
حديقة الأرامل لضياء الجبيلي
المقصوص والمنصوص وتأصيل فكرة الغرابة
محمد يونس
تأصيل فكرة الغرابة
قدم ضياء الجبيلي امثولة قصصية غير نمطية في مجموعته – حديقة الارامل – فهي تختلق الحكاية من رحم الحكاية المالوفة، ولا تحتاج هنا الى تبرير، فهي تحافظ الى حد ما على عنصر الزمن، بالرغم من إنها تكسر التسلسل الزمني، لكن ذلك سياقيا لصالح بنية النص القصصي، و تحقيق هدفية السعي لبلوغ البنية النصية العميقة، فيكون النص هناك معبرا عن نفسه بما يكتب من خلال المؤلف، وطبيعي للمعمق في البنية ميزاته التي ابعد من ميزات البنية الظاهرية للنص القصصي، ولتلك البنية من الميزات التي قد لايملكها حتى المؤلف نفسه، الا اذا استجاب خياله الأدبي لها، وسعى لضمان أن يكون فيها فنانا وليس ذاتا كما في واقعه الأجتماعي، فيكون مع ما يسعى اليه المعنى الأدبي في النص القصصي، وايضا يكون اداة طوعية له، وقد برع ضياء الجبيلي في مواكبة طاقة النص وتوظيف قدراته لصالحها .
حركة فاعلة
اتسمت قصص ضياء الجبيلي في مجموعته – حديقة الأرامل – بالحركية الديناميكية الفاعلة، وما من قصة الا اكتسبت بتلك الميزة واتسمت بها، وهذا يعني إنها كانت مواكبة الفن القصصي فيها لافاق ما بعد الحداثة، والتي لاتقف حائلا امام الميتافيزيقيا كما كانت الحداثة بأغلب مستوياتها، هي تحمل هذا التوصيف، وقد اضفت تلك الديناميكية على القصص تميزا اعتباريا من جهة، ومن اخرى دخول القصص في مدار الأبداع النوعي .
لقد بدت سمة تأصيل الغرابة ملمحا نصيا في اغلب قصص المجموعة، وبصياغة ليس ارسطية تقنيا، بل هي تأخذنا الى عوالم شيقة، فمن جهة الحس القهري تقترب بنا من وازع القهر الادبي في قصص ادغار الان بو، ومن جهة اخرى تواكب القص في نمط الواقعية السحرية، وحتى عوالم بيئة النص تكون بذات السمة الأستدلالية، حيث عوالم بيئتها اصيلة من جهة، تشم فيها عبق البصرة وتشعر بعلق قهرها الأنساني، ومن جهة اخرى تجد تلك البيئة اكتسبت ملامح مضافة، فبدت بإيقاع اكثر حدة وابعد شجنا، ومن القصص الماهرة التي يتداخل فيها الأدبي بالأجتماعين وتبرز فيها تلك البيئة المضافة للواقعية السحرية قصة – حديقة الأرامل –? فهي تتمثل بمقومات صراع تاريخي طويل بين قيم اجتماعية سعى الأدب لجذبها، وبين قيم ادبية تسعى لتمثيل ذاتي لنفسها، واكن هناك ارضية للصراع قد مثلتها – الحديقة – وهناك قطبا صراع، الاول منهما كان لفظيا من جهة التقول، وهو الأم، والتي هي من جهة الفعل الأجتماعي بسطوة وارادة هي توليتارية الصفة، فلا تحقق الطموح عند القطب المقابل، بل تبلغ به من القهر حد الأستعباد الذي تتيحه له الاعراف، وقد نجح التوظيف النصي في كيان القصة، فاخرجها من أن تتسم ببعد الصراع النمطي، وهناك قصة اخاذة وبارعة وهي قصة – صبي الزمن – والتي تأججت فيها عاطفة النص لتطور القصة وتمنحها نفسا مختلفا، وكما إن عنصر الجرأة الأدبية قد استفاد المؤلف من يقاعه، فقدم انموذج قصته، لكن رغم السعي من الشخصية المحورية الى الانجذاب الى الهدف الجنسي البشاذ، كان جو القصة ليس ايروكيا، بل ابرز نمطا من الحرمان لا زال سائدا، وكان هناك مستويات ثلاث في القصة، الاول منها المستوى العرفي- والثاني كان المستوى النفسي – واما الثالث فكان مستوى الوعي الصادم، و نحتاج كما اعتقد الى هكذا نمط شجاع من القص وبارع في التعبير عن فكرته .
