
الحبكة المركّبة في رواية سلالم الصّحو
التناغم بين قطبين متجاذبين
حامد عبدالحسين حميدي
( سلالم الصحو ) (1) رواية اجتماعية واقعية ، شكّلت نظرة فاحصة داخل الانسان والأسرة والبيت والشارع والدائرة ، انها انطلاقة موفقة من لدن الكاتب (جابر محمد جابر (2) الذي يتوغل في خبايا العطل الذي يصيبنا ، فيستنزف طاقاتنا ، ليبدأ بوضع (عقدة ) ضاجّة بالحدث السردي : (في البدء مارس الكتابة بيده اليمنى ، وحين فاجأه ولده “علاء” بسؤال هذا التغيير .. أجابه إن يده اليسرى اصابها خمول مفاجئ ، وينبغي عليه ان يدعها تستريح ، وعليه أوكل المهمة لليمنى ، بعد أن امسك بالسبابة والإبهام ، إطار نظارته ليؤكد إصراره على استخدام اليمنى ، مشيرا الى ان عزمه وإصراره على تناول الطعام باليد اليمنى خلافا لما اعتاد عليه منذ طفولته .. ) . ص 09 فلماذا مال الروائي الى هذا الحدث ، يا ترى ؟ … يد الأب اليسرى مشلولة / معطلة ، ممارسة الكتابة والأكل باليمنى ، دلالة رفض الشعور بالخيبة والمرض وتعويض العاطل بالصحيح .. المثقف العراقي ، وبما يحمله من عبء مجتمعي ثقيل طيلة الفترة المنصرمة ، من ثقافة صمت وضجيج ، سكون وحراك ، هدوء وفوضى ، كان عليه لزاماً ان يبدأ بوضع خارطة لهذه المسمّيات كي يستطيع ان يسوّق نقطة انطلاقه وبصورة تناسقية .قد يرى البعض أن هذه العقدة التي ساقها الكاتب تقع ضمن ( الحبكة النمطية ) ذات الاحداث التسلسلية الطبيعية من لحظة ولادة المشكلة وتصاعدها وصولا الى الحل فالنهاية ، لكنني ارى ان العقدة التي وردت تقع ضمن سلوكيات ( الحبكة المركبة ) حيث مثلت تسلسل الحدث النهائي ثم التدرج مع عرض اسباب المشكلة والعمل على حلها على وفق معطيات خاصة وصولاً الى بداية المشكلة ، وهذا النوع من الرواية يشكل محفّزاً متكاملاً لمتابعة القارئ ، حيث أنه يعمل على تحريك واشغال ذهن القارئ / المتابع ، مع شخصيات الرواية منذ انطلاق العقدة .يكاد الجوّ الأسري ، يمثل تشظّيات حدث بكل ما تعنيه الرواية ، لأنه يقع ضمن منطقة التشكيل الواقعي الذي لا يمكننا ان نتخلى عنه إلا من خلال تسليط الضوء على مجريات العائلة العراقية ، وهي تمارس حياتها الطبيعية ضمن الجو العام ، الروائي يزيل الغبار عن مشكلة ( الأب ) و ( يده العاطلة ) التي تتعرض لها الاسرة ، وكيفية .. تصعيد الحبكة الروائية وضمن تداعيات تهيئ المناخ الذي يفعّل ، فسؤال الزوجة عن هذا التغيير واستفسارها عما يحدث : ( ألم تدع تداعياتك جانبا ً وتحدثني بصراحة عما اعتراك يا رجل .. ؟!
– حسنا .. صدقيني .. لا شيء يدعوك للقلق ، هي مجرد محاولة لتغيير نمط معين فلا تقلقي .. عزيزتي .. !
– كيف لا أقلق ونظرات اولادك تطاردني وتطالبني بتفسير منطقي او اجابة عما اعتراك .. ألم تلحظ الأسئلة في عيونهم الحائرة ؟ ألم تشعر بقلقنا عليك .. ؟ ) ص 16 .
