
رحم الخواطر لحامد عبد الحسين حميدي
حزمة تشظيات في مركزة الخطاب الشعري
علي الشاعر
تشكّل قصيدة النثر ، تحولاً كبيراً في ولادة جديدة في المضمون الشعري الحديث ، اذ / تفسح الطريق أمامنا لقراءات ناضجة ، حملت بين طياتها البعد الانساني بكلّ ما تعنيه المفردة من تشكيل ، ( رحم الخواطر ) مجموعة شعرية للشاعر ( حامد عبدالحسين حميدي ) ، صدرت عن دار الحنش للطباعة والنشر – بغداد لسنة 2017 حزمة من القصائد التي تفجّرت منها تشظيات الوجعي اليومي ، والهمّ الانساني الذي اخذ حيزاً يتلاءم مع كتلة البوح ، استطاع من خلالها الشاعر( حميدي ) أن يحركَ مركزة الخطاب الشعري ، في خطراتٍ متتابعة الخطى ، لتعطي للمشهد الشعري العراقي صورة دقيقة عمّا يدور فيه من أفق انتظار ثقيل ، يكاد يستنزف المهيمنات التوصيلية بخطوط متعرّجة ، سلّط الشاعر والناقد ( جمال جاسم أمين ) في مقدمة المجموعة الضوء عليها قائلاً :
( تحملُ عنونة مجموعة الشاعر حامد عبد الحسين حميدي ( رحم الخواطر ) إشارة واضحة الى الإيذان بولادة حزمةِ قصائد نثريّة تضافُ الى دفق الشعريّة العراقيّة التي لم تتوقفْ عن الانتاج و التعدّد عبر إسهامات تتباين في نوع وإجرائيات كتابتها ، إلا انها تتفقُ في مركزةِ الخطاب الشعريّ بل وإعادة انتاج هذه المركزة في مشهد ثقافيٍّ صار يعاني من تغوّل الشّعر على حسابِ الخطابات الثقافيّة الأخرى . تدخلُ مثل هذه المساءلة في بابِ السؤال الثقافيّ الذي يبتعدُ بالضّرورة عن الرؤيةِ النصيّة او الفنية لنصوص الكتاب المراد تقديمه أو التعريف به و هو مغزى ما نحن بصدده الآن . ) ص 5 .
الامر الذي يجعلنا نتوقّف عند عنونة ( رحم الخواطر ) وما تشكله من متوالدات حيّة ومتكاملة في أنّ الاتساقات الدلالية لها ، قد هيأت فضاءات رحبة لجمالية النثر ، اذا / للخواطر رحم .. يتسع في مكنونه الداخلي ، يكتسب مرونة تامّة في الانفتاح على توظيف التحديثات الايمائية :
لم تقرأ بنات الافكار
هل اورقت شجيرات الضياع ،
كلما اوقدت اسئلتي
ساد الصمت في ..
خانات الفراغ . ( كلما اوقدت اسئلتي ص 18 ) .
هذه السؤالاتية التي تفرّعت من حزمة الضياع ، لتوقد فينا أوجاعاً وصدأ حزن وأسى ، لتحوّل مفردة الصمت الى قوة فاعلة وضاغطة .. تمتلك قدرة التماهي مع الفراغ ، لتعبئ ما ينسل منا في اتجاهات مختلفة تسير في حانات تنزّ من ذاكرة قواميس حياتية ، انها الاشتغالات السردية المتساقطة من التداخل الحياتيّ الذي ينعكس برؤية ذات .
لا شيء يسجر جنون الرحيل ،
سوى نثار الاصابع المتعرجة
قطعان من الشك الاعزل
تجرّ رأس قامتي ،
وكتلة من البصر تشرب
فتات العراء المتصحّر .. ( على مصطبات الريح يداف الحدس / ص 20 )
هذا الانصهار الذاتي الذي لم يترك لنا إلا لحظات تأمل ، ونحن نغصّ بالنثار الذي يشير الينا ، وقد تحوّل فينا الشك الى قطعان متلاصقة يومياً ، تجوب افكارنا بهوس مجنون ، لا يقوى على الانسلاخ مما هو عليه ، هذه الاحالات التتابعية اعطت للجملة الشعرية دفقاً في ضبط الخطاب الشعري ، وفي ترصين جماليته بحيث فتحت الافق في الولوج الى باطن الذات ونبشها ، بغية الوصول الى قناعات رسمت البيانات التكاملية لقصيدة النثر .
ما كنت لأقطف
منها إلا امنية ،
تعلقت بأذيال ..
الهزيمة ، ( شجرة النبق / ص 44 ) .
لم يعد مجدياً ان نتشبث بأوصال الماضي الذي ترك فينا بصمة واضحة من الحنين ، ومحاولة ارجاعه بشتى الوسائل حتى لو كان التوصيل ذهنياً فاضحاً ، لكن أن تكون الامنية متعلقة بمحطة خيبات وريبة ، هذا بحد ذاته افراط في الوجع ، فالهزائم تلاحقنا ، كونها مفردة يومية نتعامل معها ونجسّها بسبب ما نراه او نعاني منه لانشطارات فارغة ، لم تترك لنا منطقة واحدة نؤمّن فيها على امنياتنا المعلنة .
وبذا / تعامل الشاعر ( حميدي ) مع المفردة والتركيب الشعري بحذر تامّ ، كونه يحاول ان يمدّ خطابه الشعري بيوميات مثخنة بالتعب والعناء والوجع ، لكنه استطاع بما يمتلكه من قدرة وتطويعية ان يجعل المهيمنات التوصيلية ادوات فاعلة في نقل التأثيرات الحسيّة الينا .
























