الصورة السحرية في قصائد أجود مجبل

الصورة السحرية في قصائد أجود مجبل

يا أبي أيها الماء إنموذجاً

احمد الشطري

 اذا كان ثمة مجس يمكن ان تكتشف بواسطته عوالم الجمال، فان الادب هو احد امهر هذه المجسات، واكثرها قدرة على الوصول الى تلك الاماكن المبهرة، واظهارها بشكل واضح للرؤية المجردة . والشعر باعتباره احد اهم الاجناس الادبية، فانه قادر على الوصول الى مناطق الجمال، وتمثيله بكيفية مثيرة للدهشة والإبهار . واذا كانت القصيدة الحديثة قد تعددت اشكالها فاني ارى ان كل شكل من تلك الاشكال قادر عن الكشف عن جماليته الخاصة التي تحفز العين للوصول الى اكبر عالم ممكن من المتخيل الخلاب . واذا كان ثمة من يعتقد ان شكلا ما من هذه الاشكال قاصر عن الكشف، او التمثيل، فإنما يكمن القصور فيه، وليس في نوع الكاشف .. وعليه ارى ان على القارئ او الباحث عن الجمال ان يبحث في الخلل الذي يجعل من بصره وبصيرته عاجزين عن الوصول الى تلك العوالم المكتشفة . وبما ان وسائل الكشف لابد ان تسعى شانها شان كل الوسائل الحياتية الأخرى للتطور وتحسين تلك الادوات بما يتلاءم وتعقيدات مسيرة الزمن فان القصيدة باعتبارها كاشفا لابد ان تتأثر بمسيرة التطور وان تجعل من أدواتها قادرة على رسم الجمال بما يتلاءم مع ذائقة القارئ الجديد.

 واذا كان ثمة وجود للأجيال الشعرية استنادا لملامح خاصة تميز هذا الجيل عن ذلك الجيل؛ فان جيل القصيدة التسعينية- واعني بذلك الشعراء الذين امتلكوا أدواتهم بشكل حقيقي في التسعينات رغم بداياتهم الثمانينية- أقول :ان هذا الجيل وخاصة جيل القصيدة العمودية استطاع ان يكسر نمطية القصيدة العمودية، وان يوظف في داخلها الصورة الحديثة بما تمتلكه من عوالم خارقة للمألوف، وبلغة استطاعت ان توجد علاقات ثنائية، او جمعية لم تألفها اللغة من قبل، فكان لها ذلك الإيماء الجمالي من خلال العبث الواعي بين المفردة، وأختها، وبين الخبر، ومبتدأه، والفعل، وفاعله بشكل لا ينفلت من العلاقات القديمة انفلاتا كليا، وإنما يبقي على نوع من الترابط الدقيق الذي يصعب على النظرة المجردة ان تكتشفه . وبغض النظر عن المسميات والمصطلحات التي اريد لها ان تتلبس القصيدة التسعينية وبغض النظر ايضا عن جنوح بعض من تأثر بالأسلوب الجديد للقصيدة العمودية للإسراف في تكوين علاقات لغوية غير رصينة بما خلق أجواء من الغموض أساءت للنموذج الحديث مثلما فعل بعض شعراء قصيدة النثر الذين اغرقوا قصائدهم بألوان من الغموض وسعت الفجوة بينها وبين المتلقي فاضطر البعض للبحث عما يسمى بالمتلقي النوعي او النخبوي وهو نوع من الخداع الذي يرضي به الشاعر نرجسيته، فاني لا ارى في ذلك عائقا كبيرا في طريق عملية تطور القصيدة بل ربما سيكون حافزا اضافيا في التبني الواعي لحالة التجديد الحقيقي، وهنا لابد من الاشارة للنموذج الامثل لعملية التجديد الحقيقي والواعي في مسيرة القصيدة التسعينية والذي ازعم انه واحد من اهم من يتجلى في شعره هذا التجديد, انه الشاعر اجود مجبل الذي اصدر الى الآن ثلاث مجاميع آخرها كان بعنوان ( ياابي ايها الماء ) وقبله ( محتشد بالوقت القليل ) و(رحلة الولد السومري) ومن خلال ما تحويه عناوين المجاميع نلمح رغبة الشاعر في التخلص من العلاقات الظاهرية الى العلاقات الخفية بين المفردات داخل الجملة فالعلاقة بين الصفة والموصوف من خلال كلمة ( محتشد ) ستوفي لنا بمعنى اخر غير ما يحمله المعنى الظاهري للجملة . وكذلك العلاقة الإيمائية بين الأب والماء وسنجد في قراءتنا لقصائد اجود الكثير من الصور والعلاقات الجديدة التي تفتح امام المتلقي عوالم سحرية لا تقدر على ابتكارها الا مخيلة ذات قدرة خاص على الابداع .

