
حكايات من ديالى
رئيس الوزراء عبد الرحمن البزّاز يحضر عرضاً مسرحياً – سالم الزيدي
تميز مسرحنا الديالي عبر مسيرته وتاريخه بطرح موضوعات ذات منظور إنساني وبمسؤولية وطنية وعطاءات فنية بشكلٍ جماعيٍ وبوعي، واقترب كثيرًا من النَّاس، مِمَّا جعل المتلقي أكثر تفكيرًا وتحملًا للمسؤولية، وتكريس مجمل العطاء المسرحي في مدار البحث عن الرأي الحر ومصدرًا للتغيير والتنمية، وجسّد لاستنباط قضايا كثيرة جدًا، وجعل الجمالية شكلًا بارزًا في جميع الأعمال التي قدمت عبر تاريخه، وأثار قضايا فكرية ومجتمعية حملت قيمًا، وانتمى المسرح الديالي إِلى النهج الوطني، والقومي، والإنساني عبر عروضه وبشفافية كانت تهدف إِلى خدمة الإنسان عن طريق الحوار والتحول الاجتماعي السلمي، وعمل المسرحيون الدياليون على الالتزام برؤى فكرية متطورة ومتجددة تواكب حركة التطور المسرحي في العالم.وواجهت بعض العروض التي كانت تحمل أفكارًا ومواقف (الصراع بين الخير والشر) و(فضح قوى الظلم والاستغلال والتخلف والأمية)، مِمَّا جعل الأجهزة الأمنية الحكومية باتخاذ مواقف متشنجة وبخوفٍ وحذرٍ من تلك الأعمال التي تهدف للفكر التقدمي، وتجسيد روح التعاون، والتزمت تلك العروض بمنهجية (مضمونًا وشكلًا) واحتلت مساحات في عددٍ من العروض والمشاهدين من أبناء ديالى، مِمَّا دفع السلطة باتخاذ مواقف ضد تلك العروض، وصدرت قرارات المنع والرفض وملاحقة بعض الممثلين والجهات التي كانت وراء تلك العروض، حتّى وصلت ذات مرة أَنَّ قوات الأمن اقتحمت إحدى القاعات في أثناء العرض المسرحي واعتقلت ممثلين واقتادوهم إِلى دائرة الأمن، والعرض ظل مستمرًا، ومن تلك الحكايات ما يأتي:
الحكاية الأولى
في آذار 1954 قدمت مسرحية (سقوط غرناطة) تأليف فوزي معيوف وإخراج حسين ناصر والمرحوم عبدالخالق جودت، وعرضت على مسرح مدرسة الوثبة الابتدائية في بعقوبة، وحضرها جمهور غفير من المواطنين، وكان ضمن حوار المسرحية ما يأتي: (إِنَّ الملوك فانون، أَمّا المبادئ فباقية لا تفنى)، مِمَّا جعل الجمهور يتفاعل ويصفق يوميًا عندما تذكر هذه العبارة من الممثل، ويهتفون ضد السلطة، ويرددون العبارة أعلاه، مِمَّا دفع الجهات الأمنية الى منع عرض المسرحية، وفصل الطالبين (عبدالخالق جودت وحسين ناصر) من ثانوية بعقوبة لمدة أسبوع، وانعكس ذلك على أبناء المدينة، فحاول بعض الجنود من الفرقة الثَّالثة في معسكر سعد التظاهر والمطالبة بإلغاء قرار الفصل وإعادة عرض المسرحية، وتدخل قائد الفرقة الثالثة الزعيم الركن نجيب الربيعي شخصيًاوطلب من مديرية معارف ديالى إلغاء الفصل ومنع العرض.
