع الديمقراطية حيث يذكر أن هذا الموضوع كان قد طرح في أحد اجتماعات القيادة العراقية قبل انتهاء الحرب مع إيران، وجرى التصويت حول ضرورة التحول نحو الديمقراطية، غير أن التصويت لم يحظّ سوى بصوتين مؤيدين لهذا التوجه وهما صدام حسين وسعدون حمادي. يلفت الكاتب بعد ذلك إلى اللجان العديدة التي شُكلت بعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية والتي انيطت بها مهمة بحث توسيع نطاق الحريات واتاحة المجال لتأسيس أحزاب سياسية معارضة، غير أنه يعترف بأن نتائج هذه اللجان لم تكن مثمرة، وأن القرارات السياسية المتخذة تسير عكس هذا التوجه. وفي موضع آخر من الكتاب يوضح سعدون حمادي موقفه من الحرية بكلمات لا تقبل التأويل، فتراه يقول: «إنني لا أرى مبرراً لحجب حرية الرأي، في جميع الأحوال وتحت جميع الظروف. علينا أن نفسح المجال للمواطن ليتدرب على سماع الآراء المتعددة، وأن نخرجه من البيت الزجاجي الذي تخلقه الرقابة إلى الهواء الطبيعي الذي يحتوي على الأوكسجين، كما يحتوي على الجراثيم، ليأخذ ما هو مفيد، وليقاوم بمناعته الطبيعية ما هو مضر».
مؤتمر عاصف
ينتقل بعد ذلك الكاتب إلى تجربته في الحكم بعد عام 1991، مشيراً إلى ما تعرض إليه من اتهامات لتطلعاته السياسية «غير المشروعة» لا سيما بعد توليه منصب رئيس الوزراء في أعقاب أحداث الكويت. يقول الكاتب إنه حقق نجاحاً كبيراً بمعية زملائه من الوزراء والخبراء الفنيين في إصلاح الكثير مما دمرته قوات التحالف بعد عام 1991 من جسور ومنشآت نفطية ومحطات توليد الطاقة، حيث تمكن الفنيون الذين عملوا تحت اشرافه كرئيس للوزراء من إصلاح 130 جسراً و244 بناية تعرضت للدمار على يد قوات التحالف. وبفضل الجهود التي بذلتها هذه الكوادر العراقية، كان العراقيون قادرين على الحصول على الوقود لعجلاتهم بعد مضي ثلاثة أشهر فقط من انتهاء الحرب، وقد تحقق كل ذلك بأياد وخبرات عراقية من دون أي مساعدة أجنبية. غير أن هذه الجهود قوبلت برد فعل سلبي خلال المؤتمر القطري العاصف الذي عقده حزب البعث في حينه حيث حمله حسين كامل – صهر الرئيس العراقي – مسؤولية الإخفاقات، قائلا إن الدكتور سعدون حمادي مسؤول عن المصاعب الاقتصادية التي يعاني منها العراق. وكان حمادي قد أشار في موضع آخر من مذكراته إلى أن الرئيس صدام حسين لم يعترض على كلام حسين كامل الأمر الذي اعتبره الكاتب موافقة ضمنية على الانتقادات. تعامل سعدون حمادي مع هذه الانتقادات، على عادته في تجاربه السابقة في الحكم، بحكمة وصبر ولم يسحب ترشحه في الانتخابات، وعاد إلى داره بكل هدوء بعد اقصائه من منصبه. لكن الرئيس صدام حسين يعود عام 1996 ليتصل به في المكتب الذي كان قد خصص له في وزارة الخارجية «على سبيل المجاملة»، ويطلب منه الترشح ثانية لرئاسة المجلس الوطني.
