انبعاث العراق – عامر ممدوح

انبعاث العراق – عامر ممدوح

تتعدد العناوين والمسميات للموضوع الواحد، وذلك أمر طبيعي، مع ادراك أن انتقاء الوصف الأدق لأي موضوع ليس يسيراً.

فكيف الحال باختيار عنوان شامل لمهمة معقدة ومركبة في ذات الوقت وطويلة الأمد، وغايتها نبيلة وكبيرة بحجم وطنٍ عظيم مثل العراق.

يسميها البعض تعافي، انقاذ، استعادة، واسميها (انبعاث العراق).

فنحن إذا طالعنا المعاني التي تحملها هذه الكلمة، نجدها تدل على استعادة الحياة بعد الممات، والنهضة بعد الركُود، وليس هناك من ينطبق عليه هذا الوصف وتلك الحاجة مثل العراق الذي يغيب اليوم كياناً ودولة ووجوداً وتأثيراً وينتظر اعادة احيائه من جديد.منهجياً، التشخيص بوابة الفهم، وعلمياً، فالعراق يعاني من مرض عضال شديد، بل هو أشبه بالمريض الذي مات سريرياً وينتظر المعجزة لينجو، والمشكلة أن زمن المعجزات انتهى وفات.وبهذا المنظور يمكننا تقييم ما حصل خلال العقدين الماضيين، بدءاً من تغيير شكل النظام عبر الاحتلال الأجنبي العسكري، وانتهاءً بتعاقب أشكال الفعل السياسي وتبدل الحكومات، فهي إما عمليات جراحية فاشلة، او محاولات انعاش تمد العمر ببعض الأيام دون عودة عافية، لذا فمهما كانت الصدق الذي يحمله البعض، فالحال.. هو الحال.لذلك: لا يصح ان نسمي كل ما وقع من تحسينات انها تندرج في مشروع (انبعاث العراق) مهما حملت من ملامح، لأنها ما زالت تفتقر إلى استكمال الشروط المطلوبة، فإذا وجدت النية الصادقة أضعفها الانحياز للمكونات، وإذا حدثت النقلات المهمة في ميدان الخدمات غابت الشجاعة السياسية والمرونة والتكتيك لتوظيف امكانيات العراق في تحويل الوهن إلى قوة، والتهديد إلى فرصة، وإذا لاحت بارقة أمل أفشل او فشلت بضيق تصور او انغلاق فكر او تشويه متعمد ببعث حسنات الماضي ومقارنتها بكل من يحمله الواقع الراهن من سيئات!.ناهيك عن فقدان الثقة الشعبية بكل ما يجري،وعدم وجود الدافعية للعمل والمساهمة، في وقت أن الحقيقة المطلقة تقول أن الأوطان لا يبنيها حاكم لوحده، ولا تيار، ولا حزب مهما كان مخلصاً، بل هي شراكة عميقة تتظافر فيها الجهود والامكانيات.في ملامح الانبعاث المنتظر العامة: هو مشروع متكامل، جهد سياسي وبناء مؤسسي واصلاح متدرج وفاعلية مجتمعية، فالبكاء على الاطلال مشاركة في تعميق الأزمات، لأن الإحساس بالوجع لوحده لا يكفي.وهو جهد وطني، لا شيء فيه يعلو على عنوان الوطن، فعلاً لا قولاً، واول كلمة تخط في مسودته هي (العراق).وهو جهد طويل للغاية، متضمن الكثير من التضحيات، وأبطال يسلمونه لأبطال، مثل جيش التقى بآخر عرمرم، فتقدم ببطء، خطوة تلو أخرى، وسقط حتى الوصول للحظة الانتصار ـ إن وصل ـ القتلى والجرحى بالمئات والآلاف.

وهو جهد متعافي هو الاخر من كل العقد، فصانع الأزمات والمشارك بها لا يصلح ان يكون منقذاً.. وفاقد الشيء لن يعطيه مهما ادعى وقال!اما الملامح التفصيلية لهذا المشروع فمن المؤكد انها تحتاج دراسات معمقة، وحوارات متواصلة، وتقريب بين وجهات النظر، وجهات شجاعة تدعو له بعيداً عن سباق الانتخابات وما يجري فيها من تجاذبات.متى يتحقق انبعاث العراق؟ما زال الوقت لم يحن، على ما يبدو، فما دمنا ننظر للجزئيات ولظواهر وافرازات أزمتنا ولا نتخلص من ميراث وتراكمات العقود السابقة البائسة فلن نكون جديرين بحمل هذا الشرف، ولن نكون قطعاً جيل الخلاص والانقاذ!.

    كاتب واكاديمي