السلطة الفاسدة ـ نواف شاذل طاقة

السلطة الفاسدة ـ نواف شاذل طاقة
يتساءل بعض كيف يمكن لجندي أو عريف مجهول فار من ساحات القتال العراقية الايرانية أن يصبح وزيرا أوعضوا في البرلمان؟ وكيف يمكن للص تافه صغير يتسكع في شوارع هذه العاصمة الأوربية أو تلك أن يصبح رئيسا لواحدة من أكبر الكتل السياسية في البرلمان أو أن يترأس وزارة في بلاده؟ وكيف يمكن لصاحب ماخور أن يصبح رئيسا لحزب سياسي متنفذ؟ وكيف يمكن أن تضيع عشرة أطنان من الذهب فجأة من البلاد، بل كيف يمكن لرئيس وزراء دولة بحجم العراق أن يقول لشعبه بأنه يعرف تماما المجرمين الذين قتلوا آلافا مؤلفة من الابرياء لكنه لن يكشف عن اسمائهم، وكيف، وكيف، وكيف؟
لن تجد أبلغ من وصف الكاتب والروائي البريطاني جورج أورويل[1] لمثل هذه الظاهرة السياسية حيث يقول في احدى مقالاته واصفا الطبقة السياسية الفاسدة الحاكمة بأنها أسرة يتسلم فيها الأعضاء الفاسدون زمام السيطرة. ان هذا الوصف الدقيق للراحل أورويل يوضح أكثر من سواه كيف يمكن للطالحين في مجتمعاتنا أن يتسيدوا على شعب مقهور. لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد، من وجهة نظر أورويل على الأقل. اذ يمضي الكاتب مبحرا في فضاء هذا الطبقة السياسية المذهلة بفسادها وخستها ممعناً في سبر أغوارها في روايته مزرعة الحيوانات التي كتبها سنة 1943 والتي يقول إنه استوحى فكرة كتابتها بعد رؤيته لصبي يقود عربة كبيرة تجرها أحصنة في ممر ضيق، وكان الصبي يوسع الاحصنة ضربا بالسوط كلما حاولت أن تحيد [2].حينها وردت خاطرة الى ذهنه مفادها لو أن هذه الحيوانات كانت قادرة على ادراك قوتها لما سمحت لهذا الحوذي الأخرق أن يتحكم بها. وهكذا يصور أورويل تسلم الخنازير زمام السلطة في مزرعة الحيوانات ، ليؤكد ثانية للقارئ بأن السلطة الفاسدة لا يمكن أن تقاد الاّ من قبل خنازير خسيسة مستعدة لارتكاب كل أنواع الرذائل في سبيل بقائها في السلطة. تنتهي هذه الرواية، التي رفض الناشرون البريطانيون نشرها لأسباب سياسية لنحو سنتين، عندما تستيقظ الحيوانات الحالمة بالعدالة والتي ضحت بكل شيء من أجل مستقبل قيل لها إنه الأفضل، لترى قادتها الخنازير يسرقون ويزنون ويأكلون من عرق جبين الحيوانات الكادحة ليل نهار.
عقب هذه الصورة المأساوية السوداء لواقع الفساد السياسي، التي تنطبق تماما على ما يجري في العراق، لا بد أن يتبادر السؤال التالي الى الأذهان كيف يتصرف المواطن المكتوي بلظى هذا الظلم؟ يجيب أورويل على هذا السؤال المُحيّر في واحدة من مقالاته قائلا انه لمن الأكثر سهولة أن تحتقر الطبقة الحاكمة، على أن تضمر الكراهية لها وتحطمها [3].
ليس هناك أدنى شك بأن الغالبية العظمى من العراقيين تحتقر الطبقة الحاكمة الفاسدة. بيد أن ضمر الكراهية لهذه الطبقة الحاكمة والامتناع عن تحطيمها أمر لا يتسق كثيرا مع تاريخ العراق السياسي القديم والحديث
AZP07