تمائم حميد سعيد

تمائم حميد سعيد

مشاهد مدينة تنبثق من الطفولة

حسين نهابة

على ضفة هادئة من ضفاف شط الحلة، المتفرع من نهر الفرات، تنشّق حميد سعيد في العام 1941م أول نسمة حليّة، في بيت جده الحاج هادي الأمين في محلة الوردية. استقبلته العائلة بفرح غامر، وكان مصدر سعادة أب، عمل في بداية حياته، بزازاً، وهي مهنة والده، ولم يُوفق، فعمل في وظيفة بسيطة وغادرها وعمل في بيع وشراء المنتجات الزراعية. أما الأم فلا تعرف القراءة والكتابة لكنها اتسمت بالفطنة والحضور الاجتماعي، وقد أنجبت عدداً من الأبناء عاش منهم ولدان وثلاث بنات، لذا كانت تضع، في عيد النوروز، بباحة البيت ثلاث جرار فخارية مليئة بالماء للبنات، وإبريقين فخاريين ملونين بالأحمر غاصين بالماء للولدين، وهذا طقس بابلي، ارتبط بهبوط تموز إلى العالم السفلي ومن ثم صعوده منه.

ولما كان لابد من شخص يلوذ الطفل بخيمته، يؤكد المقربون منه أن خاله المثقف “فاضل الرشيد”، الذي كان يمتهن الخياطة، له اليد الطولى في توجهه إلى القراءة، فيهرع الى محل خاله بعد انتهاء الدوام ليشهد مجالس الأدب وسجال الشعراء.

مدرسة صغيرة

في سنة 1947 يُسجل حميد في مدرسة للبنات مع عدد من صبيان محلة الوردية، ويقضي فيها سنتين، وينجح الى الصف الثالث الابتدائي فيعترض المشرف التربوي على وجودهم مع البنات، فينتقل الى “مدرسة الفيحاء للبنين” ليُكمل دراسته الابتدائية فيها. ويتردد على مكتبة المدرسة الصغيرة ويبدأ بقراءة ما تيسر له من روايات ودواوين شعر يحفظ بعضها عن ظهر قلب.وإذ تنبت مشاهد مدينة الحلة الفاتنة في ذاكرته وهو في طريقه الى المدرسة الابتدائية، ينبجس امامه فجأة بيت شاهق مقارنة بالبيوتات الصغيرة التي كان يعرفها.  ويغيب تحت أشجار الكالبتوس والصفصاف مُندهشاً، لكنه سرعان ما يسترد بعض وعيه ليجد نفسه متهدجاً بأبيات من الشعر. كانت الابيات باللهجة العامية، يقلد فيها واحدة من الأغاني الشائعة آنذاك.

ويُكمل دراسته في “متوسطة الحلة للبنين” سنتين، ينتقل بعدها الى “متوسطة بابل”، ويتفوق في دروس الأدب ويفصح عن عشق للثقافة والأدب ولكل ما هو جميل. وفي هذه المرحلة يبدأ وعيه الاجتماعي، ويتعرف على عدد من الطلبة ممن كان يستمع الى نقاشاتهم الفنية والثقافية في مجالات المسرح والرسم والشعر. وتظهر عنده اهواء سياسية مُغلّفة بالعاطفة، ويقترب من الزملاء الذين يجد فيهم توجهاته.

لبغداد نكهة لا تبرح عقول عاشقيها. بينها وبين “حميد سعيد” هيام طاهر، مذ كان في السادسة من العمر حين يصطحبه والده الى شارع الرشيد بمحلاته المُبهرة وابنيته الشاهقة. وتدور به الأحلام قرير العين في غرفة يتقاسمها مع والده في فندق “الاعيان” بمدخل شارع المتنبي بنفائسه التي لا تفنى، ومكتباته وازقته التي لم تغادر مخيلته مطلقاً. ومعها تتجلى نكهة الأمكنة التي ترفض ان تنأى عنه من ساحة الأمين حتى ساحة الميدان حيث تجتمع المتضادات المثيرة في ذهن الطفل المتفتح: أماكن لهو ومكتبات، مقاه ومكاتب محامين، مطاعم وعيادات أطباء. وفي صيف 1963 يستأجر غرفة في بيت قديم كان سكناً لأخيه عبد الوهاب، ومنها يبدأ رحلته مع غبار الكتب ومعطيات الثقافة التي لا تنتهي. ويلتهم الكتب التي تقع بين يديه مُتنقلاً بين أشهر مقاهي شارع الرشيد بصحبة مَن يعرفهم من صحفيين وشعراء ونقّاد وكتّاب وصعاليك وحالمين.

