
ثلاثيات حسين رشيد القصصية 2 – 2
تنوع الرؤى وحداثة التجريب
خليل شكري هياس
ينحو حسين رشيد منحى رؤيوياً آخرَ في (ثلاثية الرئيس) حين يعتمد في لقطاته الممنتجة على المونتاج الترابطي الذي يتم فيه تقديم مجموعة لقطات متتابعة تربطها موضوع واحد، لتغدو في النهاية القصص القصيرة الثلاث ( صورة، فحولة، إغتيال ) بمثابة القصة الواحدة، القصة الأولى( صورة) تستند في بنيتها النصية على بنية الإستهلال التي تعمل بمثابة العتبة القرائية التمهيدية لما سيتمظهر في القصتين اللاحقتين، إذ يعمد القاص فيها إلى تقديم صورة الرئيس من خلال لقطة سينمائية تفلمن المشهد المصور عبر راوٍ خارجي يشابه في دوره دور المصور الكاميراتي وهو يلتقط كل ما يدور حوله من أحداث ويرصد حركة الشخصيات في الزمكان: (( ثمة تجمع وتصفيق وهتافات، شخص ببزة عسكرية، يتوسط حلقة أولى من رجال مدججين بالأسلحة وحلقة أخرى أوسع قليلا، رجل آخر نال ما نال، من دفع، وسحب، وضرب، حتى نال مبتغاه بالوصول إلى الرجل صاحب البزة الخاكية. لتدفعه أكف أخرى. لكنه أصر على ذلك وتدافع مرة أخرى حتى مزقت ملابسه، وبح صوته من كثرة ما نادى وهتف. لينتبه له الرئيس وهذا ما تبين فيما بعد، ملوحاً بيده: دعوه يمر. لم يكن مصدقا ما سمع وما أن دنا منه حتى ارتمى على يده يقبلها لكن أكف الرجال سحبته بقوة، سأله الرئيس عما يريد، الرجل لم يكن يطمع بشيء سوى أخذ صورة مع الرئيس يعلقها في غرفة الضيوف. التقطت الصورة، وتم إيصال نسخة منها إلى بيت الرجل مؤطرة. وفعلا علقها بغرفة الضيوف، الأمر الذي أثار حفيظة زوجته، التي تعلم مدى كره زوجها وحقده على الرئيس، وحين طلبت منه تفسيرا لذلك، قال لها: منذ اليوم لن أكون مضطرا للهروب من الرفاق، حين يدهموننا منتصف الليل، والذهاب في قاطع الجيش الشعبي )). تشتغل الرؤية التشكيلية هنا على تقديم صورة الرئيس عبر مستويين قرائيين: ظاهري مباشر، يقدم الرئيس بصورة القريب من شعبه والحريص على معرفة أحوالهم وتقديم يد العون لهم، مما جعله محبوباً من قبلهم، على نحو ما نرى من تدافع الناس من أجل الوصول إليه، وآخر باطني مغاير، يعطي الوجه الآخر للرئيس، المتسلط والقامع لشعبه، مما يكشف عن علاقة تبعية قائمة بين سلطة قاسية، وبين جمهور مستلب الإرادة ليس له إلا الخنوع لهذه السلطة على نحو ما نرى من الشخصية المركزية الساعية بقوة إلى التقاط صورة مع الرئيس على الرغم من كرهها له، كي تتخلص من بطش رجاله الذين كثيرا ما يداهمون بيته ليسوقوه إلى الجيش الشعبي. هذه الثنائية القرائية المتناقضة تعكس البنية الثقافية السائدة في المجتمع العراقي في تلك الفترة، إبان حكم الرئيس والمتصفة بالمراوغة ولبس القناع، ونكران الذات التي لم تستطع الصمود أمام السلطة، والقاص بذلك يطرح قضية مصيرية تتمثل في صراع الذات العراقية الواقعة بين كماشتي الغياب/ والحضور، غياب الذات وحضور القناع، بين ما تشتهي من حياة كريمة ومصانة لكنها غائبة، وحياة حاضرة مقنعة تضم في طياتها الكثير من المأساوية بكل تفاصيلها. الصورة المأساوية تتجلى أكثر في القصة الثانية (فحولة) من (ثلاثية الرئيس)، حينما يتوغل المؤلف أكثر في الواقع العراقي وما يعانيه من تسلط لا يكاد ينفد منه أي عراقي، فالشخصية المركزية في القصة مسلوبة الإرادة، وغير قادرة على التحرر من السلطة حتى في بيتها، الذي تصله منهكة وغائرة في التعب: (( في تلك الأيام كان التلفاز، بقناتين وإذاعتين، الأولى مخصصة للرئيس تعرض زياراته، وأخباره، وصورا من المعركة، وقناة أخرى تعيد ما بث في اليوم الماضي، والإذاعتان بذات النسق. لكن رغم ذلك كان الناس يتابعون التلفزيون، عسى وعل، أن يتمتع الرئيس بعطلة يوما ما. ذات الرواية
