
تنوّع كيمياء الحواس وسيرة العقل في معرض ريم البحراني
البرونز يجاور الرسم والخزف ويجترح المعنى الجمالي للأنتماء
فاروق سلوم
المبنى توق بشرى للظل
وللبيت كأني حين فقدت البيت بكيت
ريم البحراني، الرسامة والخزافة والنحاتة العراقية ، تواصل مغامرة تكريس عملها الفني المتنوع بحضور يحمل عناصره الأبداعية . ذلك الشغف الباهر بالأشتغال على الخامات الصعبة وتطويعها . انها تشتغل على تنفيذ تنويعات رؤيتها الفنية وتكثيف مشهدها النحتي ، في زمن جدلي بأمكاناته التقنية السريعة والرقمية المتعددة والذكاء الصناعي ومعطياته وتحدياته .
انها تصرعلى ان تترك بصمة اصابعها البشرية على “فلز” عملها النحتي في زمن يصطرع فيه كل شيء؛ الخيال والواقع ، الوهم والأمل ،الحلم والكابوس، القيد والحرية ، المؤقت والراسخ ،الحمق والمنطق وحتى الحب والكراهية ، لكنها تصر
في معرضها النحتي” احلام الأنتماء المراوغة ” في 25 نيسان 2023 في حي الفن – بيت التصوير بيروت – على ان تقيم الهامها الخاص و تضع بصمتها البشرية هذه لكي تختصر قرارها الفني وعاطفتها وحنوّها الذي يمثل هويتها الفنية .وهي في كل عمل هنا تنجز مشروعها الفني والجمالي محملا بعاطفتها ووعيها واشارات البحث لديها عن دلالات جذرنا الأنساني وهي تطوّر اسئلة المنزل والوطن وتفككهما لتبلغ المعنى ماقبل الهوية وبعدها – الأنتماء . لقد اعطت معرضها عنوان “الأحلام المراوغة للأنتماء” كمعطى فكري لكل تفكيك لمعنى الهوية – الهويات وكل معنى لايغلق دلالة الأنتماء على منزل ووطن بل يعبره الى المعنى النفسي والثقافي المتعدد لوجودنا . –
في هذا العالم الذي لم يعد يكفي ليمنح ضياعنا وشتاتنا مكانا واحدا لملاذ صغير يمكن ان يسمّي وجودنا وهويتنا تحت سماء النجوم الفسيحة الممتدة دونما حدود ؛ تقوم ريم البحراني بأختصار ” لوعاتنا” الخاصة ازاء اسئلتنا من نكون والى اين نمضي ولماذا الشتات و لكنها تمنحنا بيوتا ونوافذ وملاذات نحتية لانهائية لنستبصر ونفكر ونكون وسط ذلك العصف من الأسئلة عن ماهية علاقاتنا وجذرنا . ان مصدرها هو سؤال وجودنا الجدلي الذي يمتد حضوره في اسئلتنا الى المعاني المتقابلة للهوية وتفكيكاتها وتنوعها – وفق مفهوم التعدد حيث يبلغ مفهوما اوسع من فسحة المنزل – الوطن الى فكرة الأنتماء التي شكلت جوهر البحث التشكيلي والفني والجمالي الذي تنشغل به في لوحاتها وخزفياتها واليوم في منحوتاتها التي يتقدمها الفلز في تنويعات الكتلة ليعبر عن تنوع البحث في الفكرة والفلسفة التي ينطوي عليهما مفهوم ماقبل الهوية ومابعدها .
تنشغل ريم البحراني بالعمل على فكرتها الأساسية في اعمالها البرونزية في معرضها النحتي الجديد . تبدو انشغالاتها الفكرية وجدلية افكارها كنتاج لتأثيرات تنوّع كيمياء الحواس وسيرة العقل الظاهر والباطن وماتبلغه من استنتاجات بحثها الى الدرجة التي تصرح بها اعمالها المعروضة . لقد تأثرت تلك الأعمال بذلك القلق الخلاّق اذ افتقدت انسيابية سطوحها بما اضفته حركة اصابعها في لحظة من لحظات الأنفعال من استعمال الفراغات المكررة على واجهة كتلتها وهي تختصر شحنة الأنفعال التعبيري .
تتمثل الناحية التعبيرية في اهتمام منحوتاتها بأستبدال افضية – المنزل الذي اهتمت به في لوحات واعمال خزفية سابقة ، بالفراغات وتكرارها على واجهة كتلها النحتية لتفصح عن تراكمات الجدل الفكري الداخلي او المعلن عبر ايقاعات متسلسلة لواجهات متماوجة تشكل في قوتها التعبير الذي ارادت النحاته ان تجسده في كل عمل ان في اختصار التشتت وتكثيفه او في التنوع التعبيري . والحق ان الأعمال بمجموعها تمثل تشريحا فنيا عميق الدلالة للاْنتماء وقد تحول من فكرة مجردة الى كتلة تعبير من خلال استعمال اصعب فلزات النحت وتكويناته وتعبيراته لتختصرانفعالات جادة تسكنها ولاتتوقف تستحوذ على شغف متواصل من التأمل والتفكير.