لم يُكمل دراسته الجامعية مبكراً، فينخرط في سلك التعليم، معلماً في المدارس الابتدائية. وتُثريه هذه التجربة نبعاً آخر على صعيدي الحياة والإبداع. وكان يذهب الى شارع المتنبي وسوق السراي كلما واتته الفرصة، وقد يقيم في احد فنادق “الحيدر خانة” قريباً من شارع الرشيد. وتتفجر هذه التجربة في ذاكرته عام 1992 ويكتب  موسوعة من ثلاثة فصول بعنوان (المكان في تضاريس الذاكرة)، افرد فيها فصلاً بعنوان “بغداد في كيلومتر واحد” تحدّث فيه عن تجربته في هذا الشارع بمقاهيه وفنادقه وتجمعاته الثقافية وصحفه ومطابعه.

حصص دراسية

وفي عام 1963 ينتسب الى كلية الآداب في الجامعة المستنصرية “قسم اللغة العربية” برفقة عدد من زملائه الحليين، الذين كانت تنتظرهم سيارة المرسيدس الباص مقابل مقهى “حياوي” وتنطلق بهم الساعة الثانية ظهراً الى بغداد، وتعود بهم في الساعة الثامنة بعد انتهاء الحصص الدراسية في الجامعة. وفي هذه المرحلة يُكلّف برئاسة تحرير صحيفة “الطلائع”، التي يصدرها بالتعاون مع بعض الأدباء في الحلة.

وبسبب اتجاهه السياسي، يُبْعَد الى مدينة السليمانية في شمال العراق عام 1964 وفيها كتب قصيدته الأولى. ويعود الى بغداد مُحمّلاً بطاقة يشوبها الوجع ليكمل دراسته الجامعية، ويحصل على شهادة البكالوريوس في حقل “تاريخ الأدب العربي”.  مع اطلالة عام 1964 يستعد الشاعر الجديد “حميد سعيد” لنزالات متناقضة مع الذات الجامحة والوضع المتأرجح، ويرتسم على محياه حبور الوالد حين يتأبط وليده الأول ويسير به في شارع الرشيد تحت امطار خريف جديد ويضعه تحت سترته خوفاً عليه من البلل، ويلج المقهى بسعادة غامرة مُبشراً بديوانه الأول “شواطئ لا تعرف الدفء” ويتقاسم مع زملائه الشاي المهيّل في مقاهي الحيدر خانة التي يعتبرها صالونات ادبية اثْرت الشارع الثقافي العراقي والعربي بشعراء وادباء وكتّاب فحول تركوا تاريخاً حافلاً بمشاريع ثقافية واصدارات لا تٌضاهى. ويستأجر شقة مع زميله الشاعر “حسب الشيخ جعفر” وتتحول الى مزار ثقافي يحتدم فيها الحرف والقصيدة. ويشترك في العام 1967 في إصدار مجلة “الكلمة” مع حميد المطبعي وعبد الأمير معلّة وموسى كريدي.  ويعود الى التجمعات الثقافية في المقاهي الأدبية سواء في الحلة أو في بغداد، ومعها يعود الحنين الى هاجس لم يفارقه منذ ان رأى بغداد أول مرة. هل الشعراء أقدر من غيرهم على إدراك الخطر والكوارث؟ فيواصل علاقته بالكلمة النابضة مع أجيال من المبدعين معظمهم من الجيل الستيني الأول وبعض الرواد الأوائل من الجيل الخمسيني.وتبدأ الرحلة الفكرية للشاعر “حميد سعيد”، وتُوكل اليه رئاسة تحرير جريدة الثورة عام 1970 وهو العام ذاته الذي يكتب فيه ديوانه الثاني “لغة الأبراج الطينية”.

