العراق ما بعد الإنهيار..  كيف سيكون ؟ – سيف ابراهيم

العراق ما بعد الإنهيار..  كيف سيكون ؟ – سيف ابراهيم

اعتمادا على التجارب الكثيرة لن يقوى اي نظام سياسي مهما كان دكتاتوريا أوحتى مثاليا حد الطوبائية على الصمود بشكل ابدي ، نعم قد يستمر طويلا لكنه بكل تأكيد سيهرم وعلى حد تعبير علماء الاجتماع ان للدولة ( النظام السياسي  في المفهوم الحديث والمعاصر ) دورة حياة ما بين البداية والذروة ومن ثم النهاية و  لا شك تختلف أشكال النهايات أيضا تبعا للظروف ومآلات الأحداث ومسببات السقوط فقد تكون داخلية اوخارجية اوكلاهما سويا .

وفقا لهذه الحقيقة التي لا تقبل التبديل ، فإن النظام السياسي الحالي في العراق والذي جاء على أنقاض النظام البعثي عن طريق الاحتلال ، لا بد له أن يزول وإنْ اعتقد معظم القائمين عليه ان سلطتهم ممتدة ولا أحد يجرؤ على ازالتهم ، فمنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة العام 1921 م وحتى العام 2003  تعاقبت على حكم العراق مختلف الأنظمة ذات الايدلوجيات المتباينة ، من حكم ملكي إلى نظام شيوعي ومن ثم جمهوري شمولي بصبغة علمانية ، ورغم أن بعض منها قد استطاع النهوض بالعراق وجعله في مراتب متقدمة بين الدول ، الا انه ما استطاع الاستمرار طويلا وسرعان ما سقط ، وبعضها الآخر سيء نعم واستمر لأكثر من ثلاث عقود ونهايته رغم ذلك كانت محتومة بالتأكيد .

لكن كل تجارب النظم السابقة التي تسلّمت السلطة في العراق تختلف اختلافا جذريا عن النظام الحالي ، وبالتالي فَنهاية هذا النظام ( وبلا شك سيزول مهما طال الوقت ) كذلك تختلف في نتائجها عن كل ما سبق وذلك لعدة أسباب منها :

  1. 1. منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة حتى العام 2003 ، لم يتم حكم العراق وفق أيديولوجية دينية (شيعية اثنا عشرية ) تؤمن في معظمها بإمتداد حكمها حتى ظهور الإمام المهدي ( عج ) والتي تناغم في جوهرها ما تقوم عليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

قوات رسمية

2 . على امتداد حكم العراق ، لم يكن للقوات المسلحة الرسمية اي امتداد آخر رديف لها ، يوازيها في القوة أوحتى يفوقها في العدة والعدد ، وهذا بالعكس تماما مما في النظام الحالي .

  1. 3. كل من حكم العراق حتى العام 2003 كان يؤمن بحقيقة الدولة وحدودها الجغرافية ونظامها الوضعي الخاص بها ، في حين أن النظام العقائدي الحالي لمعظم شيعة السلطة لا يؤمن بالحدود ويرى وفقا لهذا المنظور ان المفهوم الديني له العلوية على المفهوم الوطني ، وهذه الخاصية تبرّر نقطة خطرة جدا ، وهي تغليب الارادة الدينية على الارادة الوطنية فيما لوتعارضتا ، والإرادة الدينية هنا ستكون معبرة عن مصلحة دولة أخرى اغلب الظن !
  2. 4. لم تتعدد رؤوس الحكم مطلقا كما الان ، ولم يكن لمفهوم التمثيل المكوناتي في شيء ، كان لون الحكم واحدا بامتياز والسلطة بيد فئة محددة ، في حين أن السلطات هنا تقسمت والهويات اتسعت!

