شفتان من نار تلهمان الياسري أعذب القصائد

شفتان من نار تلهمان الياسري أعذب القصائد

الشاعر يلتزم بقواعد العشق العربي

عبد اللطيف الموسوي

يسير محمد الياسري في مجموعته الشعرية (شفتان من نار) الصادرة عن دار الجواهري على نهج من سبقوه من شعراء الغزل العرب فيركز اهتمامه البالغ على المرأة التي كانت ولاتزال قبلة الشعراء في كل زمان ومكان الذين دأبوا على وصفها بأحلى وأجمل النسيب وتغنوا بمفاتنها وعذوبتها باثّين لوعتهم وعظم ما يكابدون من نار الهوى وجحيم الجوى . ومع ان اليايسري يحاول ان ينأى بنفسه عن التغزل المجرد بالمرأة الا انه ينجر الى ذلك بعفوية من دون تخطيط مسبق او اصرار ولعلنا نجد له العذر فما عسى للنفس الانسانية ان تفعل ازاء مشاعرها واحاسيسها وقد خلقها الله ضعيفة . اقول ذلك وانا اقرأ ماكتبه على غلاف كتابه: (ما كان هاجس الشعر عندي هوساً للشهرة او الاضواء وما كان طريقا لكسب القلوب او التغزل بمفاتن وجمال وترجمة لمشاعر عشتها او اعيشها او ربما ستكون رفيقة درب في المستقبل . ديواني هذا كلمات اردت من خلالها إسعاد محبي شعر الغزل وخاصة بعد انحسار هذا النوع كثيراً بوفاة الشاعر المبدع والمتألق نزار قباني الذي تعلمت من حروفه الكثير. اقول هي محاولة لوضع الكلمات في موضع اتمنى ان يصله كل محب). ويعترف الياسري هنا بأنه قد تأثر بقباني ولانجد صعوبة في اكتشاف هذا الامر بدءاً من العنوان حتى اغلب قصائده وهو تأثر له مسوغاته فقد افتتح الياسري وابناء جيله عيونهم على قصائد قباني وهي مغناة بصوت العندليب الاسمر وغيره حتى قبل ان يطالعوها في دواوينه ويبدو لي ان الياسري سعى ايضا الى محاكاة قباني في تركيزه على الأنوثة والجسد بشكل خاص ثائراً على القيود والمحرمات الا ان بيئة الياسري لم تتح له الغوص كثيراً. ويصر شاعرنا على إطلاق تسمية (الديوان) على مجموعته الشعرية وهي تسمية تكاد تكون قد انقرضت في وقتنا الراهن ولكن اصراره هذا له مايسوغه ايضاً فهو يريد ارجاع ذائقة المتلقي الى زمن جميل قد ولى متشبثاً برغبة عارمة في احياء اجواء الشعر العربي الخالد من خلال قصائده المفعمة بالوجدان والغزل والسمو الانساني على الرغبات الآنية الزائلة وإن كانت قصائده غير عمودية ولم تلتزم بقواعد الشعر العربي الصارمة الا انها التزمت بقواعد العشق العربي . ضم الديوان 36 قصيدة حملت عناوين شتى تدل في مجملها على التغزل بمفاتن المرأة الحبيبة . يكشف الياسري في اهدائه عمن كان وراء هذه القصائد ومن كان وراء كل هذا الوجد من خلال قوله (الى من علمتني ابجدية العشق..وزرعت فيَ اغاني الفرح والألم.. الى من اسكنت هواها في القلب .. وارتوت شوقاً من عذاباتي… الى من احب … قصائد شوق وحب…) . وبدءاً من العنوان(شفتان من نار) يدخلنا الياسري في اتون مشاعره من خلال الشفتين اللتين من دون شك مقصد كل عاشق متيم والشفتات يعنيان القبلة ، والقبلة هي رسول المحبين. اذاً فقد اراد الشاعر ان يرسل رسالة ما الى من يحب لكنه في الوقت نفسه ارسل رسالة الى المتلقي مفادها ان الغزل لايزال حاضراً بقوة بوصفه احد اهم اغراض الشعر العربي. لكن الشاعر يفصح ايضاً في قصائده عن انسانية عذبة فيعلن استعداده لتحمل الاذى ففي قصيدة(أعتذر ..