 ويلمع نجمه الفكري ويُعيّن مستشاراً صحفياً في اسبانيا عام 1972 فيكون بين ابراج قصر الحمراء وحدائق غرناطة وازقتها، ويُفْرِد لها فصلاً في كتابه (المكان في تضاريس الذاكرة) الذي اشرنا اليها في البداية. كان الحنين يضج في كل حرف من هذا الفصل، وتظل غرناطة شامخة مثل “الحلة” في تضاريس ذاكرته حيثما تنقّل. ويودّعها عام 1975 بحنين وغصة شاعر لا يعرف ما يُخبأ له الغد. هل سيعود اليها ذات يوم، ام ان رحيله عنها سيكون ابدياً كما غادرها باكياً ابو عبد الله الصغير في وقفته الأخيرة على هضبة “زفرة العربي الأخيرة”، بعد ان سلّم مفاتيحها الى فيرناندو وايزابيلا؟

ويعود الى بغداد مُنتشياً بالنجاحات التي حققها على كافة المستويات، بما فيها الثقافي، فتتمخض رحلته في غرناطة عن ديوان رابع استلهم كلماته من عذرية عربات الغجر وهي تتنقل بهم من حقل لآخر، فاسماه “ديوان الأغاني الغجرية” متسلقاً منابع دور النشر عام 1975.  هذا الديوان تناوله الكثير بالبحث والتمحيص لما يحمله من جذور شرقية تنشقها في غرناطة التي ما تزال انفاس العرب ترفض ان تغادر قصر الحمراء.ويُعيّن في العام ذاته مُستشاراً صحفياً في العاصمة المغربية الرباط. وكانت تلك أمنيته، ان يكون قريباً من نسيم اسبانيا الذي لم يعد يفارقه. وتلتف حوله المساءات الحزينة ويقف على ارصفة الموانئ غير بعيد عن مضيق جبل طارق الذي يفصله عن حنين الأزقة. الوقت يهرم سريعاً ولا احد قادر على ايقافه. كان برد الغربة وطيبة الشعب المغربي مصدر الهام لبعض قصائد “حميد سعيد” في هذه المرحلة. فحين يمشي في شوارع هذه المدينة التاريخية، يشعر بانه يسير في شارع الربيعي ببغداد قريباً من بيته في “زيونة” لما يحمله من وهج العيون وحيوية الثقافة. ومما يلفت النظر أننا لا نجد صدى شعرياً للزمن الذي قضاه في المغرب العربي الاّ في بعض من قصائده.اعتقد ان الفترات التي يقضيها سواء في اسبانيا او في المغرب العربي، تتيح له تجميع كل الحواضر الأدبية في مخيلته، ليعود مُحملاً ببخور ديوان جديد. وهذا ما حصل اثناء عودته من دولة المغرب العربي الى بغداد عام 1978 وفي حقيبته الثقافية ديوان “حرائق الحضور”.وفي بغداد عام 1978 يترأس تحرير صحيفة “الجمهورية” ثم مديراً عاماً لمؤسسة الاذاعة والتلفزيون عام 1979. ويُعيّن رئيس مجلس إدارة “دار الثورة” ورئيس تحرير “جريدة الثورة” عام 1981.

في خضم هذه السنوات الطويلة من النزف الفكري والحنين الى مدن بعيدة قد لا تأتي بعد، يطلّ “حميد سعيد” بديوانه السادس “طفولة الماء” عام 1985.

ويُنتخب عام 1986 أميناً عاماً للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب لدورتين متتاليتين. اخال ان مثل هذه المسؤولية من المُفترض ان تكون عبئاً جديداً مُضافاً الى مسؤولياته السياسية والاجتماعية والثقافية التي تقع على عاتقه آنذاك، بيد ان “حميد سعيد” تمكن من ان يجمع “تفاحتين بيد واحدة”، فيخرج لنا عام 1987 بديوان “مملكة عبد الله”.

وبعد انقطاع عن الكتابة، وليس عن القراءة والمساهمة في اثراء الشارع الثقافي العراقي والعربي بأفكار ومهرجانات ادبية، يُنير سيرته الأدبية عام 1992 بديوان “باتجاه أفقٍ أوسع”.