وهي من ضمن هؤلاء الناس، كانت تتابع زيارة الرئيس الأخيرة، واستعراضه أمام الحشود، وكيف التقط صورة مع الرجل، متحسرة على حالها وحال زوجها، الذي كان يطرق الباب في تلك الأثناء. فتحت له الباب، وسارت أمامه وهي تدردم بكلمات قرف وملل. وهو صامت دخل الحمام أبدل ملابسه، وارتمى على الفراش، وقبل أن يغط بنومه، قرأت عليه اسطوانة كل يوم، ترى ماذا سيحدث لو كنت أنت الرئيس، فالشبه بينكما كبير، لكن تباً لذلك القدر، وتباً لك)). الذات الراوية هنا تكرس الصورة الانهزامية التي تعيشها الذوات الكائنة في النص والتي تتمثل بتحول الشخصيات إلى شخصيات مسيرة من قبل السلطة، حتى في مشاهدة التلفاز المكرس للرئيس، فالشخصية الرئيسة (الزوج) مثلاً شخصية دون هوية أو موقف، مسلوب حتى من اسمها الذي لم يفصح عنه المؤلف، وليس لها غير السير على وفق ما هو مرسوم لها، وشخصية الزوجة المتذمرة من الواقع دون أن تكون لها قدرة على التغيير، فنراها مستسلمة لهذا الواقع المر، وفي ذلك إشارة سيميائية واضحة لغياب الفعل بسبب الخشية من المصير الحتمي الذي تنتظره أي شخصية مناهضة للسلطة، مما يعكس حقيقة الأزمة النفسية التي تعاني منها الشخصيات، والمؤلف بذلك يقود النص إلى منطقة الفعل الأحادي من جانب السلطة التي تعمد دائما إلى قيادة الذات العراقية إلى منطقة الغياب الفعلي في سياق تصاعدي، يصعد بالأزمة شيئاً فشيئاً نحو الذروة التي سيجدها القارئ أمامه في القصة الثالثة (إغتيال)، عندم يكتشف القارئ في أفق توقع مكسور أن الرئيس الذي كان في مطلع القصة الأولى راعياً وساهراً على راحة الشعب، أنه خائن كبير له:
((لكنه اليوم السادس والزوجة حائرة لاختفاء زوجها، ولا تعرف أين تذهب ومن تسأل، فسكنهم كان ضمن المنطقة المحصنة وخروجها لم يكن بالشيء الهين، لكنها كباقي الناس كانت تراقب، وتسمع، وتصمت. في اليوم السابع وفي ذات وقت عودته المعهودة طرق الباب، وفتحت لكن هذا المرة من غير دمدمة، بل قبلته، واحتضنته بقوة، حيث كانت تلك الليلة حمراء بكل شيء، لكن شكا راودها، ببعض تصرفاته معها وخاصة في الفراش، كما انتبهت إلى ..، لتعود إلى نشوتها وهي تدمدم “يحيي العظام وهي رميم)). فالنص الأخير يفصح عن مفارقة مشهدية تتمثل في شخصية الشبيه التي يستعين بها الرئيس في تظليل شعبه، والإيقاع بخصومه من جهة، وتتمثل بوضاعة الرئيس (الراعي) _ كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته_ حين ينام في فراش شبيهه المقتول بالنيابة عنه. وهنا يصل المؤلف بالحالة المأساوية العراقية إلى ذروتها، ليعكس صورة أخرى من الوجع العراقي المأزوم. إن ثلاثية الرئيس بلقطاتها القصصية هذه ترسم فضاء سردياً قوامه الموت بنوعيه المادي، ممثلة بموت شخصية الزوج الشبيه، والمعنوي ممثلة بعدم فاعلية الشخصيات في الوقوف بوجه الرئيس الذي يرتكب ما يرتكبه دون محاسبة أو خوف من أحد، مما يلغي أية إمكانية لرفد الحياة العراقية في تلك الفترة بالحركة، ففي الوقت الذي تمعن الذات الراوية في النظر إلى الحاضر (المعظلة) وما يغلفه من وجع وألم، فإنها لا ترغب بالتحرك نحو ماضيها المتمخض عنه هذه المعظلة، ولا نحو المستقبل الذي قد يغير أو يقضي على المعظلة، مما يرفع من حجم المأساة والمناجاة إلى وضع