هذا التناغم الاسري بين قطبين متجاذبين يمثلان الدائرة المتكاملة لقوة العائلة ، وما يدور حولها من اسئلة تشكل هواجس حبّ وارتباط قوية ، على الرغم من التبريرات غير المقنعة من ( الاب ) وما اصابه من مرض : ( … بصراحة أنني أمارس عملاً لأحد شخصيات روايتي التي اعمل عليها .. شخص يعيش على قلمه ، ويكتب باليد اليسرى .. وفجأة يتعرض لذبحة صدرية ، تسفر عن شلل في نصفه الأيسر ، … بعد مدة من الزمن ، يجد أن نصفه الأيسر معطل ، … ) ص 16 .وعلى الرغم من تظاهر وتحايل ( الأب ) وادعائه بالنوم ، عندما يقع تحت ملاحقة عيون زوجته ، تهرباً من النقاش وطرح الاسئلة التي تثير في داخله نقاط الضعف النفسي الذي يحاول ان يخفيه عن عائلته .هذه الاسقاطات التي يشدّنا اليها الروائي ( جابر محمد جابر ) كانتِ الاقرب الى مخيلتنا الواقعية المضغوطة بشحنات يومية وما صاحبها من انتقالات طبيعية في البحث عن علاج لتشخيص العطل وإجراء التحاليل من خلال مراجعة الطبيب الاخصائي ( د.أحمد نوري ) وما جرى من حديث بينهما ، هيأت في طريق العودة : (
– كيف لي ان انسى ذلك الزمن الجميل ..! أعدك بأن نجلس معا ونستذكر كل ايامنا الرائعة …
– أعتقد أن ذاكرتك ما زالت خصبة..
– آه .. كلا يا عزيزتي ، فأنا اشعر بعطب فيها ، أحياناً يلتبس عليّ الامر ، فالماضي تأريخ قد ننساه اذا لم ندونه . ) ص 31 .
انفتاح رؤية استرجاعية للأحداث ما بين الزوج ( خالد ) والزوجة ( نجوى ) عن ماضٍ وذكريات ، عن تعريفية لتلك العلاقة الحميمة التي وطدت بتقارب واهتمام فيما بينهما ، هذه الاستراحة التي عرضها الروائي كانت محوراً لتجربة نفسية ورومانسية ، هيّأت جوّاً عاطفياً مناسباً لذلك المناخ الذي يعاني منه الطرفان ، لما له من تأثير في سحب الضغط الذي كان مهيمناً على الحدث الرئيس .بعدها تبدأ مداخلات تشاركية فاعلة لشخصيات مختلفة : ( الحاج حسن لعيبي ( صاحب محل ) / الجارة أم عدنان ) وما يحملانه من معاناة كل واحد يلوذ بعبء وانتكاسة وفقدان ، يعرض من خلال ( أم عدنان ) عن مشكلة اجتماعية وهي : ( .. ، تعاني من أصغر ابنائها الذي زوجته قبل شهور ، نتيجة لالحاح زوجته عليه للسكن في المشتمل المجاور لدراهم الذي تعده ” أم عدنان ” مصدرا ماليا ثابتا ، يعينها في تدبير أمور الحياة وسدّ نفقات معيشتها وعائلتها الكبيرة ، .. ) ص 33 .وبذا ينقلنا الى تفرعات اجتماعية متداخلة .. تعاني منها اكثر العوائل العراقية ، لتجسد تلك الصورة عن قسوة الحياة المرهقة ، بعد هذه الاحداث التي تتداخل تلقائياً وحسب الرؤية الدرامية المعدّة من قبل الروائي ، ينقلنا الى ( عقدة متأزمة ) ، وهي دخول السيد ( خالد ) في غيبوبة ، لتتصاعد نوبة من الهلع والقلق في هذه الأسرة : ( .. ، بل ليس كعادته في المنان ، لقد تدلى نصف جسده الأعلى من الاريكة .. احتضنت رقبته بعد ان طوقتها بذراعها ، احست ببرودة جسمه ، وخروج سائل ابيض من فمه ، انتابها الفزع ، صرخت بأعلى صوتها .. ( اسعاف .. اطلبوا الاسعاف ) … ) ص 34 .