‭ ‬الشاعر‭ ‬ونهاية‭ ‬الطريق-كامل عبدالرحيم

لم‭ ‬أواجه‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭ ‬غير‭ ‬مرة‭ ‬يتيمة‭…‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬أراه‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الطريق‭ ‬ولم‭ ‬يكمل‭ ‬طريقا‭ ‬أبدا

فلم‭ ‬يستمر‭ ‬ب‭( ‬طريق‭ ‬الشعب‭ ) ‬مع‭ ‬الشيوعيين‭ ‬فترك‭ ‬طريقهم‭ ‬مبكرا

ولم‭( ‬يسلك‭ ‬الدرب‭ ) ‬حتى‭( ‬رسالته‭ ) ‬مع‭ ‬البعث‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬عنه‭ ‬عماش‭( ‬البعثي‭ ‬والشاعر‭ ) ‬يوما‭..‬

لما‭ ‬سلكنا‭ ‬الدرب‭ ‬كنا‭ ‬نعلم‭..‬إن‭ ‬المشانق‭ ‬للعقيدة‭ ‬سلم‭…‬

وقد‭ ‬يكون‭ ‬مجبرا‭ ‬حين‭ ‬كتب‭ ‬ماكتب‭ ‬يومذاك‭  ‬،

كان‭ ‬في‭ ‬المنتصف‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬فكتب‭ ‬الشعر‭ ‬التقليدي‭ ‬بعموده‭ ‬السقيم‭ ‬فكان‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬العمود‭ ‬أيضا‭…‬

في‭ ‬تلك‭ ‬المرة‭ ‬اليتيمة‭ ‬التي‭ ‬رأيته‭ ‬فيها‭ ‬ونحن‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬واحد‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬العمر‭( ‬قد‭ ‬أكبره‭ ‬بعام‭ ) ‬كانت‭ ‬نشاطات‭ ‬الشيوعيين‭ ‬في‭ ‬المنتصف‭ ‬أيضا‭ ‬بين‭ ‬السرية‭ ‬والشرعية‭ ‬وظل‭ ‬الشيوعيون‭ ‬عين‭ ‬على‭ ‬الشرعية‭ ‬وأخرى‭ ‬على‭ ‬السرية‭ ‬فاعتاد‭ ‬هؤلاء‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬سفرات‭ ‬طلابية‭ ‬وشبابية‭ ‬إلى‭ ‬إحدى‭ ‬البساتين‭ ‬حول‭ ‬بغداد‭ ‬أو‭ ‬المحافظات‭ ‬القريبة‭ ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬الفعالية‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬شيوعيي‭ ‬الجامعة‭ ‬المستنصرية‭ ‬وكان‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭ ‬أحد‭ ‬طلبتها‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬نجوم‭ ‬تلك‭ ‬الرحلة‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬شيوعيا‭ ‬بالطبع‭ ‬لكن‭ ‬دعاني‭ ‬الصديق‭ ‬الشهيد‭ ‬سلام‭ ‬كاظم‭ ‬جعفر‭ ‬الذي‭ ‬انتقل‭ ‬بهدوء‭ ‬من‭ ( ‬تيارنا‭ ) ‬إلى‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬‭ ‬فذهبت‭ ‬مجاملة‭ ‬له‭ ‬وفوجئت‭ ‬بأنه‭ ‬والصديق‭ ‬مؤيد‭ ‬الحيدري‭ ‬من‭ ‬منظمي‭ ‬تلك‭ ‬الفعالية‭ ‬فقدم‭ ‬الحيدري‭ ‬الشاعر‭ ‬الشيوعي‭  ‬الصاعد‭ ‬الشاب‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭( ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬منتصف‭ ‬عقد‭ ‬السبعينات‭) ‬ومازلت‭ ‬أذكر‭ ‬استهلاله‭ ‬المرتبك‭ ‬معتذرا‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قوله‭( ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الخجل‭ ‬البورجوازي‭ ‬الصغير‭ ) .‬