تراجيدي. وتختلف زاوية الرؤية لحسين رشيد في ثلاثيته الأخيرة ( ثلاثية تك تك تك)، عن سابقاتها عندما يتخذ المؤلف من الزمن مرتكزاً رؤيوياً رئيساً في القصص الثلاث، إذ يجعل من المؤشر الزمني (صوت تكتكة الساعة) بنية فاعلة في تشكيل وقيادة البنى النصية الأخرى في القصص، خالقاً بذلك إيقاعاً قرائياً يحمل في طياته الكثير من الرؤى القرائية، كما أن الرؤية الممنتجة في هذه القصص تتخذ بعداً تشكيلياً أخرَ عندما تخلخل خط السير الزمني الذي وجدناه متتابعاً في الثلاثيتين السابقتين، ليكونَ سيراً استرجاعياً واستباقياً حسب مقتضيات الرؤية السردية التي يهندسها القاص، خالقاً بذلك (مفارقة زمنية) لا تتقيد بالتصاعد الزمني المتسلسل في سرد الحكاية، الخاضع لمبدأ السببية، بل تعمل على تغيير مسار واقعية الحكاية وخطية البناء التصاعدي عبر تسيير هذه المتواليات في مسار زمني فني ترتب فيه المتواليات الحكائية ترتيباً جمالياً تخضع لزاوية رؤية شخصية، ( ) فالقصة الثانية التي تتوسط القصتين تعود عن طريق الإسترجاع إلى زمن ماضٍ عن زمن القصة الأولى في مسعى من القاص لإضاءة النص الأول، وتغذية النص اللاحق بما يعزز من جوهر موضوع الثلاثية القائمة على مظهرة فضاء الموت المُرَّهب. الرؤية الزمنية للقصة الأولى تناولت الواقع العراقي في زمن الإرهاب وما رافق ذلك من ظلم وقسوة لم يسلم منها حتى البيت العراقي، والقاص بذلك يستكمل صورة العدو القاتمة، عبر تحقيقه مشهداً سردياً دموياً يقتل كل شيء، (الزمن) ممثلة بتكتكة الساعة، و(المكان) بتفجير البيت، (الجمال) ممثلة بأغنية فيروز، إنتهاءً بـــ (الشخصيات الساكنة في الزمكان)، والتي تمثل جوهر الحياة:
(( تك، تك، تك، أميال الساعة المنضدية تلاحق بعضها البعض وهي تقف على الرقم سبعة، ما يعني الاستيقاظ. في المطبخ كانت تك، تك، تك، أخرى ترددها فيروز وهي تنادي على أم سليمان وزوجها الذي كان يجمع الخوخ والرمان. الزوجة تنادي على زوجها طالبة منه أن يأتي بالصمون والبيض أو القيمر من المتجر القريب . تك أولى تعيد التنبيه، وتك ثانية تطلقها فيروز لكن (تك ) ثالثة كانت تنتظر الرجل الذي إندمج مع الأغنية أمام الباب وما أن فتحه إنتهت التك الأولى، صمتت (التك) الثانية بعد أن دوت التك الثالثة )). ينهض النص في تشكيل أسلوبيته، على مفردة (تك) المزودة بقدرة تصويرية ودلالية عالية تعمل على نسج خيوط السرد، مع تحولات في التوظيف تغدو معها المفردة ثيمة بؤرية تشتغل في أكثر من منطقة دلالية، فهي مؤشر لسريان الزمن المتسارع في أول النص (تك، تك، تك، أميال الساعة المنضدية تلاحق بعضها البعض)، وهي رمز للحياة عندما تغدو نوتة موسيقية وصوتاً غنائياً (تك، تك، تك، أخرى ترددها فيروز وهي تنادي على أم سليمان وزوجها الذي كان يجمع الخوخ والرمان)، وهي رمز للموت الذي جاء في البنية الختامية للمشهد السردي عندما يغدو صوتاً للعبوة الملصقة بباب البيت ( (تك ) ثالثة كانت تنتظر الرجل الذي إندمج مع الأغنية أمام الباب وما أن فتحه إنتهت التك الأولى، صمتت (التك) الثانية بعد أن دوت التك الثالثة)، والمؤلف في رؤيته السردية هذه يعمد مرة أخرى إلى إنتصار الموت على الحياة، إنسجاماً مع فضاء الموت الذي يرتئيه المؤلف أن يسود ثلاثياته القصصية. القصة الثانية – كما أشرنا آنفا- تشتغل في منطقة زمنية ماضية عن زمن القصة الأولى عندما تعيدنا الذات القاصة إلى العقد الثمانيني من القر ن المنصرم أيام الحرب العراقية الإيرانية