تعرّض ( خالد ) ونقله للمستشفى ، أثار موجة لدى جيرانه وأصدقائه ، وهو تصوير رائع في الحضور للاطمئنان على صحته ، وتعبيراً عن الوفاء لإنسان احبّوه ، وتقديم المساعدة ان تطلب الامر ، بعدها ينتقل الروائي ( جابر محمد جابر ) للكشف عن شخصيات روايته مسلطاً الضوء على شخصية ذات بُعد ، وهو ( العم صبحي ) وعلاقته بـ ( خالد ) بطل الرواية ، كون الاول كان يعمل طباعاً في مطبعة الزهور الاهلية ، وكان السيد ( خالد ) يتابع احد اصداراته الخاصة ، تطرّق الى حياة ( صبحي ) وحبّه للعلم والشعر ، وعلاقته بابنة الجيران ، وتطور الاحداث مع هذه الشخصية اخذت حيزا ً مكانياً كبيراً ، ليدخلنا في ( عقدة فرعية ) : ( .. وبعد ان ارتاب فخري شقيقها ببعض تصرفات شقيقته بدأ يراقبها ، يعود الى المنزل في غير موعده المعتاد وأحيانا ً لا يذهب لعمله مطلقاً ، بل يجلس في البيت متمارضاَ ، وهكذا الى ان ضبطهما معاً ، دارت معركة كان من نتائجها .. رقود صبحي في المشفى …. ) ص 41 .لتبدأ إفرازات العقدة بمشاكل اجتماعية وعشائرية ، وعقد صغيرة تناسب الحدث ، تنفرج بتكوينات نتائج معروفة لدينا سلفاً .ما بين العودة لحالة ( خالد ) والتعريف بشخصيات الرواية ، او استذكار احداث ماضوية ، تجعلنا نتعايش معها في دائرة متكاملة من الدراما اليومية ، ثم يعرض لنا الروائي احداثاً واقعة تأريخياً ، تعبر عن رأي (د. محمد ) شقيق ( خالد ) وهو استاذ جامعي معروف عمل في الجامعات العربية والغربية واشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه متزوج من امرأة غربية : ( ..، كان له موقف واضح من الحصار المفروض على بلده ، رغم انه يعد من المعارضين للنظام الحاكم .. كان يتألم لما يتعرض له وطنه من حروب وأزمات وحين يسمع من وكالات الانباء ويشاهد ما تعرضه شاشات التلفزة وعبر الاقمار الصناعية ، القصف الوحشي للأحياء السكنية واستشهاد الاطفال والنساء والشيوخ ، يبكي بحرقة … ) ص 54 .رغبة ( د . محمد ) بشراء منزل ، اشارة واضحة الى تأكيد العودة الى حضن الوطن ، ولمِّ شمل العائلة مع اخوانه وترميم الصدع ، التحوّل في حياة ( العم صبحي ) وتركه المطبعة والعمل مع ( د . نجوى ) زوجة السيد ( خالد ) في الصيدلية ، منحه استقراراً اكثر في تهيئة ابنته ( نادية ) التي حظيت بنظرة المرأة المتحررة ثقافياً ، كونها كانت على تماسٍ مع قامات فنية كبيرة ، من خلال الذهاب مع السيد (خالد ) الى نقابة الفنانين ، ولّد لديها كسر حاجز الخوف وأعطاها قوّة الشخصية وتميّز وحضور وحرية رأي .الروائي ( جابر محمد جابر ) في ( سلالمه ) .. نجده متقناً لأمور عدة منها : أنه يعالج كطبيب متمرّس في تشخيص الامراض أو مختصٍّ بالعلاج الطبيعي ، وثانية : عالم اجتماع يدرس المشكلة المجتمعية التي تقع وكيفية عرضها وإيجاد الحل المناسب لها ، نجده ثالثة : باحثاً في علم النفس يدرس متعلقات هذا العلم بدقّة ومهنية ، رابعاً : رجلاً مصلحاً يحاول ان يقرّب وجهات النظر من ناحية الديانات ومدى ارتباطها بالإنسان ، خامساً : ملمّاً بالأعراف والتقاليد والعادات العشائرية ، التي منحته قدرة على حلّ العقدة من هذا المنظر حال تأزمها وربط الانساب .