المقصوص والمنصوص
تميزت قصص – حديقة الأرامل – بتقابل بين معنى عام في الجنس القصصي، وهو الذي تكون فيه المادة الأدبية مقصوصة، اي تحمل معنى ادبيا معهودا وركنا اساسا فيها، وبين معنى خاص هو أن تكون المادة الأدبية تحيلنا الى ما هو منصوص، وبذلك تمتاز بالخاص عن العام، كونه اعمق معنى واوسع ومتعدد دلاليا .
امتازت اغلب القصص بالوعي المتمكن من تخلييق ما نسميه – الحكائية – اي توليد حكاية مختلفة من حكاية مؤهلة قصصيا، وسعى وعي ضياء الجبيلي غير التقليدي الى المعالجة ما بعد الموضوعية، اي مكن للنص الا يكون ارسطيا من جهته المنصوص، ولا يهم إن كان ذلك من جهة المقصوص، حيث لا تؤثر الجهة الأولى سياقيا على الجهة التالية، بل العكس جهة الفن والتخلييق والمبادرة الأستثنائية، جهة بحساسية عالية، وبعدها الأستاطيقي يكون باستجابة نوعية لهان ليكتسب قيم جمالية مضافة، بعدما يكون هناك انتاج حكاية نشطة بحركتية زمنها من الحكاية الجامدة، وهنا طبعا يتغير مسار القص، الى ما يجعله مقابلا موضوعيا لمسار النص ومتمثلا له .
مسار معهود
هناك واقع ابتدائي بدت منه القصص، بمسار هو معهود في التدرج الحكائي، وهذا الواقع هو بوحدة زمنية تتفق معها مقومات الحياة اجمالا، وطبيعي هنا النص عبر وحدة السببية يكون تام المنطق، ولا تجد من يتعارض معه، فالنص ان عبر تلك الوحدة مثال من امثلة الواقع اليومي، والذي نعيش بزمنه دون اي خلخلة، وهنا يكون استدراج القارىء عاما، اي اللحظة الأبتدائية للقصة، هي وحدة جدذب للقارىء العادي، مثلما هي تكون جاذبة ومؤثرة في القارى الخاص، والذي سيكون منتجا بالتالي لقارئ هيرمنطيقيا، قد يكون بعدي وليس يقابل النص في البدء، ونمط هذا الواقع أنه مألوف ويومي، ثمة واقع مستحدث من هذا الواقع، هو الذي تتغير فيه التفاصيل، ويكسر تسلسل الزمن، وهذا الواقع نسميه – المعالجة النصية للحكاية، وهو واقع متعدد الدلالات ومتنوعها ايضا، وهو يمثل الميزة الأبداعية للمؤلف، وقد برع ضياء الجبيلي بمستوى متقدم، وقد انموذج واقعه المتخيل، والذي يستمد حقيقته من الواقع الأبتدائي، ولا اعتقد هناك قص من مجموعة – حديقة الأرامل – هي خارج هذا التوصيف، فقصة – عمر الورد – الاولى في المجموعة من عتبة النص تشير الينا بتجاوزها الواقع المحض الى الواقع المختلق، وتشاركها قصة – نجوم الظهيرة – وايضا قصة – قلب الفجر – في التأكيد على مسمى جان جانيت بالتوازي النصي، حيث أن النص الموازي هو من له دور اولي أن ( يجعل النص كتابا ليقدم إلى القراء بصفة خاصة، والجمهور بصفة عامة)1? وهنا نسعى الى تفسير جديد للنص، بعد اذ وجدنا عتبته هي خلاصة نوعية لمتنه، وهي ايضا تشير بنسب الى وجود واقع مستحدث من واقع القص الحقيقي.