لا يتوقف سعدون حمادي كثيراً عند سرد تجاربه الشخصية، لكنه ينطلق من تجربته الغنية في الادارة في أعلى مرافق الدولة، وتجربته النضالية في أكثر من دولة عربية، ولقاءاته مع العديد من الزعماء العرب، ليتناول أزمة الديمقراطية في العراق والعالم العربي بعيداً عن شخصنة الظاهرة، بما في ذلك مشكلة التفرد بالسلطة، متبعاُ منهجا حرص فيه على تحليل الظواهر ومعالجة المرض من خلال رؤية موضوعية بعيدة عن التعصب والعواطف. في هذا الاطار، يتناول الدكتور حمادي أزمة الديمقراطية في العراق ما قبل الاحتلال وبعده لافتاً إلى ضرورة تحقيق التوازن بين الحاجة إلى عامل أخلاقي داخلي وعامل سلطوي خارجي ليخلص إلى القول إن تحقيق الحرية والعدالة والسلام يتطلب بناءً متوازناً لسلطة الدولة، وإن غياب هذا التوازن يقود إلى إحلال الاستبداد بدل الحرية. إلى ذلك، يتحدث الكاتب عن التجربة التي خاضتها سلطات الاحتلال في العراق علي يد بول بريمر بحجة إرساء دعائم الديمقراطية في البلاد، والتي يرى أنها تسببت بالفوضى التي يعيشها العراق اليوم، فلا سلطة الدولة ولا النضج الاجتماعي كانا قد بلغا مرحلة قادرة على تحقيق التوازن والمضي قدما نحو بناء البلاد. في هذا السياق، يشيد الكاتب بما يصفه بـ»معادلة البناء الديمقراطي» التدريجية الهادفة إلى تحقيق الانفراج السياسي وتوسيع الحريات بوجه عام، لكنه ينتقد الاداء الذي يرافق هذا النهج من قبل طبقة سياسية تسعى دوماً إلى احتكار الحقيقة وبالتالي التشبث بالسلطة، الأمر الذي يولد معه ظواهر مدانة نعيشها اليوم في عالمنا العربي وفي المقدمة منها الاستبداد والضغط عل المواطن والابتعاد عن الحياد وغياب النزاهة. يلاحظ الكاتب أيضا أن هذه السياسيات غالباً ما تدفع الأنظمة العربية إلى الاستعانة بالقوى الخارجية.
الأسر الأمريكي
يتحدث الدكتور سعدون حمادي في بعض فصول كتابه عن الظروف القاسية التي مرّ بها أثناء فترة وقوعه بالأسر لدى قوات الاحتلال الأمريكية، والتي وصفها بأنها تمثل «الوجه الثاني» للولايات المتحدة، وقال عنها إنها كانت الأسوأ والأقسى من كل حالات الاعتقال التي مرّ بها في حياته إن كان ذلك في لبنان، أم في بغداد قبل عام 1963، أم في ليبيا. ولا يسع القارئ إلاّ أن يشعر بالحزن والغضب إزاء المعاملة المهينة التي تعرض لها الدكتور حمادي في الأسر وكان قد بلغ من العمر 73 عاماً وبدأت تظهر عليه بوادر المرض العضال الذي تسبب بعد بضع سنوات بوفاته. يروي الكاتب بعض الأحداث التي واجهها في الاعتقال الامريكي وحالاتٍ تصرف فيها جنود المحتل «الأميين» بمنتهى الصفاقة بعد أن جاءوا من «النصف الأخر للكرة الأرضية وأقدموا على احتلال العراق من دون وجه حق». يصف الكاتب هؤلاء الجنود بأنهم «خليط من شريحة متدنية ثقافياً واجتماعياً»، بيد أنه يعود ويتحدث عن حالات أخرى كان قلة من الأمريكيين أكثر وعياً واحتراماً، حيث يروى أن أحد الجنود الأمريكيين زاره بعد أن علم أنه كان قد تخرج من جامعة ويسكونسن في المدينة التي نشأ فيها ذلك الجندي ووعده ببذل أقصى ما يستطيع لتحسين ظروف أسره لكن ذلك الجندي عاد بعد بضعه أيام ليعتذر منه ويخبره بأنه يأسف لعدم قدرته على المساعدة. ولا يفوت حمادي أن يعيد التذكير في هذا الجزء من كتابه بأن قوات الاحتلال جاءت بالطائفية إلى العراق، وغرستها، لتبدأ مشروع تقسيم البلاد وإضعافه إلى أقصى حد. يختم الكاتب كلامه بالقول «حدث كل ذلك بالتعاون مع عناصر الشر في الداخل والخارج»، في وقت لم يحمل هؤلاء المحتلون للعراقيين أي احترام.
