
بعد مضي سنة ونصف على سقوط الطاغية، شددتُ الرحال من مهجري الأسترالي إلى البلاد لزيارة العتبات المقدسة؛ وقبور عائلتي من الذين رحلوا عني بينما كنتُ أتلظَّى في منفاي، ولرؤية أصدقائي من الأدباء. وفي زيارة إلى نادي الأدباء بعد إقامة أصبوحة شعرية لي في ذلك الوقت؛ احتفاءً بقدومي من المهجر، كانت القاعة ممتلئة حين تحدثت عن ورطة الحرمان والفقر والهلع من العسس الذي كان يصاحبنا في تلك الليالي التي كُنَّا نمضيها في حدائق نادي الأدباء. أمضيتُ في مبنى الاتحاد خمس ليالٍ أنام برفقة صديقي كزار حنتوش والقاص علي حسين عبيد وأخي علي النواب في حجرة متواضعة؛ أسميتها غرفة البلاد. كانت تلك الحجرة التي بالكاد تسع لمنامنا ملاصقة إلى مطعم نادي الأدباء، وكان الصديق الراحل إبراهيم الخياط يزورنا أواخر الليل عندما يفرغ من عمله في جريدة طريق الشعب؛ ليطمئن على أحوالنا ويشارك في سجالنا ويشرب معنا ما تيسرَّ من ابنة الكروم. كانت الأمور تمر بهدوء وسلام علينا، حتى إننا استطعنا من زيارة مبنى جريدة الزمان في بغداد؛ برغم خطورة المفخخات والأحزمة الناسفة التي كانت تنفجر في شوارع العاصمة بين ساعة وأخرى. أذكر أنَّ الأخ الراحل محمود النمر؛ وهو الصديق الوفي للشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر قد بادر إلى إيصالنا بمركبته القديمة إلى مبنى الجريدة، وهناك التقينا الدكتور أحمد عبد المجيد الذي أخذنا بالأحضان؛ ليخبرنا بعد ذلك بتخصيص راتب ثابت لكزار حنتوش؛ يمكن استلامه بداية كل شهر؛ سواء كتب في الجريدة أو أحجم عن الكتابة لنا؛ وكان الراتب المقترح مائة ألف دينار؛ وهو مبلغ لا يستهان به في ذلك الوقت. خلال تلك الأيام الخمس التي قضيتها في غرفة البلاد؛ كنت أسهر يوميا مع كزار حنتوش؛ بينما كان ثلة من الأدباء الصعاليك والمعدمين يتوافدون إلى الغرفة لنتقاسم معهم الزاد والشراب. كان من بينهم الشاعر كاظم غيلان وعلي أبو بكر الذي كان متحمسا لكتابة الشعر؛ الذي ذهبتُ برفقتهِ في صبيحة إحدى تلك الأيام إلى الباب الشرقي لشراء قمصان من عربات الملابس المستعملة، وكادت حياتنا تذهب هواء في شبك؛ إذْ كان الوقت الفاصل بين انفجار العبوة الناسفة وبين ابتعاد خطانا عن الباب الشرقي صوب ساحة الطيران دقائق معدودة؛ “لكن الحي لا يقتله أي قاتل” كما كانت تقول أمي رحمها الله. تلك الأيام الخمسة التي عشتها في غرفة البلاد من مبنى اتحاد الأدباء؛ كانت أجمل ذكرى؛ استرجعها في مهجري البعيد بين حين وآخر والدمع يلمعُ في عيني من الحنين. أذكر في ثالث ليلة؛ بينما كنت أجلس في نادي الأدباء مع أترابي من الأدباء الصعاليك؛ استرعى انتباهي رجل وقور يرتدي نظَّارة؛ لم أكن أعرفهُ من قبل؛ تشي ملامح وجهه بطيبةٍ لا حدود لها مع ابتسامة نبيلة، لاقترب منهُ وأشاكسهُ قائلاً:
- ملامح وجهك تؤهلكَ أن تكون إعلامياً.
شدَّ على يدي وهو يهمس:
- أتمنى أن تزورني في وزارة الثقافة.
فجأةً نطَّ أحد الذين يتشبَّهونَ بالأدب؛ وكنتُ أعرف لؤمه منذ الثمانينيات؛ ليخبر ذلك الرجل الوقور:
- كيف تصافح من كان صديقاً لسامي مهدي؟
اضطرم جحيمٌ في صدري؛ لأردَّ عليه ساخطاً:
- سامي مهدي شاعر كبير؛ أما أنت؛ فقد كنت تحلم بالدخول إلى نادي الأدباء؛ لأنك لا تصلح حتى أنْ تكون بواباً للمرافق الصحية في هذا المبنى.
تراجع إلى الخلف منهزماً وانزوى في ركن بعيد؛ بينما قال الرجل الوقور الذي مازال يقف أمامي:
– لا تأبه للبعوض الذي يحوم حولك ضوءك.
ليخبرني بعدها بأدبٍ جم:
- أنا كامل شياع؛ مستشار في الوزارة؛ أتمنى لقاءك في مكتبي.
في الواقع؛ لم اكنْ قد سمعتُ باسمه من قبل؛ صافحته بحرارة؛ لأعود إلى مقعدي حاملاً ذكرى طيبة عنهُ. بعد انقضاء الليلة الخامسة، كنتُ مع كزار حنتوش في مرأب العلاوي، ليركب سيارة أجرة تحمله إلى الديوانية، كان آخر ما قدمت له، علبة عصير خوخ، ليغيب عن أنظاري بعدها إلى الأبد؛ بعد عودتي إلى المهجر؛ كانت آخر مكالمة معهُ قبل أسبوع من رحيله المباغت الذي جعلني يتيماً من بعدهِ في الحياة.
حسن النواب
























