تموز.. تواصل إبداعي في المنافي مع الثقافتين العربية والعراقية

فيصل عبد الحسن

العدد الجديد من مجلة تموز، التي تصدر في السويد، ويرأس تحريرها د. حسن السوداني حمل لنا الكثير من المواد الفكرية والأدبية والفنية.

 وربما لأفتتاحية العدد الدراماتيكية، التي كانت بقلم رئيس التحرير وحملت عنواناً دالاً ” ومن صفاتهم…  ” لها ذلك الوقع الفضائحي المدوي على أبصار وأسماع المتثاقفين من المغتربين من كل جنس ولون.

 يقول عنهم الكاتب” لعل واحدة من أهم صفات ” بعض ” المثقفين في الغربة أنهم يعانون من فكرة نقصان التربية وفقدان الأخلاق ولا يخبئون تلك الصفة أو يحاولون تجاوزها بل العكس تماما ..  تراهم يتمسكون بها ويحاولون تذكيرك أياها كلما صفحت عنهم ونزلت من سموك إلى قاعهم. “

حمقى ومغفلون ويتابع في توضيح صفات هؤلاء المتثاقفين ” ولكونهم نسوا قراءة الكتب منذ عهد بعيد وأبدلوا بذلك تشنيف أذانهم لألتقاط  بعض الكلمات من هنا وهناك، فأصبحت طريقة كشفك لهم سهلة ولا تحتاج إلى تدقيق بالمعاني التي يطلقونها سوى أن تبتسم لها أو تضحك إلى درجة تجعلك تحب أن تلتقيهم مجدداً، كلما شعرت بالحاجة إلى التخلص من الهم الزائد أم الماء الزائد ! “

الهم فهمناه، ولكن الماء الزائد لم نفهمه، وأن “ربما” عنى بذلك “الماء” ما هو أكثر من العرق البارد ! بما يوجب التحفظ على أيراد أسمه !

 ولا يكتفي الكاتب السوداني بما أورد من صفات هؤلاء المتثاقفين العصرية بل ربطهم تأريخياً وتراثياً ” بحمقى ومغفلي أبن الجوزي في كتابه المشهور ” أخبار الحمقى والمغفلين ” من القرن السادس الهجري. فوصف سرقات إحدهم لمقالاته الفنية من مجلات قديمة يشتريها من أحد أسواق الخردة في السويد يدعى ” لاكشون “، فيكتشف السويديون سرقاته المفضوحة، فيكتفون بما يرتسم على وجوههم من علامات الأشمئزاز والأستفهام !

ومن حكايات هؤلاء السذج التطاول الفج على مقدسات الآخرين، والتطاول على المسؤولين الحكوميين بسبب ومن دون سبب أيضاً، وتبويس اللحى والأكتاف حين يكون لهذا التبويس فائدة ترجى تعينهم في أمر ما.

  وأبرز ما فيهم هي مقاطعتهم الدائمة لأي نشاط ثقافي تقوم الجمعيات الثقافية، وقدرتهم العجيبة على الشم التي تتفوق على شم الكلاب حين تتعلق الأمور بخصوصيات الآخرين والخوض فيها.

 أنه وصف دقيق لبعض متثاقفي الخارج بعد أن صار في الخارج شعب عراقي كامل يزيد على ستة ملايين من البشر يعيشون في شتات المنافي.

أدغار الان بو

حمل العدد أيضاً دراسة عن مفهوم الغروتيسك، بقلم د. رشيد وديجي تحدث فيه عن أحد المفاهيم المهمة في علم الجمال الروماني، يدعى مفهوم القبح في العمل الفني.

 وهو الأسم الذي أطلق على ما وجد في الكهوف والمغارات من رسوم تمثل كائنات نصف إنسانية ونصف حيوانية ونباتية، وهو مفهوم كما أشار الباحث أستعمل أولاً في الفنون التشكيلية للإشارة إلى اللوحات المشوهة المعالم والعجائبية، التي تذكرنا بالرسوم البدائية.

