
سكرة الصمت لزهراء الوائلي
الأنا والآخر في التشكيل الشعري – حيدر الاسدي
(سكرة الصمت) المجموعة الشعرية البكر للشابة زهراء جواد الوائلي والصادرة عن دار الهجان للنشر والتوزيع ، وبواقع 96 صفحة ، بداية العتبة تحمل مفارقة (سكرة الصمت) هل هذه السكرة التي تأخذنا كنوبة ضحك هستيري نطلقها بصمت ؟ هل هي سكرة جراء صمت قاتل لا يمكن الافصاح عنها فنطلقها بلحظات تأمل خرساء ، هل هي سخرية من نوع خاص او تلاعب سيكولوجي يجمع ما بين سكرة الانا ، وصمت الاخر ، ام هي سكرة الانا وصمتها معاً ، العنوان مدعاة للتأويل وهو امر مطلوب في كتابة النصوص ، سواء النثرية ام حتى النصوص التي تتأرجح ما بين السرد والشعر ، هل سكرة الصمت نصوص شعرية؟ ، لماذا تضع زهراء تجنيس (نصوص) وهل عبارة (نصوص) مفردة تدل على التجنيس اصلاً؟ هل هي نصوص تتأرجح ما بين السرد والخواطر والنثر والتداعيات والمقاصير ، زهراء اعرفها شابة تصدر لاول مرة مجموعة شعرية ، وهذه طبيعة الكتابة لدى الاديبات الشابات ، الانطلاق من الابعاد التي تتحدث عن حقوق المراة والارهاصات السيسولوجية ، وبالتالي تشعر وكأنك امام محاكمة لذكورية المجتمع ،بعض الاحيان تحتاج القصيدة الجانب التحريضي وحتى الانتقادي ، وهو ما تفعله زهراء منذ الوهلة الاولى لمجموعتها في نصها الاول (فصلية ص (7 وكذلك زهراء كامراة شرقية وشاعرة مبتدئة (كمشوار) وليس فنياً ، اذ تلعب على مستوى القناع في الشعر على خصوصيات حدية ، تتعلق بالانا ، وتارة اخرى في مسائل المراة الشرقية وتشكلاتها البيولوجية والاجتماعية في الحياة، كما في قصيدة (ليلي كرسي شاغر ص( 8 زهراء هنا تصدر لنا الغرف الحميمة كانها جدران سجون ، تمارس المراة الشرقية خلالها طقوس الندم بل تكون المراة هنا (مثل فأرة) هل احسنت زهراء التشبيه في هذه الجملة الشعرية!!! هي تمارس كذلك الادانة للرجل الشرقي من خلال هذه المفردات الناقمة بقناع المراة الشرقية الحاضرة بقوة في هذه المجموعة ، هذه المراة التي يبدو انها تعاني من مشاكل جمة مع (الاخر) الاخر الذي تستبدله المراة افتراضيا بكرسي يشرب الكلام ولا يثمل كما في القصيدة الاخيرة ذاتها ، وفي مقاصير زهراء ثمة مفارقة وادهاش جميل من قبيل نص (سلاح اخير) (يباع الخصر …قد …في زمن القحط …ليشترى سلاحُ …يقاتل به جيش الجوع) والرموز كذلك تمتد على طول نصوصها ولكنها رموز دالة غير متكلفة تتعامل معها زهراء وفق المرجعية المجتمعية والثقافية للانسان العراقي ، اذ ان السلطة في هذه المجموعة هي خمرة ،خمرة التعاسة التي تنزل البلاء على الانسان المتشظي والمتهرئ وفق التشاكل مع بيئته التي هي الاخرى تنفر وجوده، ما يميز زهراء انها لم تفرط كثيراً باناها او التقوقع الذاتي الوجداني في نصوصها ، على غرار العديد من الشاعرات الشابات اللواتي قرات لهن ، زهراء خرجت الى العالم ، موضوعياً في نصوصها ، وهو ما يميزها ويجعل نصوصها لافتة بعض الشيء عند القراءة وكأنك في مجموعتها لا تقرأ لامراة في مقتبل العمر ، رغم حضور المراة كثيمة طاغية ولكنها ذا بعد دلالي واضح توظفه في نصوصها حسب الثيم والموضوعات المطروحة ، في عنوان قصيدتها (سكرة الصمت) التي هي عنوان المجموعة ، ساحصي لكم ما كتبته زهراء من مفردات (الطاولة المستديرة / حانتك الكبرى/ لم تدر لنا / في بئر الغيب/تتأكل ايامنا حسرات /وانت تقف كظلٍ/هاجمته غربان شرهة/ مندل امي الضائع/ سخام المساء/ كي اصدق قولك/مللت دور شاهدة القبر/لقمة سائغة/منحتني دور المنهزم) هذه المفردات تعبر سيكولوجيا على ان زهراء تكتب وفق القراءة السيكولوجيا بنفس محتدم على الواقع والاخر ، نفس ينتقم من الاخر المتمفصل في هذه العوالم التي تحاكيها افتراضياً ولكنها مترسخة ومنطبعة في ذاتها /الانسانية ، وذاته الشعرية ، زهراء ترى اننا انماطاً نتناسل وجوه تتشابه نسير على هذه المعمورة ، لغتنا مبهمة ( في عالم يدب الى حتفه …يجر وراءه جثامين تغص بالصمت نتناسل نحن وجوهاً بلا افواه ص(15 زهراء هي الاخرى لم تنجر وراء هذا التحريض وانتقاد الاخر بل تحضر روحها الشفافة في بعض نصوصها كما في مشوهون ( ايها الصيادون …لا تتحدثوا لنا عن الحب وكل يوم تزرعون نائحة في عش لعصفور او يمامة ص20) وكذلك في نص (ابتكر الاحلام ص( 21 فكرة التداعي والسؤال تهيمن كذلك على المجموعة ، وكذلك مناجاتها الشعرية التي تأتي عبر مخاطبة الرب (يا رب …) تكررت كثيراً في مجموعتها وهي جمل اصبحت الاكثر تداولاً في النصوص النثرية وبخاصة لدى الشباب ، بفعل المغايرة والجرأة بالطرح ومحاولة كسر الاستخدام للمفردة والعلو واسماع الاخر تلك المناجيات عبر مخاطبة الرب بالمباشرة في النصوص الشعرية وهو ما تفعله زهراء كثيرا في هذه المجموعة كما في نص (عانس،الهة الموت،مصرع فراشات)، هل يثير الادهاش هذا يا زهراء ؟ ولكن ببعضها تحاول زهراء ان تصنع من خلال هذه المفردة قناعاً يخص الاخر ، يخص رباً ارضياً ، لا ذلك الرب المثال ، كما في (الهة الموت) ( حين يكون الارباب عاطلين عن العمل….ينشغلون بالتخطيط لقتلنا في اقرب فرصة ص (31وكذا تحضر مفردة الخمر والثمالة بقوة في هذه المجموعة والتي تدل رمزياً عن غياب الوعي والتيه ، والذوبان في خلجات الوجدان والعاطفة او حتى الهروب من هذا العالم الموبوء بالمشكلات كافة ، وتكرارها وظيفيا مبرر في اغلب تلك النصوص، فزهراء في مجموعتها هذه حالمة، حالمة بحياة شفافة اكثر نصاعة ، حياة كأحلامها النرجسية ، احلامها التي تشبه صباحاتها الاولى ، وهذا ما تجسده في نص (صدأ السعادة )، زهراء اشعر بانك تحتاجين الى الاف الاقدام لتهربين من هذا العالم وليس لقدماَ اخرى ، من هو السجين يا زهراء ، انا الانسان المتشظي حولك ، الانسان (القناع) الحاضر بوجدانك ، ذاتك المنصهرة بهذا الوجع اليومي ، ام الاخر بتمظهراته كافة ، حتى تبريرك للخطايا يا زهراء فهي بلمسة دالة ، تتحول شعريا الى انتقادية عالية ، كما في (بائعة الهوى ص38 …..تلك الراهبة تفتح ابواب المبغى فتبيع القبلات المشتعلة لتوقد النار تحت القدور الباردة) زهراء تصدر الافكار شعرياً عبر قناع المراة ، ذات الشاعرة ، انا زهراء ، تلك الانا الواقفة ازاء هذا الكون ، العالم ، الذي يتساءل عن ماهية هذا القناع الذي يشبه كثيراً ظلال الانكسار ، فهي (التمرد في محيا الصمت ولست خرساء ….الحقيقة حين يستبد الوهم …..ص45 ….السائرة بلا تنكر …..تطير في فضاء الخلود …تحيل السراب والضباب ماء لاسقي شجرة السلام وعطاشى الحب في زمن الممنوعات ص (46 وكذلك توظف زهراء مفردة (العري) بكثرة وعبر اشتغالات دلالية متنوعة ، وهي تحضر كذلك بقوة في فضاء تأثيث جملها الشعرية ضمن هذه المجموعة التي تخاطب فيها الاخر كثيراً او تتظاهر عليه بها ،ولا يمكن قراءة هذه المجموعة دون الحديث عن الصور الشعرية التي تحفل بها ، فهي تعتمد في بنائها على مقاصير تومئ دلاليا عبر الومضة الشعرية الخاطفة التي تثري المشهد من خلال المفارقة والادهاش ، كما في (حلم لم ينته بعد ص (54 وزهراء ناقمة في نصوصها حتى على فكرة المثالية المفرطة لفكرة الوطن ، فهي تبحث عن وطن للفقراء والانسانية وليس وطناً للشعارات كما في نص (كذبة وطن ص57 ووطن ص (60 وبعض نصوص زهراء بصراحة صادمة ، قراتها القراءة الاولى سطحياً لم التفت لعدة امور في نصياتها وها انا في قراتي الثانية اكتشف المعاني المخبئة خلف هذه النصوص ، نصوص اكبر بكثير من تجربة اولى يا زهراء ، معاني محملة بدلالات ورمزية تومئ لما يحدث في هذا الكون ، احاطة شاملة في حقائق كونية والم مستشري على طوال الانسانية ، زهراء تخشى الظلام ، والليل ، فهي تشكلهما على انهما الضيف الثقيل الذي يختلس النظر لطموح واحلام الفقراء ، في هذه المدن الغافية على الوجع اليومي ، ولا ينفع معها ان نضيء الشموع ولا حتى قرع الاجراس ، فاينما توجد تلك السعادات ثمة من يتربص بها ، الموت اللذيذ الذي يهدم كل هذه الصور ويحيلها الى سديم وماض، وحينها لا ينفع ان يقول اي نعم لا ينفع ان يقول اي شيء عن العينين ولا الثمالة ولا الحرب اللعينة ولا الشفتان ، فلا فرق ان تضع باقة الزهور على مائدة او على قبر فقد فضت بكارتها تاركة عشرات الايتام الرحيق.اينك ايها النحر الدافئ تعال ومارس لعبة الفناء….زهراء مجموعتك (نصياتك) ممتعة ومشوقة وتستحق الوقوف عندها ملياً ، شخصياً ابارك لك هذا الابداع والشعرية ، وهو بادرة خير تبشر باديبة متمكنة من لغتها وصورها وبناء نصوصها.