وإن لم تصرح بها، لكن القرائن الحكائية في النص تشير على نحو لا تدع شكاً في الذات القارئة على أنها هي، والتي حملت في طياتها الكثير من الموت المجاني، وزرعت في النفوس العراقية الكثير من الحزن والمآسي، وكل ذلك قدمتها الذات القاصة برؤية ذاكراتية، استعانت فيها بالتقانة الذاكراتية في رسم خطوط السرد: ((ظلت أغاني فيروز تدور معه وخاصة (تك)، (تك، تك) يا أم سليمان حتى أصبحت نشيده الخاص، إذ رافقته مراحله الدراسية حتى تخرج من الجامعة إلا أن فرحة التخرج ظلت مسروقة، فالحرب الشرقية دائرة منذ سنين، ولابد من تأدية الخدمة الإلزامية التي تمتد شهوراً وسنين، الشهور الأولى التي قضاها في التدريب على السلاح. ومع أول معركة إندلعت شرق البصرة، زج مع جمع من الجنود في الصفوف الأولى، منهم من قضى نحبه، ومنهم من فقد، ومنهم من أُسر. لكنه مع جندي آخر أضلا الطريق فعاد يردد نشيده الفيروزي ومع خطواتهما الحذرة، سمع (تك، تك) تحت قدم زميله وقضى نحبه و(تك) أخرى سرقت ساقه ليعود بعد سنين إلى أمهِ متكئا على عكاز موجوع بعدما وقع أسيراً)). تشرع الذاكرة بآلياتها الذهنية والبصرية على إستدعاء ذكريات ظلت حاضرة في كينونة الشخصية المركزية التي نجدها حاضرة في ثلاثية التكتكة، من ذلك ذكرياتها السمعية مع صوت فيروز (ظلت أغاني فيروز تدور معه وخاصة (تك)، (تك، تك) يا أم سليمان حتى أصبحت نشيده الخاص)، وذكرياتها الأحداثية ( في الجامعة، وفرحة حفلة التخرج المسروقة من قبل الحرب، وساحة التدريب، والإلتحاق بالجبهة، إنتهاء بالمشهد الفجائعي الذي يرى فيه انفجار اللغم تحت أرجل رفيقه الوحيد الناجي معه من بطش الهجوم الأخير، الذي قضى عليه وأخذ منه هو أحد رجليه)،
دور القائد
وكل ذلك على أنغام التكتكة التي تأخذ هنا أيضا -كما هي الحال في القصة الأولى، وكما سنراها في القصة الثالثة- دور القائد الأوركستري لمعزوفة السرد، والذات القاصة بهذه التوليفة بين الذاكرة والسرد إنما يؤكد على واقعية القصص المجسدة للوجع العراقي، والسائرة بشكل أو بآخر إلى سرد سيري لتاريخ شعب مورس عليه أبشع أنواع الظلم والحيف. تشرع الذات القاصة منافذ القراءة في القصة الثالثة (تك تك تك) على أكثر من لقطة مشهدية، تشتغل فيها التقانة المونتاجية على توليف ثلاثة لقطات سردية، تبتدئها بلقطة استهلالية تفصح عن مزاولة الشخصية المحورية التي شاهدناها حاضرة في الثلاثية مهنة تصليح الساعات: ((وسط كومة من الساعات مختلفة الأحجام والأنواع والماركات، تمر ساعات يومه مع تكتكة عقارب الساعات ورقاصات البندولات، تدور حول أرقام وجهات تختلف الأوقات في مدنها، نال شهرة واسعة لمهارته ودقته في تصليح الساعات، كما إشتهر في انتقاء الساعات الأنتيكية التي لم تعد تسعها جدران المحل)) . تنطوي البنية الاستهلالية هنا على مقصدية تمهيدية للقراءة، تحاول معها الذات القاصة وضع الذات القارئة على طريق القراءة عبر رفدها بجملة مؤشرات قرائية، لعل أبرزها البعد الاجتماعي للشخصية الكائنة في النص، والمتمثل بإنتمائها إلى الطبقة الكادحة التي تعمل لتعيش، وهذا المؤشر يقودنا إلى مؤشر أعمق يتمظهر بتأثيرات الحرب السابقة والحالية على الشخصية والتي حالت دون أن تتمكن الشخصية من الانتقال إلى الطبقات الإجتماعية الأكثر بحبوحة في الحياة. اللقطة الثانية جاءت مصحوبة بمؤشر قارئي مهم يتمثل بحب هذه الشخصية لأغنية فيروز ( تك تك يا ام سليمان) التي شكلت لازمة سردية جوهرية والتي أسهمت بشكل فعال