
تهون يا سومر – محمد علي
كل فترة يقع حدثٍ ما يشعل الضغائن المدفونة بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي من العراقيين والكويتيين، وفي كل مرة يكرر رواد الجانبين ذات صفات الانتقاص من بعضهم البعض، وتبرز أثناء هذا الجدل بعض الشخصيات المتزنة من الجانبين محاولة إخماد نار الضغينة بين العراقيين والكويتيين من خلال كلامها المعسول بالقيم العربية الإسلامية الإنسانية.
دفعة لندن
وفي هذه الأيام راجت في مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد من مسلسل كويتي اسمه “دفعة لندن” ظهرت فيه شخصية امرأة عراقية تعمل كخادمة عند طالبات كويتيات في لندن (علماً أن النص الذي عبرت به هذه الشخصية في المشهد الذي أحدث الضجة، لم يخلُ من الكليشة التي يرددها العراقيون في الواقع ما أن يرغبوا في التفاخر بحضارات قد قامت قبل قرون في أرض العراق. أي أن الكلام الذي قاله العراقيون في وسائل التواصل الاجتماعي معبرين به عن غضبهم، هو ذات الكلام الذي وجهته الممثلة في المسلسل إلى الطالبات الكويتيات موبختهن لشكهن بأمانتها، مذكرة إياهن بأنها سليلة الحضارة العراقية وأن العراقيين من علموا الكويتيين). وما أن بُثت حلقة من العمل وإذا برواد منصات التواصل الاجتماعي من العراقيين ينهالون على الكويتيين بشتى أنواع السب والشتم والتهكم وصاروا يعيرونهم بأيام غزو العراق للكويت في العام 1990? وصاروا كذلك يتغنون بشخصية المرأة العراقية ويمجدونها ويطلقون عليها مختلف أوصاف التبجيل. إنه وتبعاً للاختلاف المناطقي والثقافي صار لكل مجموعة من العراقيين أوصافها الخاصة بتعظيم شأن المرأة العراقية، فهذا يصفها بالماجدة وذاك يصفها بالزينبية وآخر يصفها بأخت رجال وهلم جراً، لكن، أ يغير الكلام واقع المرأة في العراق؟
نحن الآن أمام شكلين من التعبير ينافح بها العراقيون عن كرامتهم وعن نسائهم، الأول: تذكير الكويتيين بغزونا بلادهم في العام 1990 (وهو قول يراد منه بالباطن تذكير الكويتيين بطعم المهانة التي مارسها بحقهم عناصر القوات العسكرية العراقية بكافة صنوفها). والثاني: الرفع من شأن المرأة العراقية وما حققته من إنجازات وما تمتلكه من موهبة تتفوق بها على النساء في الكويت. أنا هنا أرغب بتحليل هذين الشكلين من التعبير بشيء من السرعة والاختصار، فأما بخصوص الشكل الأول، فإننا كعراقيين لو كنا بالفعل ضد الإجرام بعمومه وضد إجرام صدام حسين بالخصوص، لما تفاخرنا بغزو بلدٍ صغير آمن -مهما كانت الأسباب- كان حتى غزو صدام له يعتبر نفسه امتداداً ثقافياً للعراق. ولو كنا نتعظ بأخذ العبر، لاعتبرنا بما وقع بحق القوات العسكرية العراقية من قبل قوات التحالف الدولي التي أذلت العنجهية العراقية المتمثلة في شخص صدام حسين وزبانيته، لكن وعلى ما يبدو فإن العنجهية ليست محصورة في شخص صدام وحسب! يتوجب علينا كعراقيين يصعب علينا نسيان ما فعلته قواتنا العسكرية بالكويتيين بأمر مباشر من صدام حسين أن نتأمل في نتائج غزو الكويت لا أن نفاخر فيه وقد دحرت قواتنا العسكرية بشكل مؤسف للغاية. علينا أن نستذكر ما دمنا لا نرغب نسيان ما جرى على الكويتيين من ظلم واضطهاد من قبل قواتنا العسكرية، علينا أن نستذكر تبعات غزو صدام للكويت وما قامت به القوات العسكرية المرتبطة بصدام مباشرة بحق المدنيين العراقيين العُزل. علينا ألا ننسى أن كل الشعب العراقي قد عانى من حصار اقتصادي دام ل13 سنة بسبب غزو الكويت، وقد هاجر العراقيون بسبب هذا الحصار إلى الأردن والإمارات وسورية ودول أخرى وصاروا يشتغلون في كافة المجالات، وقد ذاقوا أشد أنواع العوز والفاقة داخل بلدهم على إثره.
وفيما يخص الشكل الثاني من التعبير الذي ينافح به العراقيون عن أنفسهم، والمتمثل في “الرفع من شـأن المرأة العراقية” فأقول: أيجوز لنا النظر للمرأة في العراق بنفس النظرة التي ينظر بها الإنسان القروي الجاهل لزوجته أو اخته أو ابنته؟ إذ تصبح المرأة الحاملة للجنسية العراقية شرفاً لملايين الرجال وفق النظرة القروية الذكورية الجاهلة التي تعتبر ابنة العشيرة شرفاً لكل رجال العشيرة، وإن اشتغلت على سبيل المثال راقصة أو ممثلة أو مغنية أو موظفة بغض النظر عن مسماها الوظيفي، صار من حق ملايين الرجال من العراقيين نبذها وعدها امرأة غير شريفة، ويخجلون منها في حال ذكرها أحد الأجانب بشيء من الاشتهاء؟ وأطرف ما في الأمر، أن منظمات مجتمع مدني ومنظمات معنية بحقوق المرأة وأحزاب تُنظر لتحرير المرأة تصير تنظر إلى المرأة الحاملة للجنسية العراقية وفق نظرة الإنسان القروي، ما أن تقدم المرأة الحاملة للجنسية العراقية في عمل فني ما بصورة مخلة بالشرف وفق النظرة القروية!
أليس استنكار أو تكذيب الحال الذي تقدم فيه شخصية المرأة الحاملة للجنسية العراقية في الأعمال الفنية من قبل الناشطين وأغلب المثقفين العراقيين، هو دعم مباشر أو غير مباشر لدعايات الأنظمة السياسية الشمولية التي حكمت وتحكم العراق، الأنظمة التي تدعي اهتمامها بشؤون المرأة في العراق وكسر قيود الجهل التي تكبل جسدها وعقلها؟
حاملات الجنسية
لماذا يحاول المثقفون العراقيون تصوير المرأة في العراق وكأنها ملاك لا يخطئ، ويحاولون تصوير الملايين من الحاملات للجنسية العراقية متخمات من الشبع ولا يرتدين من الملابس إلا موضة السنة؟ ماذا بشأن آلاف النساء العراقيات المشردات في الشوارع للاستجداء؟ ماذا بشأن مئات العراقيات العاملات في مجال الدعارة؟ ماذا عن الابتزاز الجنسي لمراجعات دوائر الدولة؟ ماذا بشأن الهز وسط الجامعات؟
لماذا يفتخر المثقف العراقي بالمرأة الحاملة للجنسية العراقية إن نجحت في بلد أوروبي؟ وهل نجاح امرأة عراقية مولودة في أوروبا أو تعيش في أوروبا منذ عقود يقضي على مشاكل النساء المشردات والجاهلات والمتسولات داخل العراق؟ هل نجاحها بسبب كونها تحمل الجنسية العراقية، أم نجاحها مرتبط بمجتمع ناجح وعادل استطاع تهذيبها وتعليمها حتى تمكنت من بلوغ النجاح؟
ولست بصدد نقاش هذا العمل الدرامي من الناحية الفنية.
