لأنني احببتك) يقول: (قلت: قطتك جميلة تشبهك / قالت إحذر خربشاتها / دعيها سيدتي.. تزرع اظافرها بقلبي / لأنها من رائحتك / دعيها تتسلق الصدر / لأن يديك مسدت شعرها / لربما يسكن الشوق لثوان / وأنسى غدر زماني). وفي قصيدة (الافرشة) يكشف عن شاعرية لافتة من خلال الصور الجميلة التي حفلت بها :(في تلك الحجرة المنزوية عن الانظار/ أفرشة متهرئة / ممزقة / تنبعث منها رائحة الموت / تكره معانقة الضوء / افرشة مرت عليها اجساد واجساد / متعددة الالوان والألسن / لكنها بقيت كارهة للضوء/ افرشة … تعودت الصعود والهبوط/ الآهات والزفرات/الإمساك بالغطاء أو رميه / لكنها لاتزال حاقدة على الاضواء / افرشة البعض يبحث عنها / كإنها الفردوس المفقود / وكإنها ملاذهم /  ياليتهم يدركون يوما ً/ انها للضوء قاتلة..)ويتساءل في قصيدة(تحبني..ذلك قدرك) قائلاً: (هل يعقل أن يكون /العشق هكذا../ لاوصل../ لاوفاء../لا حضن دافئاً / لاشفاه ملتهبة../ لافرح ولهفة بلقاء  المحبوب؟) وفي قصيدة تخاذل يظهر مدى تخاذله امام الحبيبة برغم ادراكه ان الامر ليس صحيحا : (الى من نزعت البسمة من شفتي/ علمتني الايام ان لا امنح قلبي / لأمرأة../ لكني سلمته بطبق من ذهب/ إليك) . وتحضر القبلات في قصائد كما ظهرت في عنوان الديوان وإن كانت محجوبة وراء الشفاه، ففي قصيدة(تعلق بي ..تزداد ألقاً) يقول (كنت اريد ان اقول لك/ اطبع على شفتيك/ مليون قبلة/ بعيد ميلادك…). وفي قصيدة اخرى يقول (حقاً اعشقك/ وابيع العمر لترضى/ واكون حلمك/ الذي يرسم البسمة / ويطبع القبلة/ ويلثم شفتيك/ ليكون ليلك مطرزاً / بنجوم تنبيء مدى هواي).في قصيدة ستروضك قبلاتي يقول(لن ينال غرورك..من كبريائي..وستكونين طوع بناني/فكم من مهرة جامحة ../ روضتها قبلاتي/ وان انكرت موعدي/ فغدا تتوسلين لقائي) وفي القصيدة نفسها نقرأ في مكان آخر(لن ادعك تفلتين/ من يدي/ مصيرك انا ارسمه ../ وبقبلاتي ستكتوين/ وحينها ستطلبين المزيد والمزيد../ لأنك دونها… لاشيء). في قصيدته (شـفـتـان من نـار) التي حملت عنوان الكتاب نراه يتغزل ايضاً بخصلات شعر الحبيبة بعد تغزله بالشفاه قائلاً(دعيه ينسدل كليل..قد تذيب القلب.. خصلاته..عطره يملأ روحي..بشهقات تمنيتها..تداعب أصابعك خصلاته..ليتني كنت أنا..حينها قد يغيب الفؤاد..عند سواده..تبدين حائرة ..مترددة..كأنك تخشين المجهول..أو تكرهين ..المغامرة ..لكن إن أقتحمك صوت العشق..انسي كل شيء ..واستسلمي له..ثم استمعي لنبضات القلب..حينها ستذوبين على شفاه الحبيب…) ومن عناوين قصائده ندرك للوهلة الاولى ان لاشيء في وجدان شاعرنا ليكشف عنه سوى الحب ، فالحب كما يبدو هي قضيته الاولى في الاقل بين دفتي هذا الديوان الشعري وحسبنا ان نشير الى بعض هذه العناوين:  (اتنفس بك ، اعتذر لأنني احببتك/ اغرق بعينيك، ستروضك قبلاتي، عاشقة تلهو بقلبي، ياعاشقة أضعت الهوى بين اطلالة وغياب، جميلتي ، جميلة انت، الى من تعشش في قلبي،انا لست بيوسف.