
قصة قصيرة
ذاكرة حرب – حسين سليم
في حقل الذرة المجاور لارضنا ، اصطدم شيئا جسم ضخم في الارض حيث كان ذلك أشبه بفلم كارتوني يعرض على شاشة تلفاز حين شاهدت عرنوص الذرة يطير محلقا في السماء يبعث من مؤخرته خيطا رفيعا من الدخان الاسود ، افزعنا ذلك الصوت وهربت اغنامنا خلف قائدها المرياع حتى أنني سمعت رنين جرسه يتباعد في أطراف الحقل والقطيع يتبعه اثناء هروبه تحت طاعة عمياء .
صرخ أخي الصغير وقد اختلج صوته رعبا….. انظر إلى ذلك العرنوص أنه يطير عاليا ياترى من أين أتى ؟ ومن حرق مؤخرته هكذا ؟ فلم يحن وقت اقتطاف الذرة ؟ تسارعت أقدامي تجتاز بعناء حاجز الخوف الذي أوهن صعودي تلك التلة الصغيرة التي تكونت نتيجة التراب المتناثر من باطن الارض حافي القدمين ، أتعثر بثوبي الممزق بين سيقان الذرة الخضر، لأشاهد جسما غريبا آخر يطير بأنتظام وبخط مستقيم مخترقا كتل الغيوم المتناثرة في السماء ثم اقترب وهبط بشكل مفاجئ وسقط في حقل آخر ولكن لمسافة بعيدة ، لم يكن عرنوص ذرة رغم التشابة الكبير بينهما في الشكل إلا أنه كان مختلفا وكبير الحجم وأما أخي فراح يبحث عن اغنامه التائهة في الزرع الكثيف إلا أنها تابعت المرياع هاربة لا لأنه مازال قائدها في تلك اللحظة ولكنها تعودت ومنذ زمن بعيد على أن تحترم وتطيع رنين الجرس المعلق في رقبته وبعد لحظات من ذلك المشهد ، وجدت نفسي بين جمع من الناس من شيوخ ، نساء ، شباب ، اطفال وهم يشاهدون سقوط الكتلة المشتعلة والتي أحدثت فجا عميقا في باطن الارض مندهشين بها يستنشقون رائحة دخانها المحترق في مؤخرتها . ناديت أخي فأجابني من باطن الهوة العميقة وقد بدا صغير الحجم كالنملة في قعرها تاركا اغنامه وهو يجمع بقايا قطع صغيرة من الحديد المتشظي، يتسلق كتل الطين المفخورة بلهيب النار وكأنها أحجار من مدن أثرية مندثرة ومتأكلة ظهرت بعد آلاف السنين ومئات منها ملأت حقول الذرة ورغم هطول الأمطار الغزيرة في ما بعد إلا أنها بقيت صلبة كالصخور النارية التي تقذفها البراكين وكانت مختلفة الأحجام ، الكبيرة منها لم نستطع زحزحتها وبقيت راسخة مصممة في مكانها لتحمل على عاتقها ذكرى الحرب . لقد كنت في ذلك الحين صغيرا أحمل دفترا وقلما وأجلس بين عيدان الذرة أقرأ الدرس بهدوء فلم يسبق لي أني شاهدت كيف تحترق الأشياء وتنطلق شرارتها ولم أشاهد من قبل كيف تتحدث الناس عن مصيرها بين رحا الأقدار لتسحقه كما تسحق الطواحين الذرة وكيف ترتعب الطيور في السماء وكيف أن المواشي تقطع حبالها وتهرب بعيدا وتختفي كلاب الحراسة من أمام البيوت متخلفة عن واجبها المعتاد . أنا ولدت مع ولادة حرب الثمانين الطاحنة وعشت حرب الخليج المدمرة ولم إشترك فيهما كعضو بارز في الحزب الحاكم لانني كنت طفلا ، تذوقت طعم الجوع ومرارة الحصار عندما اوصى والدي بخزن حبوب الذرة لطحنها وتوزيعها عندما يفقد الفقراء خبزهم ففي تلك الايام العصيبة
لم تذق حقول الذرة والشعير سوى مياه الامطار في ظل الحرب وقبل الاقتطاف انحنت السنابل حزنا على أبي الذي نثر حبها قبل رحيله في
الأيام الأولى وقامت والدتي بتوزيع المحصول على فقراء القرية تلبية لوصيته.
