حرب السودان بين البرهان ودقلو ..  دولة هشة ومناجم وساحة مفتوحة للإرهاب – عماد علوّ الربيعي

حرب السودان بين البرهان ودقلو ..  دولة هشة ومناجم وساحة مفتوحة للإرهاب – عماد علوّ الربيعي

المقدمة

اتجهت انظار الدول الغربية الاستعمارية الى السودان منذ سنة 2017 عندما سمح الرئيس السوداني السابق عمر البشير بالتنقيب على الحدود بين السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى، ويُعدّ السودان أحد أكبر منتجي الذهب في القارة الأفريقية؛ إذ بلغ إنتاجه 30.3 طن في النصف الأول من عام 2021 وحده، بحسب الإحصاءات الرسمية. وبلغت عائدات الذهب لخزينة حكومة السودان 720 مليون دولار خلال الربع الأول من عام 2022? وفق تقرير التجارة الخارجية الصادر عن بنك السودان المركزي. ومع استمرار ازدهار التعدين والبحث عن الذهب في السودان زادت حدة المنافسة بين الدول الغربية وخاصة بين الروس والصينيين من جهة وبين الفرنسيين والامريكان والبريطانيين من جهة أخرى، كما دخلت حلبة المنافسة على ثروات السودان دول إقليمية أخرى مثل مصر وإسرائيل والسعودية والامارات العربية المتحدة. ولم يكن وسوف لن يكون السودان الواقع جغرافيا” على خط الذهب الممتد من البحر الأحمر الى سواحل المحيط الأطلسي ببعيد عن انظار التنظيمات الإرهابية السلفية الجهادية مثل تنظيمي القاعدة وداعش..

تنظيم داعش في السودان

بدأ التيار الجهادي في السودان في العقد الأخير يتبنى شعارات تنظيم القاعدة وراياتها، وأصبح له وجود في المشهد السياسي السوداني، وأخذ هذا التيار في الاتساع يوما بعد يوم، حتى أعلن (الشيخ مساعد بشير السديرة)، في سبتمبر 2014 مبايعته لـ(أبي بكر البغدادي)، زعيم تنظيم داعش الارهابي كخليفة للمسلمين. وكان هذا الإعلان بمثابة نقطة انطلاق لتغلغل تنظيم داعش في المجتمع السوداني الذي تنتشر فيه الطرق الصوفية. ويعد (الشيخ مساعد السديرة) أحد أبرز شيوخ السلفية الجهادية. ومن أبرز الذين أيّدوا تنظيم داعش في السودان، بجانب المنسق العام لتيار الأمة الواحدة (الدكتور محمد علي الجزولي)، ويمتلك “السديرة” معهدًا بضاحية (شمبات) شمالي الخرطوم، ويعد نقطة لتجميع الراغبين في الانضمام إلى التيارات السلفية الجهادية، مثل حركة شباب المجاهدين في الصومال وجماعة أنصار الدين في مالي، وأخيرا تنظيم “داعش”. وفي التاسع والعشرين من أبريل/نيسان 2019 نشرت مؤسسة “الفرقان” التابعة لداعش، مقطع فيديو لأبو بكر البغدادي تحدث فيه عن خسارة مدينة الباغوز، تطرق فيه للثورات الجارية في الجزائر والسودان، رافضا” الانقلاب الذي أطاح بالجنرال عمر البشير وداعيا” لتبني العنف في تغيير الأوضاع، وذلك عبر قوله إن “السبيل الوحيد الذي ينجع مع هؤلاء الطواغيت هو الجهاد في سبيل الله”. الأمر الذي يدل على أن المتغيرات الميدانية في العراق وسوريا جعلت قيادات تنظيم داعش تفكر في نقل مركز ثقلها الى القارة السمراء، وهذا التفكير يأتي في سياق الاستراتيجية التي تميز بها تنظيم داعش عن النهج الذي سارت عليه الحركات الجهادية التي سبقته وعلى رأسها “القاعدة”، والتي تمثلت في السيطرة على بقعة جغرافية محددة تقوم عليها الدولة وتصبح مرتكزا للانطلاق للسيطرة على العالم.

إمارة الحبشة

وقد أبدى تنظيم “داعش” اهتماماً متزايداً بالسودان عندما نشرت مؤسسة الوفاء الموالية للتنظيم رسالة للتنظيم عبر موقع التليجرام جاءت تحت عنوان (نداء إلى أهل السودان) من الداخل منها وإليها”، دعت فيها أنصار التنظيم إلى اغتنام الفرصة لإقامة “الدولة الإسلامية”؛ حيث يعمل التنظيم على إقامة ما أسماه (إمارة الحبشة)، التي تضم السودان ودول القرن الافريقي، مثل كينيا والصومال اللتان ينشط بهما تنظيم الشباب الصومالي الموالي لداعش، وأيضا “جمهوريتي تشاد وافريقيا الوسطى اللتان تعانيان من نشاط التنظيمات الإرهابية مثل جماعة “بوكو حرام” فصيل أبو بكر شيكاو، الذي بايع تنظيم داعش وينشط في المناطق الحدودية لكل من تشاد، والكاميرون، والنيجر المشاطئة لبحيرة تشاد. فيما ينشط تنظيم “المرابطون” ومجموعات إرهابية من عناصر “داعش” على الحدود السودانية الليبية.

