

( لم أكن نبياً) لخلدون السراي إنموذجاً
الميكرو فاكشن وإشكالية البناء والمعنى – حيدر الاسدي
القصة القصيرة جداً هي التجنيس الذي وضعه الشاب خلدون السراي على غلاف مجموعته الاولى لم اكن نبيا ورغم اختلافي معه في التسمية الاجناسية ، الا اني ساتحدث بهذا المقال نزولاً عند تسميته ، مع الاشارة الى ان ما يقدمه يندرج ضمن الميكرو فاكشن ، والقصة القصيرة جداً اطول بكثير من الميكرو فاكشن ، وبالعودة لاصطلاح القصة قصيرة جداً المعتمد اجناسياً في مجموعة الشاب السراي ، يمكن القول ان هذه النصوص تندرج ضمن انواع القصة القصيرة جداً ولا يمكن عدها جنساً مستقلاً بحاله ، وهذا لا يتعلق بقضية الطول او القصر ، بل القضية نقدية تنظيرية بحتة ولا يسع المجال لذكرها هنا وكنت قد تناولت هذا الامر برسالتي في الماجستير واستبعدت القصة قصيرة جدا من الاجناس المستقلة بذاتها مثل الشعر / القصة القصيرة/ الرواية / المقامات….الخ اذن هنا نتحدث عن نوع منبثق لم يمتد تاريخيا الى فترات طويلة ولكنه اثبت حضوراً بخاصة لدى اوساط الشباب ، نوع يعتمد على خصوصيّة البناء ومهارة القصّاص ، والتكثيف والادهاش ، اذ اراد الروائي الشهير أرنست هيمنغواي كتابة أقصر قصة مكونة من بضع كلمات فكتب قصته الاتية: للبيع، حذاء طفل، لم يلبس قط وقد فتح بهذا بابا جديداً لهذا النوع من الكتابة الابداعية لقصة ومضة تعتمد الاختزال والتكثيف بعناصرها الجمالية ، وبعد ذلك صدر كتاب انفعالات للكاتبة الروائية المسرحية الفرنسية ناتالي ساروت عام 1932 عد كأول عمل أدبي يبشر بولادة ما يصطلح عليها بالقصة القصيرة جدًا، معتمدة بصورة كبيرة واساس على تقنية الإيجاز والتكثيف ، ولا يمكن نسيان جهود العرب منذ مطلع التسعينات والتنظير الجاد لهذا النوع الابداعي ، كل ذلك مهاد نوعي لمثل هذه الاعمال الابداعية التي قدمت بعد ذلك ، وهي تعتمد كلياً في جماليتها البنائية على لحظة عابرة يحاول الكاتب التقاطها قبل ان تنزلق ، أي ان السارد هنا مصور فوتوغرافي للحظات عابرة لا يمكن ان تتكرر اذا ما انفلتت، وهو نوع يعتمد على المفارقة واحداث الدهشة لدى القارئ رغم صغر النصوص ، كما ان الامتداد والمضمر عوامل مهمة في مبنى هذا النوع السردي ، أي ان تلك القصص تعتمد بدرجة كبير في بنيتها على المسكوت عنه والمضمر او امتداد الحدث ليشكل دلالة كونية تمتد بدلالتها وتتمعنى في ذهن المتلقي، فضلا عن النهايات الملغزة او المفتوحة او حتى المغلقة، كما ان ابرز سمة جمالية تتوافر في القصة القصيرة جدا الحكائية حتى لا تقع في مطب قصيدة النثر ، وهذا الامر يفضي الى تطلعات رمزية ودلالة مفتوحة تحدثها المباني السردية القائمة في القصة القصيرة جداً اذ ما كتبت بلحظة تأمل تحمل بعدا فلسفياً دالاً ، اذ تعد الخاصية الدلالية من أهم مؤهلات هذا النوع السردي ، فهل حقق خلدون السراي كل هذه المعيارية في نصوصه ، وهل العامل الجمالي لا يشترط هذه المعيارية في كتابة النصوص ، هل تكتب هكذا نصوص بالتداعي والاعتباطية الشعورية ؟ تعالوا معنا نتصفح ماذا حكى لنا السراي في مجموعته ، منذ البداية وبإهداء شفاف يقودنا الشاب خلدون السراي في متاهة قصصه ، عبر جملة مفعمة بالمشاعر الى …طفلتي وصديقتي زوجتي الحبيبة.