ساعيد تعبير ” ايقاعات” متسلسلة ، واضيف لها صفة “متقابلة” حيث يشكل التكرار لتلك الفراغات في استعارتها على واجهة الأعمال المعروضة الى افصاح عن سيكولوجيا الكتلة في ميلها او تكوينها وبنيتها ومن ثمَّ وحدة كل عمل وتعبيريته المتماسكة كتركيز على الأنفعال ومن ثم اعطاء البحث التشكيلي الدائم الذي تمثله افكارها وسلسلة الأعمال والمعارض من البيت والوطن الى الأنتماء كثلاثية اساسية لهمها الفكري .
في كلمات النحاته ريم البحراني في دليل المعرض تشير الى رغبتها لتضيء الاختلاف بين فكرة البيت – الوطن كمعيار للهوية وبين فكرة ” الأنتماء – كجذر تأصيلي حيثما نكون ” تقول ” أنا مفتونةٌ في معرضي هذا بالتفاعل بين المكان والهوية وكيف أنها تشكل إحساسنا بالذات. انني، أستكشف هذا التوتر من خلال سلسلة من التكوينات على شكل منزل والتي تطورت من عالم خيالي اساسا الى مكون مجسم . تُستخدم منازلي كمؤشر يشكك في أهمية مفهوم “الوطن هو الهوية” واستكشاف قابليتها الملموسة في سياق الهويات المفككة. ولا يتم تحديد الهويات المفككة من خلال المفاهيم التقليدية التي مفادها أن هوية الفرد يتم تحديدها من خلال منزله فقط ، بل بدلاً من ذلك ، فهي تسلط الضوء على تعقيد وسيولة تشكيل الهوية لأولئك الذين يتطور إحساسهم بالذات والمكان باستمرار. فمن خلال تحدي الطبيعة المحددة مسبقًا لهوياتنا ، فأنا أسعى إلى تغيير تقاطعات المفاهيم التقليدية للذات والعمليات المتناقضة التي تحدد تحولات مفهوم “الانتماء” ، وبالتالي “عدم الانتماء “
والحق ان نشأة ريم البحراني – 1995 بين والدين فنانين قدما لها الفن باكرا ،ومارسته هواية واحترافا ، وان دراستها الفن التشكيلي وتاريخ الفن وبحثها الأكاديمي الفني الذي انجزته لتحقيق شهادتي البكلوريوس والماجستير قد وضعتنا امام فنانة متعددة التعبير الفني ، وامام فنانة شابة مفكرة تسكنها جدلية حوار الأفكار من اجل بلوغ المعنى الذي يضيء الجمال وان كان لايفسره . وبذلك نستطيع ان نفهم اعمالها وتنوع افكارها التي تطورها خلال معارضها المتنوعة كلماتها التي تستجلي موقفها الفكري.
ان دراسة واجهات الأعمال النحتية في معرض ريم البحراني تبدو تلك الواجهات مثل ” رليفات ” محفورة تستعيد ” احلام بلاد الرافدين ” تلك التي تمثلها المنحوتات والرليفات النهرينية القديمة من سومر الى منجزات بلاد اشور النحتية العظيمة . ان تنقّل ريم البحراني بين بلدان وثقافات متعددة وحنينها الداخلي الى مكونات ثقافة ” انتمائها” جعلها مسكونة بشغف نهريني بمنجزات بلادها الحضارية والتي شكلت قاعدة افكارها حول المنزل – الوطن – الأنتماء وانعكست في اعمالها النحتية. انها تعيد انتاج احلامها النهرينية وكل ذلك المزيج البصري والثقافي والفكري عبر سمات اصيلة متجذرة في تعبيرية رمزية تقوم على دمج التفاصيل في كليات نحتية معبرة فيها خصائص النحت وجمالية العمارة وحيوية الحركة وايقاع كتلتها الراسخة .
ارى ان ما اشتغلته ريم البحراني في معرضها النحتي ” احلام الأنتماء المراوغة ” تندمج فيه روح الحلم مع تلك الكتل المشغولة بدأب واصرار تفصيلي وتكرار يختصر ملمح مهم من ملامح تكرار الأقواس والواجهات والكاسرات وفتحات التهوية في العمارة العربية وقد استلهمته النحاته ليتحول الى لغة نحتية تستنطق الكتلة لتروي سرديتها الخاصة .ان منحوتاتها الصلبة تتدفق في التعبير والرمزية دون تفاصيل تشريحية ولكن بتكرار متنوع يمثل الحركة بأسلوب ايقاعي خاص يمنح كل تفصيل فرصة للأشارة الى التفصيل الآخر ليمنحنا فرصة بصرية لنبلغ المعنى البلاغي الذي استهدفته الأعمال النحتية واللمسات الدلالية والأسلوبية في كل عمل نحتي من اعمالها الجديدة .
سيرة
ريم البحراني – 1995، رسامة ، خزافة ، نحاته . ولدت في الأردن لوالدين فنانين. منذ المراحل الأولى من حياتها ، كانت تعيش حياة متنقلة غير مستقرة . بعد أن عاشت مع أسرتها العراقية في اليمن والسويد وقطر والمملكة المتحدة ، تعرضت لثقافات مختلفة شكلتها . وقد تم تقديم الفن لها في سنوات تكوينها من قبل والديها الفنانين. شغفها بالفن والتاريخ جعلها تتابع دراستها الجامعية في تاريخ الفن تليها شهادة عليا متخصصة في الفن الحديث والمعاصر . اقامت معرضا للرسم ومعرضا للخزف وتواصل دراستها وعملها الفني .