الوحدة العربية
لعل مسألة الوحدة العربية وهمومها تحتلان أكبر مساحة في المذكرات التي كتبها الدكتور سعدون حمادي قبل احتلال العراق وبعده، فالوحدة العربية هي المسألة السامية التي آمن بها الكاتب طيلة حياته، وسعى للعمل على تحقيقها، وبناء الدعائم لها إنْ كان ذلك نظرياً من خلال العمل الثقافي الذي مارسه في مختلف مراحل عمله الوطني، أو من خلال العمل السياسي اليومي الذي اضطلع فيه منذ بدء دراسته الجامعية الأولية في الجامعة الأمريكية في بيروت أواخر اربعينيات القرن الماضي ومن ثم العراق وسوريا وليبيا، والذي تعرض بسببه أكثر من مرة إلى السجن. لكن حمادي بقي مؤمناً بمبادئه مخلصاً لها في السراء والضراء ولم يتزحزح عنها حتى مماته. إلى ذلك، يؤكد حمادي بعد خروجه من الأسر أبان فترة الاحتلال الأمريكي للعراق أن مشروع الوحدة العربية هو أساس النهضة العربية، وأن الحاجة إلى وضع هذا المشروع موضع التنفيذ هو المخرج الوحيد من المأزق الذي تواجهه الأمة. ويرى المؤلف أن هذا المشروع يتطلب نضال الشعب كله، ولا يقتصر على فئة معينة، وهو بطبيعة الحال لن يتحقق تلقائياً بل من خلال النضال والعمل الدؤوب التي يفترض بكل الوحدويين العمل عليه على «أساس ديمقراطي سلمي». ويحدد حمادي في مذكراته أن تحقيق المشروع الوحدوي يتطلب قيام حركة تعمل على وضع تطلعاتها موضع التنفيذ، مؤكداً أن فئات ومثقفين عديدين في العالم العربي يتطلعون لهذا العمل. في هذا السياق يتطرق الكاتب إلى ما يطلق عليه صفة «الفتنة» التي تجتاح الوطن العربي في العراق وفلسطين، والتي يرجع بعض أصولها، لغةً وتاريخاً، إلى الفتنة التي وقعت في تاريخ الإسلام، التي قال عنها إنها تتسع فيغذي بعضها البعض الآخر فتتفرع وتتشابك فيقع الناس أسرى حبالها. وبينما يشير الكاتب إلى الفتنة في فلسطين المحتلة بين فتح وحماس والصراع المستمر بينهما، فهو يتطرق إلى فتنة الطائفية والعرقية في العراق التي ادخلتها قوات الاحتلال الامريكية الى العراق والتي تشكل جوهر المشهد السياسي الذي تعيشه البلاد اليوم. يصف حمادي الفتنة القائمة بالعراق بـ»الفجيعة» التي تضع أصحابها في «دوامة مغلقة يراق خلالها دم العراقيين وتدمر بلادهم بأيديهم وبمواردهم». ويخلص إلى القول إن السبيل للخروج من الفتنة الطائفية والعرقية يكمن في الحكمة ونكران الذات والعودة إلى الوطنية والقومية. لكن حمادي لا يخفي تشاؤمه فتجده يعترف أنه في المرات السابقة عندما كان يتعرض إلى النفي خارج العراق فانه يعرف «أن العراق في أمان» وأنه سيعود إليه وسيجده سالماً، أما الآن فإنه يقول «لا أعرف ماذا سيحصل له» لأن قدح الزجاج إذا سقط وتهشم وعلى الأرض «سيصعب، أو يستحيل» عودته من جديد وهو «تصور مرعب»، على حد قوله.
