نظرية الحب عند العرب

نظرية الحب عند العرب

المصنفات ترسم قصصاً للعشق

عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري

قرأت ( أن لمفردة العشق في نظرية الحب عند العرب عدة مفردات منها الحب والهوى والغرام وللعشق في العربية ستون أسما قال عنه الأمام أبن قيم الجوزية أن هذا التشرنق يعود الى صعوبة فهم هذا النوع من جنس المحبة وقوته وخطره على القلب والروح ) ( روضة المحبين ونزهة المشتاقين – أبن قيم الجوزية – ص 19 ).

ومن لوازم هذه النظرية وتعدد أسماء العشق يرى العربي أنها تقوده الى الوحشة وترتبط بالحزن والألم وتنتهي بالمحبين الى الجنون او الموت أو الأنتحار).

يقابل هذا الحزن والألم والعذاب العربي فرح عالمي بالحب يحتفل به العالم في 14 شباط من كل عام , كما فعل العراقيون ذلك هذا العام ..

ويعود هذا الأحتفال الى القرن الرابع عشر الميلادي حيث عرف بهذا الاسم نسبة الى القديس الروماني ( فالنتين ) حيث ترى الأقبال واسعا وكثيرا في ذلك اليوم على سوق الورد ( الاحمر) .

موسم العشق

الذي يقدمه العشاق , في موسم العشق كبطاقة محبة ووفاء , الا أن هدايا هذا اليوم كما رأيت , لم تقتصر على الورد الأحمر فقط بل شملت الحيوانات واللعب ذات اللون الأحمر أيضا , وهذا ما تطبع عليه الأوربيون من عادات وتقاليد لتبعدهم عن ألم الحب وحزنه وغمه.

وقرأت ( أن كل قصة عشق عربية تليق أن يكون لها احتفال حزن سنوي , فمأساة ضحاياه المفعمة بالشيمة والوفاء عالقة برمال الصحراء , بالرغم من تحولها الى حواضر . وتسقي دموع العاشقين مجالس المسامرة والمذاكرة بسرد الملاحم التي طالما أسفرت عن شعر جزيل يسلي القلوب ) .

لقد توسعت نظرية العشق وفلسفته عند العرب قبل عام 218 هجرية حيث تناول العشق في هذه النظرية أكثر من فقيه وكاتب كأبن حزم الظاهري في ( طوق الحمامة ) وجعفر بن محمد القاري في ( مصارع العشاق ) وأبن الجوزي في ( ذم الهوى ) وابن قيم الجوزية في ( روضة المحبين ونزهة المشتاقين ) وعلاء الدين المغلطاني مدرس الحديث النبوي في المدرسة الظاهرية بالقاهرة في ( الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبين ) وداود الأنطاكي في ( تزيين الأسواق في أخبار العشاق ) مختصر ( أسواق العشاق ) ( الزركلي – الاعلام – جزء 3- ص9 ) وغيرهم حتى استشهد أحدهم ببيت من الشعر يقول فيه :          اذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى

   فقـم واعتلـف تبنا فأنـت حمـار

وبخلاف هذا البيت ينصح أبن الجوزي الى الألتفات الى الآخرة , وذكر ما أنشده ذو النون المتصوف لغلامه عندما أطال النظر الى أمرأة حسناء. ( ذم الهوى – أبن الجوزي – ص 85)

بقوله له :

دع المصوغات من ماء وطين

واشغل هواك بحور خرد عيـن

وقرأت ( أن أخوان الصفا بعد أن استعرضوا آراء الفلاسفة والمفكرين قالوا : العشق أفراط المحبة وشدة الميل الى نوع من الموجودات دون سائر الأنواع , والى شخص دون سائر الأشخاص وأنه مرض نفساني واستشهدوا بقول العاشق عروة بن حزام وهو يعرض حاله على الأطباء ( الرسائل – الرسالة السابعة والثلاثون – أخوان الصفا –ص 269 )

بذلت لعراف اليمامة حكـمه             وعراف نجـد أنهما شفياني

فما تركا من سلوة يعرفانـها             ولا رقـية الا لها رقيـاني

فقالا شـفاك الله والله مالنا             بما ضمنت منك الضلوع يدان

وقيل أن هناك عدد من الاحاديث اختلف بصحتها عدد من الفقهاء , عدت قتيل العشق شهيدا منها ( من عشق وكتم وصبر غفر الله له وأدخله الجنة ) و ( من عشق فعف فمات فهو شهيد ) ( طوق الحمامة – أبن حزم – ص 257  ) وقد أيد بعض الفقهاء هذه ولكن بشروط وسكت وكذبها آخرون .