فتحت النافذة تبعث صراخا من الداخل كانت أمي تنادي ، تصرخ بنا .. ادخلوا البيت هنالك العديد من الصواريخ أطلقت بدفعة واحدة لقد شاهدتها في التلفاز متجهة نحونا في نشرة الاخبار. كان رجلا صاحب شوارب كثة سوداء يخطب يحشم ابطال الثمانين تحت التراب ويستذكر قادة أبطال اعدموا في لحظة غضب خائنون ، شهداء ، قتلى، أسرى، مفقودون …
..أن النصر حليفنا أيها الأبطال مع بندقية أثرية اشتركت في ثورة العشرين وخمسة اطلاقات كان يعرض بهن فلما سينمائيا مخيفا فاجهشت أمي بالبكاء على مصير أحد اخوتي لربما يلتحق بركاب أبي أنها معركة صواريخ تعبر المحيط بخمس دقائق وتحسم المعركة وبعد خمس دقائق من القصف العشوائي نطق ذلك الرجل ساخرا… حفنة من تراب الوطن تخلخل الصارويخ وتلوذ هاربة قبل سقوطها . لم تكن الا كلمات خالية المعنى ، قالها وعاد الى جحره الذي هيأه منذ سنين .يختبئ به كما يختبىء الجرذان من عصف الصواريخ ، ففي ذلك اليوم كان الجو باردا يجمد الوجوه يترك تشققات فوق ملامحنا بين فترة واخرى ، جالسين أنا وأخي الصغير نحتضن بعضنا أمام التلفاز أنظر إليه بأشفاق فهو آخر العنقود من سلالة أبي وتذكرت في تلك اللحظة العصيبة وذات يوم عندما كنا عائدين من المدرسة اظلمت السماء ولم ندرك قساوة بريق الرعد حينها ورتعدت اجسادنا خوفا وهلعا واضللنا طريق عودتنا ولكن الغيوم كانت رحيمة لقد اسعفتنا مؤخرا وبكت لحالنا كثيرا وابعدت البرق فأزاح وجهه اللامع إلى الجانب الآخر من الارض . كان الطريق إلى المدرسة يخلو خلفنا بعد العودة ويطوي حوافه الممتدة مع ضفاف نهر السيد الطويل وعشب ندي تطرقه أقدامنا كل صباح. طريقا ضيقا ليس للمارة وانما تسلكه الحيوانات ليلا وهي تطارد فرائسها أما نحن فنسلكه مع شروق الشمس وتفتت الضباب على بعد فرسخ واحد متمسكا بيد أخي الصغير كونه في السنة الأولى للدراسة حتى نبلغ سياج المدرسة الطيني من جهة الخلف كانت الجدران مرصعة بالذكريات وخطت بأقلام رصاص دببت رؤوسها في الماضي السحيق يبدو ان من كتبها طوت صفحة ذاكرته حرب الثمانين . كانت واحدة منها خطت بوضوح في أعلى السقف ….( إلى من يسأل عني، يقرأ الذكرى فهي باقية لاتزول ) لم يمضي شهر واحد على هذه اللحظات وأغلقت المدرسة أبوابها بسبب الصواريخ. مازلنا جالسين نراقب المشهد أما أخي الكبير كان يقلب التلفاز يبحث عن زعيم الحرب لعله يدلي بشيئا تسر له القلوب وكان القلق يبدوا ظاهرا على ملامحه وتجاعيد وجهه الكئيب ، استاءت والدتي من تصرفه وقالت….ماذا فهمت عن الحرب؟ هل سيطول عمرها أكثر من ثماني سنوات؟ اجابها والبندقية في كتفه…. لاأعلم ولكن الزعيم يتحدث برفق يشفق على الشعوب المسحوقة كما يزعم. أنها أكاذيب ومصيدة احاكوا خيوطها منذ سنين والآن جاء دورها لتصطاد الجميع ، أن الحرب تبحث عن الفقراء في كل رقعة من الارض أنها تبحث عن وقودها ، تبحث عن من يوقظها. أن الحرب لعبة الزعماء والشعوب العمياء تطيعهم سواء كانت الحرب خاسرة أم رابحة فإن الطاعة حسب اعتقادهم شيئا مقدسا .خرجنا إلى فناء المنزل نترقب السماء التي احمرت وجنتيها بشفق الغروب ورقود الشمس خلف التلال وهبوط الطيور على سعف النخيل لتقضي ليلها بعيون متيقظة على وميض الصواريخ القادمة بأتجاهنا عابرة المدى حتى سقطت في القاعدة الجوية القريبة من مزرعتنا واخترق صفير الشظايا اسماعنا دون أن نراها وفي هذه اللحظات أفترقت عن أخي الصغير ولم يعد ذلك المنزل الكبير يتسع خوفنا فكادت تلك الهزة الأرضية تقلع أبوابه وتركنه إلى الجحيم . بعد لحظات من الترقب ، جاء أخي الأكبر مسرعا يحمل بندقية غير محشوة بالعتاد سلمها له أحد الرفاق وهو يقول…..اهربوا انها صواريخ كروز فأحترقت الشاشة وأختفى ذلك الرجل ولم نعد نرى شيئا سوى أشباح الحرب تحوم حولنا….