الحكاية الثَّانية
في كانون الأَوّل 1966 قدمت فرقة المعارف التمثيلية مسرحية (أيام زمان) إعداد وتعليق المرحوم عبدالخالق جودت عن مسرحية (المفتش العام) للكاتب الروسي غوغول وإخراج الفنان ثامر الزيدي على مسرح نادي الموظفين في بعقوبة وبحضور رئيس الوزراء المرحوم الدكتور عبدالرحمن البزاز، وموضوع المسرحية دار بشأَن قيام أحد الموظفين من بغداد بتفتيش الدوائر ومعرفة سير عملهم والمشكلات التي تواجههم، وهي المهمة نفسها التي جاء بها رئيس الوزراء لزيارة لواء ديالى، ومعرفة واقع المدينة الاجتماعي، والاقتصادي، والأمني، والثقافي، وكان رئيس الوزراء سعيدًا جدًا، وثمن العمل، وأُعجب بالطاقات التي شاركت بالمسرحية، وأمر بإصدار كتاب شكر لهم، وفي اليوم الثاني عقد البزاز اجتماعًا موسعًا في القاعة نفسها وبحضور المتصرف ورؤساء الدوائر والشيوخ والوجهاء، وتحدث عن أهداف زيارته، وأراد أَنْ يسمع من الحاضرين احتياجاتهم، ومشكلاتهم، ومطالباتهم من الحكومة المركزية، وبدأ المتحدثون يتكلمون عن أمور وقضايا ومشكلات واحتياجات شخصية ليس لها علاقة بحاجة النَّاس ومهمة رئيس الوزراء، وبعد أَنْ انتهى الحضور من الحديث بدأَ البزاز بالتحدث بحزن وبألم وبشكل غير مقنع عن كُلّ ما تحدثوا به وردّ عليهم ما يأتي: (لقد رأيت الحقيقة بالأمس من الذين كانوا يمثلون على هذه الخشبة وهم المرآة العاكسة ويحملون الحقيقة بواقع لوائكم، وحال دوائركم، ومعاناة النَّاس، لم أسمع من أحدكم يقول إِنَّ المتصرف لا بمستوى المسؤولية، ولا ينفذ مطالب النَّاس، وإِنَّ القرى تحتاج إِلى تبليط الطرق، ومد شبكات المياه والكهرباء، وبناء مستوصفات، أو مدارس، أو أَنَّ الشرطة تعتقل بعض المواطنين الأبرياء. أعزائي كلما تحدثتم به هي أمور شخصية بعيدة كُلّ البُعد عن واقع المدينة، شكرًا لكم).وبعد انتهاء رئيس الوزراء من حديثه بدأَ الهجوم على المشاركين في المسرحية بكلماتٍ وتهديدٍ بالعقوبة، وعندما حان موعد تناول الغذاء طلب البزاز حضور المشاركين في المسرحية ليكونوا بالقرب منهُ وعلى المائدة نفسها، وبعد مغادرته بعقوبة وفي اليوم الثَّالث أَصدر المتصرف كتابًا إِلى دائرة معارف ديالى بتشكيل لجنة تحقيقية مع المشاركين بالمسرحية كاتبًا ومنهم المؤلف والمخرج وكيف قدمت ولماذا لم تشاهد قبل العرض… إِلَّا أَنَّ تدخلات من بعض وجهاء المدينة بالاتصال بالمتصرف وأقنعوه بإلغاء ما طلب.
الحكاية الثَّالثة
قدمت في شهر آيار 1977 قدمت مسرحية (الإجازة) للكتاب الراحل محيي الدِّين زنكنه وإخراج سالم الزيدي وتقديم فرقتي مسرح ديالى وبعقوبة، إذ عرضت على مسرح قاعة التربيّة، وكانت المسرحية خطوة جريئة تحمل خطابًا ونهجًا وطنيًا تقدميًا وتتبنى قضية النضال ضد قوى الاستغلال، والظلم، والاستبداد، والدفاع عن الطبقة العاملة، والدعوة إِلى الوحدة الوطنية، وترسيخ التقاليد في النضال، والعمل على مواجهة قوى التخلف والجهل، كما تضافرت في المسرحية جهودًا استثنائية، وعُدّت مسرحية (الإجازة) من الأعمال التي يفتخر بها مسرحنا العراقيّ، إذ كانَ لها صدًى في الأوساط الثقافية في العاصمة بغداد والمحافظات، وقد حضرت وفود لمشاهدتها من بغداد، وبابل، وكربلاء، والسليمانية، والبصرة، فضلًا عن جمهورٍ من أبناء بعقوبة، واستمر العرض أكثر من خمسة عشر يومًا، وتعدّ تلك التظاهرة الثقافية التقدمية، مِمَّا دفع قوى الأمن والشرطة إِلى اقتحام قاعة التربيّة في أثناء عرض المسرحية، وكان هناك وفدان قد حاضرا من بغداد والسليمانية.