ماذا وراء إنضمام العراق إلى إتفاقية الأمم المتحدة للمياه ؟ – جمعة الدراجي

ماذا وراء إنضمام العراق إلى إتفاقية الأمم المتحدة للمياه ؟ – جمعة الدراجي

 مرة أخرى يظهر العراق توجاته المتوافقة مع المجتمع الدولي لأهتمامة المتزايد بالحفاظ على استدامة المياه العابرة للحدود والبحيرات الدولية  و تسهيل التعاون وتحسين إدارة الموارد المائية على المستوى الوطني بغية الأستخدام الأمثل والأدارة الرشيدة ،جاء ذلك بإنضمام العراق رسميا الى اتفاقية هلسنكي لحماية وإستخدام المجاري المائية العابرة للحدود على هامش مؤتمر الأمم المتحدة للمياه المنعقد في نيويورك 24- 26 /2023 .? ويعتبر العراق أول دولة في الشرق الأوسط ينضم الى هذه الإتفاقية المهمة ، ليكون العضو 49 في هذا الإطار القانوني الدولي الفريد  ، إذ أودع العراق صك الإنضمام الى هذه الإتفاقية لتبني حدث تاريخي لتتوافق مخرجاته مع استشعار العراق بالقلق المتزايد نتيجة  تداعيات التغيير المناخي التي يشهدها العالم بشكل عام ، ومنطقة الشرق الأوسط والعراق خاصة ، إذ يصنف بين الدول الأكثر عرضة لهذه التداعيات والتي سببت أثرا كبيرا على النظام الهايدروليكي  بتراجع الواردات المائية من دول المنبع ومواجهة النقص الحاد في الخزين الإستراتيجي للمياه مما اضطرت الحكومة العراقية بخفض الخطط الزراعية الى أقل مستوياتها ليشكل خطرا حاد على الأمن الغذائي للبلد ، وإستنزاف المياه الجوفية لتعرضها للإجهاد المتزايد لسد النقص الحاصل في المياه السطحية . وتراجعا كبير في مناسيب الإغمار للمسطحات المائية الواسة (الإهوار) والتسبب بجفافها ، المؤل الطبيعي للعديد من الكائنات الحية من مواشي واسماك وطيور وحيوانات أخرى نادرة تفقد بيئتها الطبيعية وفقدان الغطاء النباتي ليتسبب اثارة الزوابع الغبارية التي تلقي بظلالها حتى على الدول المجاورة فالتغييرات البيئة لا تنحسر على ذات المنطقة المستهدفة بالتجفيف. وتداعيات أخرى أهمها هجرة السكان لاحداث تغيير ديموغرافي للتركيبة السكانية لكبريات المدن العراقية وما يترتب عليها من ضغوطات خدمية وصحية وتعليمية وازدحامات تجهد المرافق العامة لتلك المدن.

حاجة المياه

ان العراق يعول على تفهم دول العالم لحاجته للمياه ، ويتطلع الى ضرورة الإسراع في إحراز تقدم ملحوظ في مجال التعاون المائي مع دول التشارك المائي .إذ دأب العراق للإشتراك بأغلب المناسبات التي تعنى بالمياه بأعلى المستويات الحكومية والفنية ، ليتطلع بالحصول على الواردات التي تتناسب مع احتياجاته ، وعلى المستوى الداخلي يتطلع  بإدارة المياه المتاحة بشكل أكثر كفائة وفعالية ويخطط لتحديث البنية التحتية للمنشئآت الأروائية ،لكن المتابع لهذه الخطط لم تترجم على ارض الواقع إذ ما تزال الخطة الإسترتيجية التي أعدتها وزارة الموارد المائية عام 2015 حتى عام 2035 على حالها لم ينفذ منها شيء ولم يعمل على تحديثها او تغييرها رغم المستجدات المتسارعة  في السياسات المائية سواء على الصعيد المحلي او مع دول الجوار المنتجة للمياه . إما التحديات الدولية التي تواجه العراق هوعدم وجود إتفاق دولي شامل يضمن حصة العراق المنصفة والعادلة مع إستمرار دول المنبع بتطوير وإنشاء السدود بشكل مطرد دون مراعات حاجة العراق للمياه ولم تقدم الإخطار المسبق الذي يتضمن كافة تفاصيل الجدوى والاغراض ومقدار الكميات المراد التصرف بها ،ومن حق دولة المصب دراسة أي سد على المصدر المشترك وتقديم اعتراضها اذا كان يضر بالنشاط المائي ويقنن وارداتها المائية المتفق عليها، ولم يحصل هذا  بل لم تكن هناك  مطالبة لتلك الدول الى تفعيل إلإتفاقيات او الاتفاقات والبروتكولات مع دولتي التشاطيء مثل إتفاقية 1975 مع الجارة ايران او الاتفاقات الثنائية مع تركيا او الثلاثية مع تركيا ودولة الممر سوريا ، ويواجه المفاوض العراقي اعتراضين مهمين وهما: أن دول التشارك المائي لم توقعا على اهم الاتفاقيات الدولية المعنية بتقاسم المياه المشتركة بين الدول مثل إتفاقية هلسنكي لسنة 1992، وإتفاقية الانهار العابرة للحدود الدولية للأغراض غير الملاحية لسنة 1997، وخلو القانون الدولي للمياه للشروط الجزائية بحق الدول التي لم تلتزم بالتعاون وتقاسم المياه مع الدول المتشاركة بالاحواض النهرية الدولية، والاعتراض الاخر الذي يعيق المفاوض هو ان العراق مازال يعمل بأنظمة الري القديمة ، وهذه احدى الحجج التي يمكن لدول المنبع التي قد تضعها ضمن الدفوعات القانونية إذا ما تقدم العراق بشكوى رسمية لدى المحاكم الدولية المختصة بالمياه ، فأن المادة الرابعة من الفصل الثاني لأتفاقية هلسنكي لسنة 1966 من اشتراطاتها استخدام احدث الطرق التكنولوجية لأدارة المياه المتاحة لمختلف الأغراض حتى تتمكن دول المنبع من تزويد الدول المتشاطئة  بالحصة المعقولة من المياه.

اتفاقيات دولية

ولهذا فأن المفاوض العراقي مدرك لهذه التحديات فلجأ بالإنضمام الى هذه الاتفاقيات الدولية لتعزيز دفوعاته وتدويل قضية الحاجة للمياه او العمل على التشارك الجو سياسي و الإقتصادي لطريق الحرير الذي من شأنه ان يرفع مستوى التعاون التجاري بين البلدين وفتح افاق استثمارية كبيرة وهذا ما أفرزته زيارة دولة رئيس الوزراء العراقي الى تركيا مؤخرا ، وإعلان العراق بتسارع الخطى للمباشرة بطريق التنمية مما حدا بالرئيس التركي زيادة الأطلاقات المائية لمدة شهر وهي غير كافية قد يراد بها لكشف نوايا العراق وجديه للشروع بهذا العمل الكبير الذي تعول عليه تركيا كونها البوابة الثانية بعد العراق لربط البضائع القادمة من الشرق الى  الغرب وبالعكس ، وهذا المشروع اول من أسس له الدولة العثمانية بتعاقدها مع شركة المانية لإنشاء سكة حديد فاو – استنبول عام 1902، و تركيا مدركة للنشاط الاقتصادي المهم الذي يوفر لها فرص إقتصادية كبيرة، كل هذا يعزز التوازنات السياسية للمصالح المشتركة وجعل التشارك المائي عامل تعاون بين البلدان المتشاطئة.