تدويل المعنى اللاسياقي
من طبيعة الفن في البناء القصصي أن يهدف الى تأجيج الحس الأدبي في كيان مادته القصصية، وهنا وجدنا ضياء الجبيلي قد مهر في مغامرته الفنية، فاكتسبت قصصه طابعا من الحس الأدبي غير السياقي، حيث يكون ذلك الحس بمقومات ليست مالوفة، و يكون كتعبير حسي ليس فقط لما يكون مثال لوجدان المؤلف، او ما هو انطباع حسي لديه قد وظفه، بل يكون المضمون النصي بعمق غير ثابت، فلا يحيل هنا الى معنى ما، وإن احال اليه سرعان ما يتخلى عن تلك الأحالة، ليكتسب معنى اخر بعدم ثبوت عمقه، وهنا هذا ما يجعل التطور الدلالي بنشاط حيوي، ويكون لوحدة الزمن هنا المواكبة للتغيرات التي يمر به المعنى، والمهم هنا إن شكل الأحالة الأجتماعية إن بقي ثابتا سيختلف مضمونها، وكذلك سيكون التوظيف اوسع بتداوله لذلك الأختلاف المضموني .
معنى قصصي
إن اي معنى قصصي هو يجد له مقابلا موضوعيا من داخل النص وهو الحس الأدبي الذي يضمن لذلك المعنى تمظهرا دلاليا مميزا، وطبعا ذلك الحس يتوسع ويزاد عمقا بما يقابل من معنى عام يتحلل الى معاني عدة عبر نشاط التفاصيل، وذلك التغير ليس بالوحدات النصية يكون متاحا، او ما يطرأ من تخلييق يهدف الى اغناء المضمون القصصي، ليس بالاداء الأفقي، بل يكون ذلك عبر التطورات الرأسية في النص، واغلب مجموعة – حديقة الأرامل – قد حفلت بنماذج رأسية الأداء القصصي، وطبيعي يكون ذلك ليس مباشرة، بل عبر تطور تقني تدريجي، يميز البناء ولا يخلخله، فقصة – محنة الجندي حميد – والتي قد تبدو صيغت بسرد دائري، بعد احالتنا الى التاريخ القريب، واي تاريخ هو ما كان متمثلا بحرب لمدة ثماني سنوات بين جارين، تتطور حسيا الى الولوغ الى داخل شعور جندي ينتهي نهاية دراما تيكية، تخالف ما كان يفكر بها وما يسعى اليه من خلاص هو في محنته العصيبة، والنهاية اكدت وجود ثمة تغيرات غير نمطية طرأت على الحس الأدبي للنص، والتجاوز الذي اكد تداول معنى افلاطوني وليس ارسطيا، كما هناك قصة – السنوات المتخيلة مع كافكا – وهي من العنونة تلوح بحس ادبي مختلف، وتطرح فكرة افلاطونية في طرحات ازاء طروحات بين المؤلف بوصفه راويا وساردا ضمنيا والنتاج الحساس لفرانز كافكا، ويتطور المعنى الادبي لى معايشة شاقولية لرواية كافكا – التحول – او المسخ حسب بعض التسميات، وطبعا تحتاج هنا الى زمن مواكبة، وقد توفق ضياء الجبيلي في بناء لوحة قصصية متعددةو الأبعاد، وما اكتفى بالحس الكابوسي، بل اضاف له حس اخر يجذب القارى بجميع انماطه، وهو حس السخرية الأخاذة، فكان لتلك اللوحة أن بيد ليها الشخوص بالايقونات، ليزاح عن المعنى ما عهد، وتتحقق به التبدلات الجانبية لتلك السخرية، وكانت ريشة ضياء الجبيلي بمساحات عدة من جهة، ومن اخرى بحيثيات تتوافق مع ذلك التعدد المساحي، وطاف بنا استاطيقيا في رحاب نصوصه المقصوصة في تلك القصة وغيرها من النصوص من مجموعة .
{{{
جان جانيت – عتبات – منشورات الأختلاف – المغرب
























