أزدواجية المثقّف أم غيابه ؟   –  محمد علي

أزدواجية المثقّف أم غيابه ؟   –  محمد علي

لعله لا يخفى على أي مهتم أو دارس للواقع الاجتماعي في العراق، مقدار الازدواجية والتناقض الذي يتسم به سلوك الإنسان العراقي وبغض النظر عن شخصه ومؤهلاته، وقد وضعت العديد من التفسيرات لهذه الظاهرة منها: الصراع القائم بين البداوة والحضارة، المصلحة الشخصية، انعدام حرية التعبير، الخوف من المجتمع والسلطة السياسية، التبعية الاقتصادية التي تحتم على التابع تملق المتبوع وبالتالي تناقض رأي التابع بحسب مصلحة المتبوع، إلخ من أسباب مقنعة في تفسير هذه الظاهرة، والتي في رأيي قد أصبحت مؤخراً أشبه بالمرض العضال الناخر لكيان المجتمع العراقي والمشوه لنفسية الإنسان العراقي، وهي عقبة من عقبات أي نهضة ممكنة الوقوع في العراق الديموقراطي.

في الحقيقة، قد تكون الازدواجية كسلوك اجتماعي للفرد العامي مقبولة، إلا أنها غير مقبولة ومما يستحق النقد إن كانت سلوكا اجتماعيا ونمط تفكير لمن يعدّون قدوة لأفراد المجتمع، وتكون مقبولة بالنسبة للفرد العامي لا من حيث إنكار دوره في الحركة الاجتماعية العامة للمجتمع، وإنما من حيث المقدار المؤثر الآني في صيرورة المجتمع، إذ ليست ازدواجية إنسان بسيط بذات أثر مساوٍ لازدواجية قدوة اجتماعية تعد أفعاله وأقواله وآراءه وطرائفه نبراساً للملايين.

ولأن الحرية في العراق مجرد حبر على ورق، ولأن الأمان في العراق لا يشمل سوى المتمترسين بالمال السحت والسلاح المنفلت ومغيبي العقول، ولأن العدالة في العراق قائمة على الهوى، سأناقش على عجل في السطور التالية ازدواجية الخط الثاني من المؤثرين في صيرورة المجتمع العراقي وأتجنب ازدواجية الخط الأول، الخط الذي دائماً ما يكون بلون أحمر. وأعني “المثقفين” بالخط الثاني، أما مؤثري الخط الأول فالقراء أعرف مني بهم.

إن ازدواجية المثقف العراقي أيام الحزب الواحد والرجل الواحد والأمة الواحدة والثورة الواحدة، كانت غير ظاهرة على سلوكه، والسبب ببساطة هو الإفراط في الواحدية في كل شيء، وقناعة المثقف بتلك الواحدية واستفادته منها، أما اليوم وقد أصبح الحزب أحزاب والرجل رجال والأمة أمم والثورة ثورات، فالأمر اختلف، وأصبحت ازدواجية المثقف العراقي مما يستحق الدرس والنقد وشيء من الضحك.

ولفهم ازدواج سلوك المثقف العراقي، سأذكر قضيتين يختلف فيهما قول المثقف العراقي عن فعله أو العكس. القضية الأولى هي: الموقف من ثورة الحسين بن علي. والقضية الثانية هي: ثقافة الجندر.

بخصوص القضية الأولى، فإن أغلب المثقفين العراقيين يعتبرون الحسين بن علي رمزاً للثورة، وفي كل سنة يزبرون بأقلامهم الصحف الطوال إحياءً لذكره، ورغم ذلك، فلم يناقش واحد منهم بعقل ولا بأمانة الأهداف التي ثار من أجلها الحسين؟ وأنا بدوري أرغب بتوجيه بعض الأسئلة إليهم، علهم بالإجابة عنها ينفعون وينتفعون. هل خرج الحسين للمساواة بين بني البشر بمختلف أطيافهم وأجناسهم؟ هل خرج الحسين لرسم الحقوق والواجبات المدنية-العلمانية كما نعرفها في أيامنا الراهنة أو بالقليل كما عرفها أكابر الفلاسفة الإنسانيين في أوروبا؟ هل خرج الحسين مستنكراً بيع وشراء الإماء والعبيد؟ ما معنى أن تنعى الحسين مثقفة سافرة منتمية لحزب أو جماعة علمانية؟ وما معنى أن ينعى الحسين مثقفٌ معاقرٌ للخمر مجاهرٌ بالمحرمات مصر عليها طوال أيام السنة؟

وبخصوص القضية الثانية، أي قضية ثقافة “الجندر” التي صار الكل يتحدث عنها ويزايد ويناقص فيها، فهي مما يقتل ضحكاً في الوسط الثقافي العراقي، إذ انقسم المثقفون بين مبرر للجندر على استحياء وبين محارب شرس للجندر.

المبررون للجندر صاروا يبتدعون من خيالهم المفاهيم الخاصة به، والمحاربون للجندر صاروا كالمهرجين من شدة تحقيرهم للمفهوم واستهانتهم به في الإعلام، المساكين يتخيلون أن مثل هكذا أسلوب مما سيدفع شر ثقافة “الجندر” عن الأجيال المحدثة، وغاب عنهم أن المجتمع العراقي غير قادر على وضع نمط تربوي متحضر واحد يربى كل الناشئة باعتماده!

 بعض المبررين لثقافة “الجندر” صاروا يتمسحون برضى الخط الأول ويتلاعبون كيف يشتهون بمفهومه لكيلا يهزموا في مناظراتهم مع المعارضين لثقافة الجندر، والمعارضين لثقافة الجندر صاروا يلوذون برفض الخط الأول لثقافة الجندر. وبين أولئك وهؤلاء، انشغل عوام العراقيين عن القضايا المصيرية المحيقة بهم، وكذلك لم يفهموا شيء عن الثقافة الجندرية.

يتحدث الجميع، سواء كان مؤيداً أو معارضاً، وكأن الأخلاق شيء مادي يمكن الحفاظ عليه، أو كأن الأخلاق تعليمات ثابتة لا يجوز التلاعب بها شبيهة بقائمة التعليمات المرفقة مع أي منتج مادي، يتحدثون ولا كأن الحاجة ما يسير الإنسان وما الأخلاق سوى “تبرير لحاجة ما”. (الأشياء التي كانت محرمة قطعاً أو معيبة قطعاً قبل عشرين سنة، أصبحت اليوم حلال زلال، وصارت مما يعتاش عليه ويبرر له من قبل الجميع)

إن دل ازدواج رأي المثقف العراقي بخصوص قضية واحدة يشترك فيها طرفان على “أنانيته ولا إخلاصه” للقيم التي يدعو إليها إن خلا مع نفسه ومشابهيه، فإن تبريره وتشويهه المفاهيم المتحضرة لتتواءم والذائقة التي يقدم المثقف نفسه وكأنه مخلصها من جهلها وتخلفها المترنحة فيه منذ قرون، إن تبريره وتشويهه للمفاهيم يدل على “نفاقه ودناءته”، ولا أدري كيف يمكن للنفاق والدناءة أن تعين مجتمعاً يعد تخلفه وجهله وتعصبه مما حباه به الله دون باقي الناس على السير في ركاب الأمم المتحضرة المنتشرة في مشارق الأرض ومغاربها؟!