الخاتمة والاستنتاجات
يعود الدكتور سعدون حمادي في الجزء الأخير من مذكراته إلى نضال الانسان العربي الدائم لنيل الحرية وتحقيق الحياة الحرة الكريمة في ظل نظام ديمقراطي لم يتحقق خلال فترة حياته، ويشير في أكثر من موضع إلى الوضع السياسي العربي الممزق وتدخل قوى الاستعمار الأجنبي في شؤوننا العربية، حيث يصف هذه الحالة بقوله «إن الأجنبي أمسك بنا من الداخل منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وصار ينصب فئات حاكمة علينا». يختتم حمادي مذكراته بالإشارة إلى وثيقتين تاريخيتين ذات صلة جوهرية بصلب موضوع الكتاب، تتضمن الأولى رسالة كتبها الاسكندر المقدوني الى معلمه ارسطو بعد اجتياح جيوش الاسكندر بلاد الشام وبابل وقضائها على الإمبراطورية الفارسية. يقول الاسكندر في رسالته إن كبار رجال الفرس جاءوا إليه برأس ملكهم بعد اجتياح جيوشه لبلادهم طمعاً بالتقرب إليه، فما كان منه إلاّ أن أمر بصلبهم بعدما لمس منهم قلة وفائهم. يذكر الاسكندر أيضاً أنه جمع بعد ذلك أبناء ملوك الفرس وخاصتهم ممن جاءوا إليه طائعين وشاهد هيئتهم الجيدة ومنطقهم السليم، فقرر أن يستشير ارسطو بما يتعين عليه فعله بهم. أجابه ارسطو برسالة يوردها الكاتب كاملة، ينصح فيها الاسكندر بعدم الإقدام على قتلهم ويحذره بالقول «إنك إنْ تقتل أشرافهم، تخلّف الوضعاء منهم على أعقابهم، وتورث سفلتهم منازلَ عليتهم» وأن الملوك لم يبتلوا ببلاء أعظم من «غلبة السفلة وذل الوجوه». وأظن أن سعدون حمادي أراد في هذه الرسالة أن يلخص الوضع الذي آلت إليه شؤون العرب في الكثير من الأقطار التي تسلط فيها «السفلة» على رؤوس العباد.
تعقيب
لا بد لي في الختام من التنويه إلى أنني كنت شخصياً قد بدأت عملي موظفاً في وزارة الخارجية العراقية في حزيران عام 1980 عندما كان الدكتور سعدون حمادي رحمه الله وزيراً للخارجية. لقد تمتع الراحل طيلة فترة عمله كوزير للخارجية باحترام وتقدير العاملين في الوزارة الذين عرفوه بجديته ونزاهته وأدبه الجم. تبوأ الدكتور حمادي طيلة أربعين عاماً مناصب رفيعة في العراق، بما في ذلك رئاسة وزراء البلاد ورئاسة برلمانه، وكان بوسعه أن يصبح غنياً، لكننا نراه في أواخر أيامه يشكو ضيق ذات اليد معبراً عن حزنه لعدم تمكنه في أحد أيام العيد الذي سبق وفاته من دعوة أسرته إلى مأدبة غداء لائقة، فضلاً عن الصعوبات التي واجهها بسبب ارتفاع أسعار الدواء لعلاج مرضه العضال، الأمر الذي يعكس نزاهته، في وقت عزت فيه النزاهة. أخيراً، كموظف سابق في وزارة الخارجية، فان العديد من الأحداث التي يرويها الدكتور حمادي في كتابه لابد وأنها كانت قد مرت على زملائي، وربما توحي للقراء من الدبلوماسيين بأحداث عاشوها بتفاصيلها الحلوة والمرة، من الهند وحركة عدم الانحياز، إلى المواقف الغربية من حرب إيران على العراق، إلى حرب الكويت، ثم الاحتلال الأمريكي البغيض، وصولاً إلى تسلط «السفلة» على مقادير الأمور. وكما أسلفت في مطلع هذا العرض، فان من يقرأ هذا الكتاب الذي يقع في أكثر من أربعمئة صفحة يدرك بأن الدكتور حمادي اختار عدم الدخول كثيراً في تفاصيل الأحداث، وأنه آثر استنباط الدروس والعبر من الأحداث الجسام التي عاشها كمسؤول رفيع المستوى في الدولة العراقية مترفعاً عن ذكر الصغائر وشخصنة الأحداث. لقد أوجز الدكتور حمادي في مذكراته لكنه أجاد وأوفى، ولن يكون من المبالغة القول إن العراق فقد بوفاة الدكتور سعدون حمادي مثقفاً وشخصية وطنية ورجل دولة من الطراز الأول قلّ نظيره في تاريخ البلاد.