وقد تناول هذه النظرية عدد كبير من الباحثين كأبن الجوزي . وابن قيم الجوزية , وابن تيميه . وأبن حزم الظاهري , والشيخ بديع الدين السندي , وأخوان الصفا , وابن الأثير , وابن الرومي , في قصص وملاحم العشق العربية التي انتهت الى مصائر مأساوية

وقرأت ( أن أشهر ملامح العشق عند العرب هي ملحمة مجنون بني عامر ( من وفيات 65 – 68 هـ ) وهي ملحمة قيس وليلى العامرية أبنة عمه التي وردت في كتاب الاغاني لأبي فرج الاصفهاني تحت عنوان (مجنون بني عامر ونسبه ) ألا أنه لم يصل في سنده الى عصر المجنون , ويذكر الجاحظ أسم آخر وهو أحد المجانين ( مهدي بن الملوح الجعدي ) ويذكر أيضا مجنون بني عامر وهو قيس بن معاذ , ومهدي أسم غير معروف , أو يكاد يكون معدوما , ثم يستدل على صحة أسم ( قيس ) ببيت لصاحبته ليلى على حد عبارته: ألا ليت شعري والخطوب كثيرة      متى رحل قيس مستقل فراجع        وقيل أن ( المجنون اسم مستعار لا حقيقة له وليس له في بني عامر أصل ولا نسب ( الأغاني – لأبي الفرج الاصفهاني – ص 2 ) من هنا تبدو أن قصة ( قيس ) حماة لكل آلام العشق في التاريخ حتى غدت أحدى الملاحم الأسطورية الشعرية التاريخية وغدا ينسب كل شعر فيه ذكر لليلى الى مجنون (طبقات الشعراء – أبن المعتز – ص .(89

ومثل هذا نقل الأصفهاني عن الجاحظ قوله ( ما ترك الناس شعرا مجهول القائل في ليلى ألا نسبوه الى المجنون , ولا شعرا هذا سبيله قيل في ( لبنى ) نسبوه الى قيس بن ذريح ) ( الأغاني – لأبي فرج الأصفهاني – ص  .(2   ومن خلال هذه الأقوال وغيرها من أقوال الفقهاء والعلماء والكتاب والشعراء تبدو قصة ( قيس وليلى ) عالمية , أذا ما علمنا أن لكل شعب من الشعوب قيسه وليلاه , وملحمته الشعبية في العشق كروميو وجوليت مثلا .

لقد امتدت جذور ليلى الأسطورية في أساطير بلاد الرافدين , وقد بدت كما قرأت , أن القصة نفسها لا تشجع على اعتبارها واقعية حصلت بنجد بين قيس وليلى , أذ كان العراق وطن ليلى , كما أشار الى ذلك شعر قيس , وأن قيس كان نجدي الموطن , أذ ينسب لقيس بن الملوح قوله ( ديوان مجنون ليلى – فراح – ص 107 )

شفى الله مرضى بالعراق فأنني        على كل مرضى بالعراق شفيق

 فأن تك ليلى بالعراق مريـضة         فأني في بحر الحتوف غريـق

( لقد انتشر اسم ليلى ) في الشعر العربي , وبدت سماء العراق مسرحا لعشق الآلهة , ثم نزولها على الأرض لتخلق ليلى المشهورة بين ملاحم العشق العربي , كما نجد ذلك في كتب الصابئة المندائيين , وهم من أهل العراق , مثل ( الكنزاربا ) و ( دراشة أديهيا ) اذ جاء في (دراشة أديهيا ) اذهب الى ( الليلياته وعشترات ) ومن معهما الذين اختبأوا في الجداول والساحات المغطاة بالقار ( دراشه اديهيا .. (أحاديث يحيى بن زكريا – ص .(195  لغة كردية

وقيل أن هناك عفريته سومرية تدعى(ليليتو ) باللغة الأكدية في لوح طيني سومري من أور يرقى الى 2000 سنة قبل المسيح , يروي حكاية كلكامش وشجرة الصفصاف . ولعل في هذه الحكايات الأسطورية ندرك اسطورة العشق ونظرية الحب عند العرب , فعلى الرغم من وجود عشاق ماتوا شوقا وصبابة , كانت آخرتهم الأنتحار أو الجنون أو أصابتهم بالأكتئاب المزمن . (أحكام العشق – رشيد خيون – ص (230 يد أن تراجيديا تلك القصص لم تكن بريئة من الأسطرة , أذ تحولت فيها ( ليليثا ) التي وردت في (الكنزاربا ) المندائية الى ليلى العاشقة التي يضرب بها المثل , رغم حضور ليلى منذ القدم قي العراق , ألا أن الشيخ علي الشرقي لا يجدها بقدر ما يعثر بعشاقها المجانين , ولا يقصد سوى أهل السياسة قال : ( أحكام العشق – المصدر السابق – ص 231 )

أنني قد غدوت أنعم في الشك

        لأني منغـص باليقيـن

لم أجد في العراق ليلى ولكن          كل آن أمر في مجنـون

بعد كل ما تقدم من طرق الفقهاء وأرباب المذاهب للعشق ومباحاته , هل كان نزار قباني وغيره متجنيا على الآخرين وفق نظرية الحب عند العرب ؟ وهل كان المعتدون على جنازته أكثر تدينا وأطول باعا في الفقه من أبن حزم وأبن قيم الجوزية ؟ ( نفس المصدر – ص .(232