لماذا تركت مصر سوريا تـُذبح بمفردها؟ ـ حسن حنفى
سوريا هي الأخت الشقيقة لمصر، اذ يُقال دائما الشقيقة الكبرى لسوريا ، وهى الأمن القومى الشمالى لمصر، يثبت ذلك الجغرافيا، فالشام، فلسطين وسوريا والأردن ولبنان، هو حدود مصر الشمالية، تم تأمينها منذ الفراعنة مرورا بالفتوحات الاسلامية، ودفاعات صلاح الدين ومحمد علي حتى توحيد عبد الناصر لمصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة . ورفضه اطلاق النار على الشعب السوري وقت الانفصال وأمر الطائرات المصرية المحملة بالقوات بالعودة من اللاذقية دون الهبوط والاشتباك مع قوات الانفصال بالرغم من أن القوات الوحدوية في اللاذقية كانت مازالت مع الوحدة، فالدم العربى لا يريق دما عربيا، فسوريا هي أمن مصر القومي تاريخيا وجغرافيا وثقافيا ولغويا وأدبيا. يشاركان بعضهما بعضاً في السراء والضراء، حرب 1948، هزيمة 67، نصر 1973، وفي حمل هم القضية الفلسطينية ومقاومة العدوان الخارجى على الأمة العربية، وكنا نهتف ونحن صغارا وحدة مصر وسوريا، باب الوحدة العربية ، وقد تحققت بالفعل في الجمهورية العربية المتحدة 1958ــ1961. .
لذلك لا يكفى تصريح الرئيس بالوقوف مع المعارضة السورية أو سحب سفير أو حضور مؤتمر أنصار سوريا أو مجرد الصمت والمعارضة السورية تعلم ما في القلب، لا يكفى تأييد المعارضة سياسيا، فموقف مصر رائد للموقف العربى كله، وليس من المعقول أن تساند بعض الدول الصغرى الثورة السورية بالمال والسلاح والدولة الكبرى تساند بالكلام، ولا الحل الخليجى المطروح في اليمن مطروح في سوريا، لم تستطع الشقيقة الكبرى أن تدعم الثوار عسكريا ولا أن تدعم الحل السياسى، لم تستطع حتى أن تساهم في الوضع الانسانى للمهجرين الذين وصلوا لأربعة ملايين من الأطفال والنساء والشيوخ على حدود تركيا والأردن ولبنان والعراق وأن تمدهم بالمستلزمات الضرورية لاغاثة الحياة، وهو أضعف الايمان.
قد تكون هناك بعض الصعوبات اللوجستية، فالأردن عائق بينهما لأية مساعدة برية، ويمكن اصطياد الأسلحة من البحر عن طريق النظام السورى أو اسرائيل، والثورة في النهاية ليست كلها اسلامية بالضرورة، ولا يتم التنسيق بينهما منذ البداية حتى النهاية، كما لم يتم التنسيق بينها وبين الثورة الليبية الأقرب أو التونسية الأبعد، كما أنها ليست اسلامية شاملة مثل حماس بل الفصائل الاسلامية جزء منها، كما تخشى مصر من التدخل الخارجى في المنطقة، من ايران أو حزب الله أو روسيا، وقد لا يسمح الموقف الدولى خاصة روسيا، واسرائيل بالمرصاد، لا تدرى موقفها وتربصها بسيناء بحجة العنف المتسلل منها. وربما مازالت مصر تشعر بعدم الاستقرار الداخلى، فالمظاهرات كل يوم، تتجه الى العنف، والعصيان المدنى يتسع من مدينة الى أخرى، والاضرابات في المصانع والهيئات العامة، وحصار القصور يتسع، وزجاجات المولوتوف يتسع مداها، والنيران تشتعل، وأجهزة الاعلام المحلية والعربية والدولية ترسل رسائلها، ومازالت مصر على التو خارجة عن عزلتها. وتكتشف وطنا عربيا أهملته في العقود الأربعة الأخيرة منذ السبعينيات حتى الثورة الأخيرة بقليل، بالاضافة الى حزب حاكم ليس له خبرة في الحكم ولا دراية بشئون الدولة، يحرص على السلطة في الداخل أكثر مما يحرص على