يقول في احدى قصائده :-

يلمون احزان التقاويم خلسة وكم دخلوا ثقب الكلام ليختفوا

 فالعلاقة البلاغية بين (أحزان التقاويم وثقب الكلام ) هي علاقة حديثة لم تألفها اللغة من قبل وجملة ( دخلوا ثقب الكلام ليختفوا ) تشكل صورة جديدة تكسر الصورة المنطقية المتوقعة فالمألوف ان الدخول الى عالم الكلام يؤدي الى الظهور وليس الاختفاء غير ان الشاعر ارتكز في تكوين صورته المغايرة هذه على الإيماء الذي تتركه مفردة ( ثقب ) في ذهنية اللاوعي .

ويقول في قصيدة اخرى :-

صليبك يعلو في المواويل نخلة  مطهمة من موتك العذب تعذق  فكلمة ( صليبك و نخلة ) يدلان على السكون بينما تدل مفردة (مطهمة ) في المعروف اللغوي على الحركة لاقترانها بالخيل وعلى هذا سيكون التركيب ( نخلة مطهمة) ذا دلالة على الحركة وبالعودة للفعل ( يعلو ) ستكون حركة المقصود نحو الاعلى والمفارقة الاخرى هي ان ذلك الموت الناتج عن الصلب سيكون وسيلة للثمر عكس ما هو معتاد من انه وسيلة للذبول والاضمحلال . ولنأخذ مثالا اخرا يقول في احد ابيات قصيدة (ماتبقى من ذاكرة الهدهد):-

اتذكرين ؟ اذ الايام ناحلة تنأى واوراقنا بالمحو تمتلئ  فالمعروف ان العلاقة بين المحو والامتلاء هي علاقة عكسية الا ان الشاعر جعل منها هنا علاقة تكاملية بشكل مقنع مستغلا الدلالة الخفية لمفردة (المحو) والتي توحي بالموت من خلال ما توحيه جملة ( الايام تنأى ) . ان اهم ما يميز قصيدة اجود مجبل هو تلك الصورة الشفافة المبهرة التي تقفز في مخيلة القارئ بين مفردات تجمع بين الرقة والقوة .

 لقد امتاز قاموسه الشعري بالمفردات والتراكيب الشفافة الرقيقة فهو حتى في حزنه وغضبه وثورته يتخذ من لغة الهمس وسيلة للتعبير عن كل ما يعتريه. يقول في قصيدة (الى ابي في ذكراه العالية): اشرق الموت فيه صمتا نبيلا وتماهت به الجهات رحيلا رغم ان الموت هو عملية افول الا ان الشاعر قد اسند فعل الشروق اليه واصفا اياه بالنبل ان هذا التلاعب الشفاف في الاستخدام العكسي للأضداد جعل من لغة الشاعر وسيلة لرسم صورة مبهرة تمنح القارئ فرصة التنقل بين ازهار حدائقه دون الشعور بالملل او التعب انها تفرض حضورها اللذيذ على مائدة الإمتاع . انني لا اريد ان استمر في استعراض  مواطن الجمال والتجديد في قصائد اجود فهي اكثر من ان تحصى غير اني رأيت في الاشارة وان كانت موجزة الا انها تلقي بقعة من الضوء على منجز فريد في زحمة هذا الخضم المتلاطم الذي لم يترك القبح فيه للجمال موطئا الا ما شغله الجمال عنوة وفرض حضوره المدهش عليه ،تاركا للقارئ متعة الاستمتاع باكتشاف عوالم الشاعر اجود مجبل الساحرة .