ومن الجدير بالذكر أن أنصار تنظيم داعش في السودان يتركزون في الخرطوم متمثلاً في بعض الجماعات الجهادية التي أعلنت مبايعتها للتنظيم، مثل جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة، وتيار الأمة الواحدة بقيادة (محمد علي عبد الله الجزولي)، رئيس حزب دولة القانون والتنمية، وعدد محدود من الإخوان المسلمين الذين بايعوا الداعشي عبد الحي يوسف أميراً للمؤمنين. بالإضافة الى كل تلك التنظيمات ظهر تنظيم موالي لداعش يعمل تحت عنوان “التيار الرسالي للدعوة والقتال – ولاية السودان” تبنى سابقا محاولة الاغتيال الفاشلة لرئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك في مارس 2020. وفي أواخر أيلول/ سبتمبر 2021 داهم جهاز المخابرات العامة السوداني خلية لداعش بمنطقة الجبرة في الخرطوم، تم فيها اعتقال 11 من الإرهابيين الأجانب من جنسيات مختلفة، وقتل خلالها 5 ضباط من جهاز المخابرات برصاص عناصر التنظيم.

السودان ساحة مفتوحة للإرهاب

تمثل الحدود الرخوة بين دول شرق افريقيا، معبراً لحركة المقاتلين من “داعش”، وتقوم شبكة تدعى (مجافي Magafe) بتجارة البشر وتهريب العناصر الإرهابية من الصومال وكينيا إلى ليبيا عبر السودان، وقد اعتبرتها سلطات الأمن الكينية الوسيطَ الرئيس للكينيين الذين يرغبون في الانضمام إلى “داعش” في ليبيا عبر السودان. ويتأثر الجزء الشرقي من السودان، لاسيما ولايتي كسلا والقضارف بالهجرة غير الشرعية التي ترتبط بعمليات التجنيد وإرسال المقاتلين إلى “داعش”. بينما يلاحظ أن عمليات التجنيد في الولايات الجنوبية وخاصة في ولاية النيل الأبيض قد ارتبطت بوجود قبائل الفلاتة؛ حيث تنشط حركة بوكوحرام بين هذه القبائل. وتشير تقارير إلى وجود اتصالات بين منشقين عن حركة الشباب في الصومال وخلايا داعش النائمة في السودان. وقد تم اعتقال العديد من عناصر “داعش” التي حاولت العبور إلى السودان عبر ولاية شمال بحر الغزال. اما في الغرب حيث إقليم دارفور الذي يقع على الحدود مع جمهورية افريقيا الوسطى وجمهورية تشاد التي يشتبك جيشها افي معارك شرسة مع “داعش” حول بحيرة تشاد. وفي 6 ديسمبر 2019 أعلنت أجهزةُ الأمن السودانية إحباطَ عملية تسلل لعناصر إرهابية عبر الحدود مع تشاد، وقامت بتسليمهم للحكومة التشادية. وجاءت هذه التطوَّرات عقب تحذيرات من جهات داخلية وخارجية من تمدد “داعش” في السودان، عبر إقليم دارفور، المرغوب فيه لتربته الغنية وأرضه الخصبة وموقعه الإستراتيجي ويزخر باطنه بالذهب، والذي ينحدر منه قائد قوات الدعم السريع، الجنرال محمد حمدان دقلو الشهير باسم “حميدتي”، والذي بنى قوته بالسيطرة على مناجم الذهب في منطقة جبل مون في دارفور الذي يعتقد أن احتياطات الذهب فيه أكثر من 800 طن من الذهب. وتعد مناطق أم دافوق، أول نقطة دخول في الحدود السودانية من جمهورية أفريقيا الوسطى، ومنطقة أنداها من مناطق دارفور الغنية جدًا بالذهب، بالإضافة للألماس في منطــــــقة سيــــلونكا، والتي تبـــــعد 15 كيلومترًا عن أنداها.

استنتاجات نهائية

مع اشتداد الصراع المسلح على السلطة في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فأنه “من السهل اختراق الحدود السودانية بسبب صعوبة ضبطها، وخصوصا أنها تلامس حدود 7  دول”، افريقية تسودها الاضطرابات الداخلية وتنشط فيها تنظيمات إرهابية مسلحة مثل تنظيمي القاعدة وداعش ، وفي بلد يمر بمرحلة انتقالية هشة، تخللها محاولات انقلاب عسكري، ويجاور السودان دول تشهد اضطرابات وأحداث أمنية متكررة، مثل ليبيا وتشاد وجمهورية افريقيا الوسطى، وهو ما يعتبر خاصرة رخوة للسودان، فانه لن يكون هناك من يقف بوجه منع تسلل العناصر المتطرفة والسلاح إلى السودان. الذي يتوافر فيه جهاديون مستعدون لاستغلال تدهور الأوضاع الحالية. ومما يجدر الإشارة اليه أن جمهورية جنوب السودان، لن تكون فاصلا” قويا” بين فرع تنظيم داعش القوي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والامر نفسه لأفرع داعش في الجزء الغربي من القارة الافريقية في نيجيريا، وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى.  استنادا” لكل ما سبق فان الهشاشة الأمنية والتناقضات المجتمعية والامنية الموجود في السودان اليوم سوف تدفع الى أن يكون السودان مركزًا لانطلاق تهديداتٍ إرهابية سواء له أو لجيرانه.

{ لواء ركن متقاعد  مدير مركز الاعتماد للدراسات الأمنية والاستراتيجية