سياسة الدولة في الخارج، ويحرص على الحكم في الداخل أكثر مما يحرص على هيبة الرئاسة. والثورة في سوريا بعيدة عن التيار الاسلامى الذى منه تتكون بعض فصائلها، لذلك لم يتحمس لها نظام الحكم في مصر، هي ثورة وطنية تعددية تدعو الى الحرية والديموقراطية أى بلغة العصر ثورة علمانية أو ثورة مدنية، تعاديها التيارات الدينية من ايران وحزب الله، كما يعاديها الاتحاد السوفيتى والصين حرصا على مصالحهما في الوطن العربى عن طريق التآخى مع نظم الحكم وليس مع الشعوب على سنة نظم الحكم فيها. ويقف القوميون مع النظام السورى ضد الثورة السورية دفاعا عن القومية، فالنظام السورى نظام قومى، نظام الممانعة، يقف ضد العدوان الاسرائيلى والأمريكى على الوطن العربى، وهو الذى يحافظ على وحدة سوريا من التفتيت والتجزئة الى دويلات سنية وعلوية وكردية تنفيذا لمخطط التخطيط في المنطقة، في العراق والخليج واليمن والسودان والصومال والمغرب العربى وربما مصر ولبنان، فتصبح اسرائيل هي أكبر دولة وحدوية في المنطقة تساندها الولايات المتحدة الأمريكية لتملأ الفراغ في الوطن العربى بدلا من الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، وتصبح اسرائيل هي أكبر دولة تساعد على تنمية المنطقة، مفتوحة على جميع الدويلات حولها كما كانت تفعل مصر في الستينيات، فالنظام السورى نظام قوى يدافع عن وحدة سوريا ضد النزعات الطائفية في الداخل والارهابية في الخارج، والتدخل الايرانى الشيعى في الوطن العربى كما حدث في العراق وكما يحدث في البحرين وكما قد يحدث في دول الخليج حتى اليمن.
وان لم تستطع مصر مساعدة سوريا الشقيقة فإنها على الأقل تستطيع مساعدة النواحى الانسانية، المهاجرين على حدود تركيا والعراق والأردن ولبنان، فالمهاجرون والقتلى والجرحى والسجناء والمشردون في أعناق من؟ أين الشقيقة الكبرى التى توارت وحلت محلها الشقائق الصغرى؟ تاريخ مصر لا ينقطع، ويتصل ماضيها بحاضرها، والا فانها تضمر وتموت، فتنجذب الأقطار العربية الأخرى الى جواريها الأقوى منها، ايران أو تركيا أو الأبعد قليلاً مثل روسيا أو الهند أو ماليزيا أو اندونيسيا، وتاريخ مصر شاهد على ذلك في الستينيات، فقد استطاعت مصر أن تجذب جناحيها المشرقى والمغربى، المشرقى في العراق والخليج، والمغربى في المغرب العربى، تاريخ مصر مع الجزائر، بلد المليون شهيد، واليمن حربا مشهود ابان حركة التحرر الوطنى، وتاريخها مع دول الخليج سلما، يكفى الحفاظ على عروبتها، فاذا قوى المركز قويت الأطراف وارتبطت به. هذا التحليل ليس تحليلاً تاريخيا عميقا كما يقوم به المؤرخون وانما هو استجابة لتساؤلات الشارع العربى أين الشقيقة الكبرى ودورها لحماية سوريا الشقيقة؟ هي تساؤلات الثقافة السياسية بعد سنتين من التدمير وآلاف الشهداء والجرحى والسجناء من الأطفال والنساء والشيوخ وهدم المدن وتدمير العمران بالمدافع والصواريخ والطائرات، هي تساؤلات في الثقافة السياسية التى نشطت بعد الربيع العربى يحملها رجل الشارع، هو تساؤل الوعي التاريخى، متصل أم منقطع، من الخمسينيات والستينيات الى الثمانينيات والتسعينيات وأوائل هذا القرن، والوعى التاريخى المتصل هو أساس الرؤية السياسية الناجحة.
AZP07
