جنح الروائي الى اللهجة العامية في مواضع ليست بكثيرة ، رغبة منه في اسباغ المناخ المناسب للشخصية المتحدثة والتي تمثلت بأم عدنان وهي تحاور (د. نجوى ) قائلة : ( لا ، دكتورة ماكو شي بس ابني سلمان وجعان كلش .. وكلت بلكي الكه عدكم “باراسيتول ” لأن الصيدليات كلها معزلة ، وخطيه ديون من راسة ، سودة علية … ) ص 33 . وبعض المفردات : طز .. ص 48 يا خالو .. عمو خالد .. ص 78 ص 87 مية في المية .. ص 99 ? سهلة ان شاء الله / بهاي ولا بغيرها.. ص 104 عكره / النغنغة … ص 109 عجل يابه شفتهن بعيوني .. ص 112.كما ، استخدم مصطلحات غير عربية : تيبلايز .. ص 57 كير ترود .. ص 66 كارت .. ص 89 كارزما .. ص 91 كروبات .. ص 92 .اضافة لاهتمامه بذكر اسماء شخصيات وأماكن روايته ، وهي اسماء واقعية موجودة فعلاً ، ووصفها بالصورة المعروفة والدقيقة كي يقرّبها للقارئ ، وحسب ما التقطته عيناه وذاكرته .ولا ننسى ان اللغة العربية البسيطة والمنسجمة مع متطلبات الرواية كان لها التأثير الكبير في اسباغ روايته بجمالية الصياغة وقوة التوصيل ، مما هيّأ لنا جوّا مشحوناً بلغة رصينة قادرة على التعبير عن الصور الطبيعية التي ورد مشاهداتها .لم اشأ إلا أن اضع القارئ والمتابع لرواية ( سلالم الصحو ) للكاتب ( جابر محمد جابر ) ، في خانة الاحداث ، تاركاً النهائية له مع بعض التفصيلات الجادّة ، كي يستمتع بقراءتها لما لها من حضور فاعل في تغطية وتنامي الاحداث ، ( سلالم الصحو ) تستحق ان تقرأ بتدبّر ورويّة كونها تحمل رسالة انسانية عظيمة وخالدة ، لا يمكن أن نمرّ من امامها مرور الكرام بل ، فيها الانسان العراقي بمعاناته وإرهاصاته ماثلاً ، يعطي ويمنح ، لكنه لم ولن تهزمه المحن .
…………………………..
(1) سلالم الصحو : جابر محمد جابر ، دار بعل للطباعة والنشر والتوزيع – دمشق الطبعة الاولى لسنة 2017 .
(2)جابر محمد جابر : شاعر وكاتب صحفي عراقي تولد 1954 العمارة ، عضو اتحاد الادباء العراقيين واتحاد أدباء العرب ، عضو نقابة الصحفيين العراقيين واتحاد الصحفيين العرب عمل : في المكتب الاعلامي لوزارة الثقافة / وأمينا لسر اتحاد ادباء ميسان لدورتين متتاليتين / محرّراً ثقافياً في صحف ومجلات أدبية / رئيسا لتحرير جريدة الحضارة الادبية الصادرة عن وزارة الثقافة / له ، في مجال الشعر : قصائد ملعونة 1977 دفء الثلج 2000 تعاويذ هرمة 2003 أحلام مبللة 2007 دوائر مربعة 2012 وفي مجال القصة والروايــــــة : مطر على رصيف الذاكرة 2013 قصص قصيرة جدا ، سلالم الصحو وتحت الطبع : صرخة بوجه الغول ( رواية ) زوايا المفارقات الحادة (نقد ) فاز بالجائزة الثالثة في مسابقة اتحاد الادباء العراقيين للقصة القصيرة جدا ، والجائزة الثالثة في منتدى نازك الملائكة للقصة القصيرة جــــدا 2012 .
