يقال‭ ‬أن‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬احتفالات‭ ‬ذكرى‭ ‬تأسيسه‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬دعا‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬لتلك‭ ‬الاحتفالية‭ ‬وكانت‭ ‬أيام‭ ‬جبهة‭ ‬وطنية‭ ‬فحضر‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬بطقم‭ ‬أبيض‭ ‬كالذئب‭ ‬وهو‭ ‬يخدع‭ ‬ليلى‭ ‬وكان‭ ‬الحفل‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬قراءات‭ ‬للشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬وأغان‭ ‬تتغنى‭ ‬بالجبهة‭ ‬والوطن‭ ‬وبتصميم‭ ‬الذئب‭ ‬وصبره‭ ‬قرر‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ (‬فقر‭ ) ‬حزبه‭ ‬للشعراء‭ ‬الشعبيين‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬أو‭ ‬جلهم‭ ‬من‭ ‬نصيب‭( ‬الحزب‭ ‬والثورة‭ ) ‬وكانت‭ ‬أول‭ ‬وليمة‭ ‬للذئب‭ ‬هو‭ ‬الشاعر‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭ ‬نفسه‭ ‬مستغلا‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬خدمته‭ ‬العسكرية‭ ‬وكذا‭  ‬فتبعه‭ ‬بقية‭ ‬الشعراء‭ ‬الشعبيين‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ندر‭  .‬

رغم‭ ‬نجاحه‭ ‬كنت‭ ‬أظنه‭ ‬سيء‭ ‬الحظ‭ ‬والوقوف‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الطريق‭ ‬لوحده‭ ‬هو‭ ‬سوء‭ ‬حظ‭  ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬لهذا‭ ‬المعسكر‭ ‬ولا‭ ‬ذاك‭ ‬مثل‭ ‬بقية‭ ‬مجايليه‭ ‬الانتهازيين‭ ‬المغالين‭ ‬بتمجيد‭ ‬القائد‭ ‬الضرورة‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فكان‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الطريق‭ ‬بين‭ ‬الوطن‭ ‬والمنفى‭ ‬فرجل‭ ‬هناك‭ ‬وأخرى‭ ‬هنا‭ ‬ولا‭ ‬أعتقده‭ ‬سعيدا‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬العائلية‭  ‬ونجاحه‭ ‬كما‭ ‬أرى‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬أنشد‭ ‬وكتب‭ ‬وصور‭ ‬سوء‭ ‬حظ‭ ‬العراق‭ ‬وهو‭ ‬يفقد‭ ‬عظام‭ ‬عموده‭ ‬الوطني‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬فأجاد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬التقى‭ ‬التعيس‭ ‬مع‭ ‬خائب‭ ‬الرجاء‭ ‬وظل‭( ‬إمعانا‭ )  ‬أعواما‭ ‬في‭ ‬المنتصف‭ ‬بين‭ ‬المرض‭ ‬والعافية‭ ‬ولما‭ ‬قرر‭ ‬العبور‭ ‬لنهاية‭ ‬الطريق‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬النهاية‭ ‬غير‭ ‬الموت‭ ‬والعين‭ ‬على‭ ‬الوطن‭ ‬بين‭ ‬أشداق‭ ‬الذئاب‭ .‬

مات‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭  ‬رمزا‭ ‬لجيل‭ ‬نهشه‭ ‬الذئب‭ ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬ذئب‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬الذي‭ ‬ذكرناه‭ ‬وهو‭ ‬الصراع‭ ‬السياسي‭ ‬السقيم‭ ‬على‭ ‬وطن‭ ‬أضاعه‭ ‬مهوالو‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬فسلموه‭ ‬إلى‭ ‬ذئاب‭ ‬الفساد‭ ‬والعمالة‭ ‬والمحاصصة‭ ‬والدين‭ ‬الكاذب‭ ‬فخسر‭ ‬العراق‭ ( ‬ليلى‭ ) ‬وامتلأ‭ ‬بالذئاب‭  .‬