فكيف سينتهي هذا النظام وما نتائج السقوط بعد كل هذه التباينات  ؟

لن ينتهي بطريقة الاحتلال ،  فالعراق لم يزل محتلا وعلى أراضيه الكثير من القواعد الأجنبية ، وما يحدث من مناوشات ( ضربات صواريخ اواستهداف مقرات ) انما هي رسائل بين الدول المتصارعة ليس إلا  ،  لكن التنفيذ والخسائر عراقية فقط ، ولن ينتهي بانقلاب عسكري حيث ان الجيش الحالي لا يقوى على فعل ذلك ابدا ، فالجيش منقسم الولاءات كما السياسيين تماما ، لذلك لا أحد يعول عليه في احداث اي تغيير ، اما ومن يعتقد أن آلية التغيير لهذه المنظومة الفاسدة بالمعظم هي الانتخابات فهوواهم أشد الوهم رغم محاولات الإصلاح من داخل النظام ومن خارجه ، انتخابات في ظل شعب يعاني الفقر والفاقه ولا يعرف من حقوقه شيئا ، انتخابات يصول ويجول فيها المال السياسي والسلاح وشراء الذمم ، إنها لانتخابات بائسة لا ينتفع منها ولا يرتجى خيرا ، يتم اجراءها لمجرد إعطاء صبغة شرعية لديمومة الطبقة السياسية الحالية . لذا لا تتم الاطاحة بهذه العملية السياسية الا بطريقتين لا ثالث لهما ، اما الطريقة الاولى ( الانهيار الامني والعسكرس ) فهي تكرار ما حدث منتصف العام 2014 ، حيث سقوط ثلث مساحة العراق بيد داعش وانهيار المنظومة العسكرية بين ليلة وضحاها ، بمعنى أن الأداة والتنفيذ ستكون خارجية بدرجة كبيرة جدا . اومن خلال ثورة شعبية ( العامل الاقتصادي )  ، ينتفض فيها الشارع على مغتصبي حقوقه ويثأر لحاله منهم ، شعب قاموا بتجويعه وافقاره وعملوا على انشاء مجتمع تسوده الأمية والجهل ظنا منهم انه بذلك سيكون أداة طيعة بيدهم ولا يقوى على رد الضيم ، ولم يدركوا أن الشعب بهذه المواصفات لا يحكم الا بالاستبداد والانقطاع عن العالم الخارجي كي يبقى راضخا مكبلا ، وبما أن النظام الحالي لن يمتلك زمام القهر والكبت المطبق ولان العالم اصبح قرية صغيرة يؤثر ويتأثر .

قنبلة موقوتة

هذا يعني ان الشعب بالظروف الحالية هوانما قنبلة موقوتة سرعان ما ستنفجر وتقتلعهم من الجذور وهذه هي الطريقة الثانية ، نعم هناك أطراف خارجية ستستغل هذا المشهد وتعمد الى تمرير مخططاتها وتنفيذ اجنداتها  ، ولكن المسبب سيبقى فساد السلطة وتغولها القبـــيح.

فما بعد السقوط ؟سقوط العملية السياسية الحالية  تعني أن العراق لن يبقى موحدا ، بل سيصبح مقسما بما لا يقبل الشك اوعلى الاقل سيعاني الفوضى والاحتراب الأهلي ( المكوناتي والطائفي  ) ، لأن الشيعة لديهم من الفصائل المسلحة ما يفوق قدرة اي نظام سياسي قادم على انهاءهم اوحتى التقليل من أثر وجودهم وبذلك لن تسمح الطبقة السياسية الشيعية بازاحتها عن السلطة لواضطرهم ذلك لاستخدام القوة ، وهذا ما يعزز فرضية الفوضى والانقسام . اما فيما يخص الكرد فإنهم أشد الاستعداد لإعلان دولتهم والتي تنقصها كركوك فقط وما ان يجدوا ضعفا اوفوضى فلن يتاخروا عن ضمها وإعلان الانفصال وهذا اول احتمال وارد بشدة ، وإعلان كركوك محافظة كردية تحت سيطرة البيشمركة بشكل كامل أثناء دخول داعش للعراق ، انما هوخير شاهد على هذه النوايا السيئة التي يحملها القادة الكرد . في حين ان السنّة لا تربطهم بالحكومة المركزية الا المصالح الشخصية والمنافع الحزبية ليس اكثر ، ولذا بمجرد انتهاء هذا النظام اوضعفه وانتهاء موسم الغنائم فسرعان ما سيعلنوا تشكيل الأقاليم السنية اوحتى ليس ببعيد اعلانهم دولة سنيّة برعاية إقليمية وحتى دولية .

{ باحث سياسي