وبفضل سيرته النبيلة على كافة الأصعدة، واخلاقه الحميدة وعلاقاته الطيبة مع الكثير من الأدباء والكتاب اضافة الى وقفاته الشجاعة، يصبح وكيلًا أقدم لوزارة الثقافة والإعلام عام 1994.  وفي منتصف عام 1996 وهو في قمة مسؤولياته، ينتقي عنواناً مميزاً لديوانه الجديد “فوضى في غير أوانها”.

وفي العام الذي يليه أي 1997 يصدر ديوانه العاشر “من الحدائق التسع – مختارات”.

وفي عام 2001 يترأس مجلس أمناء بيت الحكمة (بمنصب وزير) حتى 9/4/2003 حيث أسسه بنفسه وأغنى الشارع الثقافي العراقي والعربي بالكثير من النتاجات الأدبية والفكرية والاقتصادية والسياسية. ويُعد رئاسة بيت الحكمة نوع من التكريم الحافل لـ “حميد سعيد” لدوره الجليل في الريادة والحركة الأدبية في العراق.

ولم ينس زملاءه الكتّاب والمثقفين في بابل، وفي عموم العراق، فكانت له مواقف جديرة بالاحترام والذكر في مد جسور المساعدة من خلال تخصيص رواتب شهرية ومعونات لهم. كما أسهم إسهاماً فعلياً جاداً في دعم انشطة اتحاد الادباء في بابل كما في المحافظات الأخرى، وبخاصة في الحلقات النقاشية والنقدية التي كانت تُقام اسبوعياً، علاوة على المهرجانات التي كانت تُقام في التسعينات من القرن المنصرم.

وبرعاية شخصية كريمة من “حميد سعيد” وبمقترح من اتحاد الادباء والكتاب في بابل عام 1999 يُحتفى في شهر شباط من العام ذاته والاعوام الثلاثة التالية بمسابقة ادبية وُسمت بـ”مسابقة حميد سعيد”. كان يشارك فيها الكثير من الادباء والكتّاب من العراق والوطن العربي. وتُعلن النتائج في منتصف شهر شباط وسط مهرجان كبير يحضره العديد من الشخصيات الاجتماعية والادبية مثل الناقد (ناجح المعموري، د. قيس الجنابي، وعباس عبد جاسم… الخ من الاسماء اللامعة التي لا تحضرني الآن اسماؤهم) وفيه تُوزع جوائز نقدية وعينية وهدايا على الفائزين والمُشاركين. وتُطبع القصائد الفائزة والقصائد التي نالت توصية بالطبع، في مُجلد يصدر نهاية المهرجان بإشراف (الناقدة د. بشرى موسى صالح، د. ستار عبد الله وسكرتارية الشاعر شكر حاجم الذي كان رئيساً لاتحاد ادباء بابل آنذاك) بالإضافة الى الأماسي النقدية والشعرية عن النصوص الفائزة وتجربة كاتبها.

اشياء تتغير

وبين ليلة وضحاها تنقلب كل الموازين وتتحقق نبوءته التي اعلنها في إحدى مقالاته في العام 1993 “الاشياء تتغير… كل الاشياء تتغير” ويغادر العراق مُكرهاً عام 2003 ويختار الأردن مقراً لإقامته.

وفي عام 2004 وبمناسبة مرور خمسين عاما ًعلى تأسيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، يُمنح وسام الاتحاد، ضمن عشرة كتاب عرب لمثابرته في دعم المشهد الأدبي ولكونه كان رئيساً للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب لدورتين متتاليتين. وبعد عامين من استقراره في عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية عمان، يعود الى الكتابة فيخرج بديوان مبلل بالغربة والوجع من العنوان وحتى آخر قصيدة أسماه “من وردة الكتابة الى غابة الرماد”.

ويستعر الحنين عند الشاعر “حميد سعيد” فيتحف الرواق الأدبي بديوان “مشهد مختلف” عام 2008.

وفي عام 2011 يشتد الحنين بالشاعر “حميد سعيد” الى لوركا وربما الى غرناطة وربما الى قصر الحمراء وربما الى الهضبة التي تنهد فيها عبد الله الصغير زفرته الأخيرة قبل ان يغادر الأندلس نهائياً، ويُخرج لنا رائعته ديوان “من أوراق الموريسكي”.

وفي العام ذاته يُتحفنا بديوان آخر أسماه “أولئك اصحابي” تضمن خمسة عشر قصيدة.