في رسم خارطة السرد في النصوص الثلاثة: ((كان يفتتح يومه بفيروز، وذات وقت جاءه رجل يحمل كيسا يحوي ساعة جدارية ثمينة، كانت خلفية عقاربها صورة الرئيس. وقبل أن يتحدث مع الزبون، نادى عليه جاره، ليغلق صوت المذياع ويستعيض عنه بدعاء أو قراءة مباركة من القرآن مثلما أسماها، لكنه تجاهل الأمر وعاد إلى زبونه الذي طلب منه رفع صورة الرئيس وإبدالها بصورة أخرى كان يحملها معه هذا بعد أن أكد ما قاله جاره، الأمر الذي دفعه إلى تجاهله في بادئ الأمر ومن ثم رفضه)). ولعل أهم ما في المقطع من علامات قرائية، التحول الثقافي الذي يطال بنية المجتمع، فبعد أن كانت ثقافة الغناء هي السائدة في المجتمع والتي ظلت ملازمة للشخصية الرئيسة في مراحل كثيرة من حياتها، نجد أن ثقافة التدين هي التي تتسيد الساحة وتبدأ بزحزحة الثقافة السابقة وفي ذلك إشارة واضحة للصراع الدائر بين العلمانية التي كانت مسيطرة لحقب طويلة على الساحة العراقية، والحركات الدينية التي أخذت تبسط نفوذها بشكل واضح وكبير. فنرى في المقطع أصواتاً تنادي باستبدال سماع الأغنية بسماع القرآن الكريم. كما يفصح النص عن تحول آخر سياسي هذه المرة، يتجلى في استبدال صورة الرئيس التي كانت تقبع في خلفية الساعة، بصورة أخرى، والذي يكشف عن انتهاء حكم الرئيس الذي قاد حرب الشرق كما يسميه القاص، بعهد سياسي جديد ليس أحسن حالاً من العهد السابق كما كشفت عن ذلك ثلاثيات القاص، وكما سيفصح عنه المقطع الأخير: (( ومر يوم وآخر وآخر، وذات صباح وهو يهمّ بفتح محله وجد كيسا عُلقت عليه ورقة بيضاء دوّن في أعلاها “أرجو تصليح الساعة” وبعد إن فتح باب المحل وهو يتفحص الساعة الثقيلة بعض الشيء، كان يسمع تكتكة أخرى بداخلها لكن عقربها والرقاص متوقفان، الأمر الذي دعاه الى كشف السبب، إلا إنه لم يتمكن فعقرب آخر ورقاص كانا يتسابقان للتطابق فوق بعضهما)). فالمقطع الذي جاءت بمثابة البنية الختامية في النص، يفضي إلى النتيجة التي آلت إليها الصراعات بين الأطراف المتواجدة في الساحة العراقية، العلمانية منها والدينية فضلاً عن السياسية بكل توجهاتها وأيديولجياتها المتضادة مع بعضها، والتي تصل حد التصفية أحياناً، واللقطة المأساوية هذه إنما تؤكد وتعزز ما أراد أن تجسده الذات القاصة على طول مسار الثلاثيات من تأطير لفضاء الموت الذي تمرأى لنا بأشكال مفجعة هيجت الوجع العراقي الذي ظل حاضرا في الذات العراقية لعقود من الزمن، في مسعى من الذات القاصة إلى تقريب التجربة من اهتمام القارئ بغية إشراكه في النص، لأنه ((المساحة التي يرى فيها المبدع أثر تجربته مرئية ومشاهدة أمامه، كما أنه يشعر بالارتياح من خلال مشاركة الآخر بما يعاينه))(2 ) من هنا تنبع فلسفة النص الإبداعي شعراً كان أم سرداً في جانبٍ من جوانبه، الذي لابد أن يتوفر على شرطه الإنساني المنبثق عن المرسِل والرسالة والمرسَل إليه.
الهوامش والإحالات
( 1) نظرية المنهج الشكلي- نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة: إبراهيم الخطيب، مؤسسة الأبحاث
العربية المشتركة والشركة المغربية للناشرين المتحدين، بيروت – الرباط، ط1? 1982 : 175 – 185? وينظر: جمالية العلامة الروائية :46
(2 ) التجربة الشعرية في الأدب العربي المعاصر: دراسة تحليلية لتجارب شعراء الحداثة العربية، هشام محمد عبد الله فارس، أطروحة دكتوراه، بإشراف أ.د. إبراهيم جنداري جمعة، جامعة الموصل، كلية التربية، 2001 : 32 .
