 وتناول الكاتب تطور المفهوم تأريخياً، في الفن والآدب، موضحاً أبعاده الجديدة مع تنامي التيار الجديد الذي أبتعد عن الواقعية، والنمطية والرافضة للأشكال التقليدية والكنائسية ورد الاعتبار الى الانسان الراغب في ارتياد عالم اللامعقول.  وتغلغل مفهوم الغروتسيك ليصف الشكل الخارجي للأشخاص والأشياء:  الوجه، الهيئة، الملابس، الطريقة في الأكل، الطريقة في المشي والشرب.

  ويضع الباحث ما كتبه القاص الأمريكي ” أدغار الان بو ” ضمن نتاج كل من سلك أسلوب كل ماهو مناف ومغاير للطبيعة، ويقول الباحث عن ذلك ” فقد استعمل مصطلح غروتيسك كأسلوب فني روائي وصفي قائم بذاته في مجموعته القصصية ” حكايات الغروتيسك والأربيسك “.

غابة الحق

  وتناول الباحث د. مجدي فارح في دراسته ” الحرية والتمدن في فكر فرنسيس مراش ” وفرنسيس مراش هذا متنور سوري من أوائل الذين سافروا إلى أوربا في القرن التاسع عشر، وقد عاش في الفترة المحصورة بين عامي” 1836ـــ 1874 “م وبعد سفره ودراسته في أوربا عاد إلى سوريا برؤى تحديثية نشرها في كتابه ” غابة الحق”.

 الذي طبع في مدينة حلب عام 1865 ومن المبادىء التي نادى بها في كتابه، الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والمساواة وتثقيف العقول وتحسين الاخلاق والعادات وتوطيد الحق ورفض الأستبداد، والتمييز الطبقي والطائفي هادفاً إلى تحقيق التمدن في بلاد الشام.

  كان مراش معجباً بالتمدن الغربي كما يقول الباحث، لكنه لم يكن يعرف طابع ذلك التمدن الكولونيالي المتوحش.

 وقرن إعلان مراش لحقوق الإنسان قبل الإعلان العالمي لهذه الحقوق بأكثر من ثلاثة أرباع القرن، بأعمال النخبة العربية كرفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي وبطرس البستاني، ورزق الله حسون، وجبرائيل عبد الله دلال.

 وهي أمتداد لما تعلمه مراش في فرنسا، التي ورثت مبادىء الثورة الفرنسية، التي من بينها حقوق الإنسان المشار إليها، فيما بعد في مدونة أعتمدها من دوَّن البيان العالمي لحقوق الإنسان.

56 تموز

 ونقرأ في محور حوارات حواراً مع الروائي فيصل عبدالحسن، أجراه الشاعر حكمت الحاج بعنوان ” حكاية الجذور وموت العراقيين برداً في المنافي ” متحدثاً عن روايته ” سنوات كازابلانكا”.

 ونقرأ في محور الشعر قصيدة ” تجليات ” للشاعر حسن عبد راضي، يقول في مقطع دال من قصيدته:  ” هنالك حيث لا ميناء / يعصمنا ولا مرفأ / ترقص في الشناشيل / صرخت ولم أجد / صوتي/ وخانتني تراتيلي/ وصرت أرى جنين / النار / ينمو في محاصيلي / يداف السم في لغتي / ويسمل ضوء / قنديلي .  “

 ونقرأ في محور تشكيل أوراق ذاكرة العزلة للفنان عبد الكريم سعدون، ونقرأ أيضاً” حافات الحافز المرئي ” بقلم د. حسن السوداني، و” الوطن المتباعد ” وهي قراءة في أوراق التشكيلي العراقي عبد الكريم سعدون.

  ونقرأ من الأدب الأسكندنافي قصة بعنوان ” المصعد الذي هبط إلى الجحيم ” للكاتب السويدي “بير لاكر كفيست” و” كلاب ثيسالونيكي ” للكاتب النرويجي “شل آسكلدسن” ترجم القصتين “علي سالم”، وقصة بعنوان ” أركيولوجيا النقود ” بقلم عبد الله طاهر.

 العدد 56 من مجلة ” تموز” أضافة حقيقية لمتابعة الثقافة العربية، والعراقية في المنافي وهي مهمة بشكل خاص للمتابعين من المثقفين العراقيين، الذين أقاموا جسراً ثقافياً مع ثقافة البلدان التي أقاموا فيها، لما ينشر فيها من آدب ومتابعات نقدية فنية وفكرية وثقافية معمقة تعرفهم بما أستجد في الثقافة.