الفرصة منجاة لمن يلتقطها – فؤاد مطر

الفرصة منجاة لمن يلتقطها – فؤاد مطر

في إستمرار هنالك في عالم اليوم كما في الأزمان الغابرة، أزمات وخلافات وصراعات كما هنالك حالات تتجاوز تبادل الإتهامات وتصل إلى حافة المواجهات.. فإلى حالة من الإحتراب كما الحال ما هو حاصل بين أوكرانيا الملتحفة بسخاء الغرب الأطلسي وروسيا البوتينية المبتهجة (منذ عصر يوم الأربعاء 23. 2023.8) بنهاية “جنرالها”بريغوجين الذي سبق أن قال عنه ولي أمره الرئيس بوتين “إنه لا يغفر لمَن يخون” تعليقاً على إنشقاقه الملتبس والذي جعل روسيا بعاصمتها ورمز شأنها (الكرملين) على مدى بضعة أيام  في مهب التساؤلات والتفسيرات والإحتمالات.

سلاح الجو

ثم تأتي المسيَّرات بين الحين والآخر تقض المضاجع والمهابة وتُقلق المؤسسة العسكرية الروسية ذات الشأن والتي حفلت ساعات ما قبل واقعة طائرة نهاية أو إنهاء يفغيني بريغوجين بتفسيرات مقرونة بألغاز عن تغيير قائد السلاح الجوي الروسي سيرغي سوروفيكين الملقب بإسم “الجنرال هر مجدون” (جنرال يوم القيامة).. هذا مع الأخذ في الإعتبار موجبات التغيير الطبيعي وكذلك التنقلات ورفد المؤسسات الأمنية بالدعم الجديد والولاء الأكثر ثباتاً.

ولقد تأمنت للرئيس بوتين بدل الفرصة الواحدة عدة فرص تنوعت الأطراف والزعامات القائمة بها. ومع أن المساعي الحميدة لمعظم هؤلاء كانت تأخذ في الإعتبار مكانة روسيا والرغبة الصادقة في أن تكون في منأى عن الذبول المتنقل في مسارها الحربي، إلا أن الرئيس بوتين لم يلتقط على النحو المأمول الفرصة المحمودة، كما لم يحذف من أجندته ورقة القمح بعد الغاز التي لم تبق دولة صديقة وبالذات فقراء دول العالم الثالث إلا وتأثرت بمفاعيل إستعمال تلك الورقة. وها هو الصراع على حاله والتلويح بما هو أكثر خطورة أي الخيار النووي قائم. وأما الفرص بالذات فمن جانب الأكثر مبدئية وحرصاً على حالة دولية تأخذ التنمية والتطوير فيها مداها. هنالك أيضاً تلك الحرب الفريدة من نوعها الحاصلة والمتواصلة بين جنرال رسمي من بني المؤسسة العسكرية السودانية العريقة وجنرال “كيان عسكري” جرى إستحداثه في زمن كان الحكم يراه العضد القوي وإنتهى في غير غمضة عين إلى أنه بات “الجيش الآخر” في السودان يتعامل المجتمع السياسي الإقليمي والدولي معه على أنه أمر واقع كما ثمة بعض الأطراف تراهن عليه.

هذه الحرب، أو فلنقل “الحُريبة” لأنها تجري حصراً داخل الوطن الواحد هي شكلاً حاصلة بين جنراليْن كانا حليفيْن ضد الطيف المدني ثم باتت عملياً حرباً ضد الكيانيْن: المؤسسة العسكرية والشعب من دون تمييز بين ختمي وأنصاري أو بين بعثي أو ناصري أو إسلاموي أو شيوعي. ويصعب تفسير هذا النمط الجديد على ظاهرة الإحتراب حيث الطائرات تقصف وطنها وقنوات “الجنراليْن” تتباهى بأنها تدمر آليات ومدرعات دفع السودانيون أثمانها من قوتهم وعوائد قطنهم وسمسمهم وتحويلات مغتربيهم ونجدات بعض أشقائهم الخليجيين إلى جانب الصديقيْن الصيني الثابت والروسي المستجد. كما يصعب كيف أن “الجنراليْن” لا يتأملان في قوافل الذين يهاجرون ويفترشون الأرض ولا يجد الكثيرون منهم ما يستر الجسد ويسد الرمق. وحتى الآن ليس هنالك ما يبرر هذا الإقتتال وماذا سيقال للناس عندما سيستسلم الجنرالان بعضاً لبعض. كما يصعب كيف لا يتأمل الإثنان أو أحدهما قبل الآخر فيحذو حذوه تأملاً، في ما نصح به في زمن الفروسية ألحقهُ أبو الطيب المتنبي بالقول :”أخا الحرب قد أتعبتْها فألْهُ ساعة… ليغمد  نصل أو يُفك حزام”. والتأمل موصول بعد الترجمة إلى الروسية للرئيس بوتين وجاره اللدود الرئيس فولوديمير زيلينسكي.

رفض طوعي

لقد أضاع الجنرالان فرصة كان من شأنها إختصار هذه الويلات التي ما زال يعيشها الشعب السوداني الذي كان أكثر صدقاً في موقفه عندما رفض طوعاً أن يوالي جنرالاً ضد جنرال معتبراً أن ما فعلاه ليس لمصلحة الوطن فضلاً عن أنه لا يرضي الله.

ورغم ذلك ما زالت الفرصة حاضرة أو واردة في إنتظار من يحسن إلتقاطها. وكان السفير السعودي لدى السودان علي بن حسن جعفر أحدث المؤكِّدين.

لعل وعسى يأخذ عسكريو الإنقلاب على الشرعية في النيجر المتأرجحة بين الحل السياسي الواقعي والتدخل العسكري الذي قد يشعل القارة ناراً لا تطفئها مياه، العبرة من عدم إلتقاط سيد الكرملين الذي أصابت المسيرات سطحه، الفرصة التي كانت أعقل صيغة للتسوية ومن جنراليْ الحرب السودانية اللذين لم يلتقطا المبادرة السعودية _ الأميركية التي كانت بمثابة الساتر للحرب بين عساكر على أرض الوطن وليست على الحدود صداً لعدوان خارجي. والله الهادي إلى سواء السبيل.