عنصر الايجاز
كما ان اغلب قصص السراي اعتمد فيها على عنصر الايجاز المكثف كما تبتغي ذلك القصة القصيرة جداً ، ولكنه وقع في المباشرة والمفرطة احياناً ، حتى تشعر احياناً بانك تقرأ جملاً مقالية او نصائحية خطابية، كتبت بصيغة الحكي او حتى النثر ، وهذا يضعف تماما من مقصدية هذا النوع السردي كما اسلفنا ، والمشكلة ان هكذا نوع من القصص وقعت في بداية مجموعته كما في ملكية ،خطيئة : ص9 لكن هذا لا يغفل الومضات السردية التي قدمها بدلالة تحيل لواقعنا المأزوم كما فعل في قصة رمادي ولعبه على الدلالة اللونية للوني الرمادي و البنفسجي وما يفضيان رمزياً ، وكما في قصة اقناع التي يقول فيها : تقول زوجتي : ان طفلنا بحاجة للحليب امتلا المنزل بما يقارب الالف علبة ، متى تصدق موته؟ هنا المعنى الحقيقي والانطباق التام لجمالية هذا النوع السردي من القص ، بهذه القصة يتحقق مبدأ الاختلال والدهشة التي يسعى السارد لإيصالها للمتلقي ، وهو الامر ينطبق كذلك على قصة تعايش ص12 وكذلك قصة رحمة ص14 والتي وردت فيها كلمة ايقضني والاصح ايقظني ويعود خلدون في متن مجموعته للمباشرة المفرطة كما في سبات وازدواجية ص15 و استخفاف ص21 خطيئة حمال ص30 والمباشرة والقصة الومضة لا يجتمعان ابداً ، والسراي في مجموعته بعبر سردياته القصيرة يقدم مضمون انساني في انتقاد افكار فتكت بالانسانية جمعاء مثل فكرة الحرب في العديد من نصوصه القصيرة ومنها وهم تعايش طموح نصيب ص67 وغيرهم ، كما تهيمن فكرة حضور الاخر وحضور الغائب في نصوصه وهي ثيمة مهمة تشتغل في الاجناس والانواع الادبية برمتها ولكنها اصبحت مكررة رغم بعدها الجمالي من حيث المفارقة والادهاش في بناء حدثها ،كما تقاربت موضوعات وثيم العديد من القصص في هذه المجموعة ، رغم ان بعضها ذا دلالة قصدية مكتنزة والمشكلة ان بعض التقارب وصل الى العتبات في هذه القصص كما في ازدواجية ص15 ازدواجي ص33 يقظة ص47 ويقظة ص68 ويبدو من التباين النوعي والجمالي في نصوص السراي انه كتب بعضها متباعدة عن بعض زمنياً كما كتب بعضها الاخر بصورة متسارعة ومتسلسلة مما احدث ارباكاً في عملية توزيعه القصص بين ثنايا المجموعة ، حتى اني انهي قصة ذا جمالية ودلالة الا واقع بأخرى مباشرة فاذهب مباشرة لثانية ببعد جمالي فكري اخر وهكذا على امتداد المجموعة ، كما تهيمن على المجموعة فكرة الموت والضياع والرحيل ويبدو ان السراي من جيل الشباب الناقمين على الحرب والمصوبين سهام النقد لها ولقادتها ، وهي ثيمة يشترك بها اغلب من كتبوا بهذا الجيل سواء سردا او حتى شعراً ، ولا اقول هذه منقصة او خلل في البناء الفكري لسرديات السراي انما هذه الثيم تكررت محورياً واصبحت اكثر استهلاكاً بحيث ممكن اعادة صياغة افكار تتلاءم ورؤى جديدة تنبثق من تطلعات شباب اليوم الباحث عن الامل والسعادة ، كما ان السراي ينظر لهذا العالم من نوافذه السردية المتوزعة على طوال قصصه ، وبالتالي نراه يقول ولا يشارك ، السراي كأنما يسهم في محاكمة هذا الواقع .
واقع عاصف
والتاريخ المأزوم من بعيد بعين ساخرة باصرة تود ان تبتعد ولا تقترب من هذا الواقع العاصف، ما بين رغبته بالحديث عن هذا الكم الهائل من الدمار وما بين سخرية السراي من هذا الدمار تعتصر افكار فتخرج الما سردياً قصيراً يومئ للمتلقي بما جرى ويجري على الانسان المهمش، والهامشي في يومياته التي يؤرخ لها السراي في مجموعته هذه ، وهذا لا يمنع ان السراي في بعض الاحيان تأخذه فكرة التداعي حد الخروج من المألوف والابتعاد عن بنائية الومضة السردية كما يفعل في قصة اوهام ص 64 فهي لا تندرج البتة ضمن انساق القصة القصيرة جداً ، وتبقى هي تجربة اولى وولادة بكر لا يمكن ان يحاسب عليها بحدة فهو اديب لازال في مقتبل العمر وقدم هذه المجموعة لتشكل هويته الابداعية ومحطة انطلاق في مسيرته القادمة ، سنقف بجدية اكبر وقراءة اوسع في مجاميعه المقبلة ان كانت بالتأكيد بنفس هذا المستوى الفني الذي يحتاج التقويم بالتأكيد ، كل الاحترام لقلمك المبدع ايها القاص الشاب القادم في سماء الادب البصري خلدون السراي.























