النوستالجيا في الشعر العراقي

النوستالجيا في الشعر العراقي

ضرب من التخلي عن الحاضر

إبراهيم خزعل خليفة العبيدي

 لا شكَ أنَ الأدب العربي يسعى إلى بواعث التجديد ومواكبة الحداثة الغربية، ولا زالَ الناقد العربي يخلق ديمومة التطور والتجدد، في استشراف المستقبل بغية الوصول إلى التصاعد في المرجعيات الثقافية والنظريات الأدبية تصل إلى مستوى الإبداع وفك شفرات النصوص الشعرية، ومن الظواهر التي حققت انتقالات فنية وموضوعية ونفسية “النوستالجيا” من أجل اكتشاف شعرية النص الأدبي، واستحضار علاقات وشبكات الماضي؛ لأنها ستبدد هموم الحاضر التي يجسدها السياق. وبدورنا نسعى في هذه المقالة إلى تقديم مفهوم عن “النوستالجيا”، وماذا تقدم لنا النوستالجيا؟ وما علاقتها بالزمان والمكان؟ وهل لها علاقة بالشعور النفسي، أم إنها علاقة آنية؟ وكيف تعامل الشعراء مع هذه الظاهرة؟ لذا فإن شعراء العراق قد عاشوا في خلخله اجتماعية واضرابات سياسية، دعتهم إلى مغادرة المكان الأول والعيش في ديار المنفى، وهذا السبب جعلنا ننتقي نماذج من الشعر العراقي ميدانا رحبا لهذه المقالة.

أن العلاقة التي يؤسسها الإنسان بين زمنين أحدهما إيجابي والآخر سلبي، ليست حالة عابرة أو عشوائية، وإنما حالة استرجاع وعودة إلى زمن الماضي نستطيع تسميته بالمثالي، أي هي حالة تحرر من لحظة اليأس والقنوط، وزمن الألم والفقد، والتحليق نحو لقطات من الماضي البهيج، فالذاكرة أسيرة لمزيج من صور واللحظات الماضية والحاضرة، من الطبيعي أن تحدث حالة استرجاع واستباق، نحو أيام المثال والحلم والصراع على إيقاف لحظات الصراع والنزاع، فمن الطبيعي أن تزداد ظاهرة النوستالجيا في الوقت الحاضر بسبب ديمومة الخراب والدمار الذي عصف بالبلاد، فراحوا الشعراء يتغنون بالماضي الجميل وايام الطفولة، ولسان الحال يقول أين كنا وإلى أين وصلنا؟.

 وجدير بالذكر أن النوستالجيا لا تقتصر على الزمن فقط، وإنما هناك لحظات ومواقف ومشاعر إيجابية، يبقى يلاحقنا هاجس الحنين والعودة إلى تلك الإيام، هرباً من لحظات الحزن والكأبة والخوف، بحثا عن ذلك الاطمئنان والاستقرار عند الرجوع إلى لحظات من الماضي، هذه الحالة يطلق عليها “نوستالجيا”.

وقد ذكر أصحاب علم النفس أن “النوستالجيا”: “هي آلية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية، لذا فإنها تكثر في حالات الملل أو الشعور بالوحدة خاصة عن كبار السن، أي عند شعور الإنسان بأن حياته فقدت قيمتها وأصبحت تتغير للأسوأ، فيقوم العقل باستدعاء ذكريات الماضي الطيبة بدفئها وعواطفها، فتعطيه تلك الذكريات الدفعة التي يحتاجها للتعامل مع التحديات الحالية، فكما يقولون أن الماضي هو “قوت الأموات”، فالنوستالجيا هي مورد نفسي يهبط فيه الناس ليستعيدوا حياتهم ويشعروا بقيمتهم، وهي من السبل الناجحة في صد الاكتئاب وقتياً، فتشعر بأن حياتك البائسة كانت ذات قيمةٍ يوماً ما”.