وتبدأ الحكاية: كنت أنا والراحل محيي الدِّين زنكنه متوجهان إِلى القاعة وشاهدنا حالة غريبة جدًا بوجود قوات من الشرطة والأمن تطوق القاعة واستغربنا من ذلك الإجراء، ولم ندري ما أسباب ذلك الإجراء، وفي أثناء العرض كنت أنا واقفًا على المسرح عند الباب الخلفية فمسكني أحد رجال الشرطة واقتحم الآخر خشبة المسرح واقتاد أحد الممثلين الذي كانَ يؤدي دور (العامل) إِلى خارج المسرح، واستفسرتُ منهم: عن أسباب ذلك؟ ردني الضابط هذا لا يعنيك خذوهم إِلى الأمن، صرخت بوجهه: لا يجوز ذلك العرض مستمر، وهناك وفود من بغداد والمحافظات، وهذا عمل غير أخلاقي، ردّ الضابط بعصبية: خذوهم، وبعد عنادٍ ورفضٍ قادونا إِلى دائرة أَمن شرق بعقوبة، وبدأ التحقيق معنا، وعندما دخلنا إِلى مدير الأمن طرح علينا سؤالًا: من هو محيي الدِّين زنكنه منكم؟ قلت لَهُ: لا أحد أنا المخرج سالم الزيدي، وهذا عبدالرزاق محمود ممثلًا، صرخ الضابط على رجل الأمن الذي أدخلنا إليه وبدأ يتكلم بكلمات نابية، وقال لَهُ: كيف جلبتهم؟ قالوا لنا: إِنَّ محيي الدِّين زنكنه يرتدي قميصًا أحمر، وأنتم طلبتم منا اعتقال الشخص الذي يرتدي ذلك اللون من القمصان، وفي أثناء التحقيق حضر نقيب الفنانين إِلى دائرة الأمن موسى الخالصي الذي طلب من الأمن إطلاق سراحنا، وعــــــــدنا إِلى القاعة، إذ كانت المسرحية إِلى وشك النهاية، وأصدرنا في اليوم الثاني بيانًا شديد اللـــــــهجة استنكرنا فيه ما قامت به قوات الأمن والشرطة بمداهمة القاعة واعتقال الممثلين، الذي أسيء به إِلى الثقافة والفن، وطلبنا بإجراء تحقيق ومعاقبة الفاعلين.
الحكاية الرابعة
في مسرحية (البيت الجديد) تأليف نور الدِّين فارس إخراج الفنان صباح الأنباري التي قدمتها فرقة مسرح بعقوبة للتمثيل عام 1975 قامت دائرة أَمن ديالى باستدعاء الفنان الراحل عامر مطر الذي كانَ أحد الممثلين في المسرحية للتحقيق حول أسباب (رفعه حقيبة حمراء اللون) وماذا يقصد بها، وطلبوا منهُ تغيير لون الحقيبة الحمراء بلون آخر.ومن جانب آخر استدعي الدكتور إبراهيم نعمة إِلى مديرية أَمن ديالى عام 1986 عندما قدّم مسرحية (التحفة) من إعداده وإخراجه وقدمتها فرقة الخنساء للتمثيل، إذ كانت المسرحية تعالج قضايا الفساد الإداري والمالي في دوائر الدولة.
الحكاية الخامسة
كما تعرضت بعض الأعمال المسرحية إِلى الرفض من لجان كانت تُشكل لمشاهدة العروض المسرحية قبل عرضها للجمهور، ومنها مسرحية (قضية ظل الحمار) إعداد وإخراج صباح الأنباري وتقديم فرقة مسرح بعقوبة، إذ رفضت اللجنة المسؤولة لمشاهدة عرض المسرحية عام 1995 وعلى الصعيد ذاته رفضت مسرحية (الدمية) تأليف الراحل وفاء عبدالوهاب وإخراج سالم الزيدي وتقديم فرقة مسرح ديالى.
وكانت ملاحظات اللجان على المسرحيتين (أَنَّهما تحملان أفكارًا هدامة وتؤثر في الوضع الأمني والمجتمعي في البلاد)، ورفضت السلطات الأمنية في جلولاء مسرحية (القاعدة والاستثناء) عام 1972? إذ قام بإخراجها الدكتور فيصل المقدادي وعُوقب بنقله خارج المحافظة.
أخيرًا يبقى مسرح ديالى دائم العطاء وذو قيمًا فكرية مؤثرة في الواقع المجتمعي، لأَنَّهُ يمتلك خبرات عملية وعلمية ومتميزة ومتجددة ومتنورة تعمل بإخلاص لبناء مسرح يعبر ويعكس الواقع المجتمعي.
وسيبقى مسرح ديالى حكاية لا تنتهي تحمل المعاناة والرغبة للمواصلة تعتمد على القدرات الذاتية على الرغم من عدم وجود دعم من مؤسسات حكومية (التشريعية والتنفيذية)، إذ يفتقد المسرح الآن وضوح الرؤية للمسؤولين تجاه المسرح…
ولنا حكايات وحكايات تبقى ونبقى نحمل عشق الحياة والجمال.