واحيانا تكون النوستالجيا تعبيراً عن العجز في مواجهة الظروف والتحديات والبؤس والشقاء، فيلجأ الشاعر إلى الهروب نحو ذكريات ولحظات الأمل والتفاؤل، وكأنها محاولة هروب من الحاضر والعودة إلى الماضي، كما هو الحال مع الشاعر مظفر النواب والعودة إلى الطفولة واستحضار صورها، بعيداً عن هواجس الأغتراب والحرمان والشوق إلى أيام السعادة الممزوجة بحنان الأم:

صنعتني ليلة حب أمي

أقطر في الليل

وأسأل ثلج الإنسان

متى سيذوب

 وهنا تتعانق الأحلام من عالم الوحدة والضياع في صورة الغابة المتمثلة بالحبيبة إذ أن غياب الحبيب والبعد عنه حضور بالذاكرة كما في قول عبد الوهاب البياتي:

علمت – إني هارب طريد

في غابة في وطن بعيد

تتبعني الذئاب عبر البراري السود والهضاب

حلمت – والفراق يا حبيبتي عذاب – إني بلا وطن

أموت في مدينة مجهولة

أموت يا حبيبتي

وحدي بلا وطن

ويطالعنا الشاعر فوزي كريم بصورة أخرى يصور المنفى بلغة النوستالجيا المتمثلة برجاء العودة المتعانقة مع الأمل في قوله:

يكفينا شوقا عراقيين أضاعوا الشوق

ولم يصلوا

وأقول هنا

في منحدرك

أعلنت صباي

وسأعلن فيه نفاذ الصبر، نفاذ الصبر على إثرك

سأعود إليك فانشب اضفاري في إحزانك

واحني الكف بأطيانك

وأقول هنا تسكرني قهوتك المرة

يسكرني الأمل

ولو مرة

 وسيظل المنفى يتردد كلما حاول الشاعر الأنكفاء إلى مشاعر الفرح والبهجة في الزمن الماضي ليغدو أحدهما ظلاً للأخر كما في قول الشاعر عدنان الصائغ:

العراق الذي يبتعد

كلما اتسعت في المنافي خطاه

والعراق الذي يتئد

كلما انفتحت نصف نافذة

قلت آه

والعراق الذي يتعد

كلما مر ظل

تخيلت فوهة تترصدني

أو متاه

وبعد أن غادر الشاعر سعدي يوسف أرض العراق، يعود إليها عندما فقد مبتغاه ويجد الحياة في وطنه رغم الوجع إذ يقول:

لمن سوف نترك تلك البلاد

ومن قال إنا سنتركها…

سوف نأتي إليها، لنأتي إليها

لنسحبها من ضفائرها قبل إن تختفي بدم

البئر

أو قبل إن تختفيفي سرها

البلاد التي أوجعتنا طويلا

ويعبر الشاعر فاضل العزاوي استعادة الماضي بعد واقع الفجيعة والخراب في الحاضر فيعترف بنوستالجيا عالية قائلاً:

أعترف الآن لكم أنيّ مللتُ قصّة المطر

فها هو الحنين

يخضنيّ للشمس والقمر

لزرقة السمّاء

تعبرها الغيوم

للنوم في منتصف الليل على السطوح

للصيف في بغداد

لآبهِ اللّهاب، للحانات في أواخر السماء

لضجّة المارة في الشوارع

لصائدي الأسماك في دجلة

لنزهة النسّاء في الحدائق.

 ونلخص الحديث عن النوستالجيا بأن الشاعر يحاول الوقوف وتذكر لحظات الهدوء والاطمئنان في شوق جارف، ليس له حدود، لعله يصل إلى استعادة زمن الطفولة والبراءة، أو زمن العيش الرغيد بعيدا عن الحزن والشجن والمأساة وترميم فجوات النفس البشرية، وهذا ما دفعنا إلى فهم الكثير من الدلالات السيميولوجية والإديولوجيات التي تجعل النوستالجيا ضرباً من ضروب التخلي عن الحاضر والعودة إلى الماضي.