
يَكتبُني التَّوق للشاعر شلال عنوز
نزف الحروف وجمال الإيقاع
ساجدة البغدادي
استوقفني عنوان نصِّ للشاعر شلال عنوز (يكتبني التوق) لماذا التوق ؟ لماذا جعله يكتبه ؟ وما ان قرأت القصيدة الاّ وأبهرني الردّ ، فالشوق يضجّ عنده الى مالانهاية ,هو مداد كلماته وعزف روحه ، يعاتب برفقٍ وكأنه يتوجس لمس الحبيبة خوفاً من أن يؤذيها ، لكنه عتب أوجعه فعزف هذا الوجع لحناً بكلمات لوّنتها صوره الشعرية النابضة بصدقها – لا اقصد صدقها الواقعي ولكن قوة سلطتها على طرفي الخطاب الشعري ، فنراه يغوص في ألم الحنين فيخاطبها :
متى…؟!!
لتأتي بعد متى صور شعرية تكاد تنطق حياة ,كلُّ شيءٍ فيها يتجدد إذ يقول :
يراقصك الضياءُ
على عزف نواسيّ القصيد
متسربلاً فاختات من ضوء
تتلألأ نجوما في مآقي
نهيرات القنوت
يَتشطأَنُ عندها دفق
سير الحكايا
فاعتماد الشاعر على الفعل المضارع تجعله دائم الحدوث )يراقصك ، تتلألأ ، يَتشطأَنُ ( كلها تدل على الحركة المتجددة في صورة سرد شعري يغرسها الشاعر في مخيلة المتلقي؛ ليرسم بهذه اللوحة حبيبة يراقصها الضياء على صوت عزف يأتي من أعماق تجليات ليالي شارع أبي نؤاس فقصائده تعزف وتتلألأ مع النجوم في هذا الضياء؛ لتبهر المتلقي في دفق من سير الحكايا .. وما ان يجد الشاعر المتلقي قد تمايل مع صوره وعزفه الا ويرسم له فرح نفسه قائلاً:
فيصطافني رفيفٌ خزاميُّ الهطول
يغمرني الصَّفو
مُعانقاً تسابيح الفرح
على مُحيّا النهار
فهو مازال يعيش الحلم فربما تناسى أنها بعيدة عنه، فاراد ان يشعر ببعض قوة الخيال عنده ، فهذا رفيف خزاميّ الهطول ، انظر الى طباقه بين الرفيف الرقيق والهطول الشديد لينقلنا الى الصفو كيف غمره ، فلو لم يكن الهطول لم يكن الغمر ؛ ليعانق تسابيح الفرح في صباح جميل ، للفرح نكهة في الصباح فهو شروق للروح .ولكن مايتمنى الشاعر بعد رسم هذه الصورة( صفو ، فرح ، صباح ) يقول :
أتمنّاكِ فراشة…
تداعبين الازهار محتفلة
بهمس ربيع العشق
ترشّين وجه الفجر نثيث الندى
تلوّنين الأفق أسرار قوس قزح
تعلّمين الحقول رقص المرايا
ماأرق هذه الامنية (فراشة ) وازهار وربيع عشقٍ( ترشّين ، تلوّنين ، تعلّمين ) ماهذه اللوحة الناطقة بالحبّ، فالمتلقي يرسم معك خياله وربما وجد حبيبته )الفراشة ( مع الندى وقوس قزح ، هل تلاحظ كم هي رقيقة تلامس العين بشغف العشق بالامنيات والفرح المتمنى ؟، كم أشعر بوجع الشاعر، فكلّ هذا عتب شفيف من شغاف القلب ,قلب يعتب ويتمنى في تموسق هادئ ينساب مع الروح؛ ليبدأ من جديد عتبه بتوق أشدّ مرارة إذ يقول :
أيّها العمرُ متى؟….
كلّ النهارات تضجّ بها
شهوة الشَّقاء
هناك على بُعد امتار من الحقيقة
ضوءٌ زمرّديٌّ يومئُ بالاقتراب
شرطيّ الصمت مازال معلَّقاً
في عُنق شيخوخة الطريق
جمل اسمية
هاهو الشاعر ينتقل الى الجمل الاسمية وثبوتها، ليبوح لنا كيف تمرّ نهاراته هي ليس تصرخ فحسب بل تضج بشهوة الشقاء ومااعمق انتقاء هذه المفردة (الشهوة)و(الشقاء) فكل مفردة لها معنى يوغل في الوجع ، فكيف ان اجتمعت معاً وفي ذروة هذا الوجع يقترب هذا الامل الجميل )ضوءٌ زمرّديٌّ يومئ بالاقتراب( ؛ لتنفرج اساريره ولكن باستحياء فمازال الصمت معلقاً في نهاية الطريق، فالشاعر في كلّ تركيب يرسم صورة شعرية في سرد جميل فهو لايتكلف في رسمها بل تأتيه طائعة لتدخل محراب تعبده …تعال معي الى:
تَرجّل أيّها النسيان
لماذا يترجل ؟ وهل حقا كان النسيان منهما ، فما قرأناه في النص وماشعرنا به يبعدنا عن ان الشاعر فكّر بالنسيان او استوطن ذكرياته، فهي مازالت ضياء ، عمراً ، فراشةً ، مازالت توقاً لا يعرف الارتواء حنينا يستعر ليحرق كلّ شيءٍ الا حبه لها :
مابين تلابيب القلب
وذاك النبض
مدائن صلوات
تهلّل لعناق ازليّ
انهمري معي ؟
تساقطي شلالاً على سبخ روحي؟
تراقصي كلماتِ صبٍّ ..بوحَ نجاة ؟
انظر كيف يرسم القلب عنده والنبض عند الحبيبة أيّ وصال هذا ؟ وأيّ توق يتغلل في أعماق مشاعره )مدائن صلوات ، تهلل لعناق أزلي ( فتفاؤله بالعناق صوفي ، عناقٌ لا فراق بعده !!! ، فروحه أرض استوطنها الملح تشكو السبخ ، فشلال الحبيبة يحييها نعم ، فسقوط الماء بقوته يذيب سبخ الروح ؛ لتأتي كلماتها راقصة ببوحٍ ينجيه ، فأيّ عشقٍ هذا فهو أزال ملح الروح خوفاً من اتساخها في أجمل بوح صبّ يتسامى ، فالشاعر هنا جعلنا نعرف مدى حبه لها وهو حبّ يعتمد الحركة يجبر المتلقي على متابعته وملاحقة هذا العزف والرقص ما إن إطمئن الى أن المتلقى قد أصبح اسيراً لصوره الاّ واطلقه بوح شفيف يأخذ المشاعر بالتهليل :
أُحبّك شاعرةً كناريّة الشّدوِ
تَزقُّ الحروف في فَم المدى
أنظر حبيبته شاعرة!! لله درك من شاعر !! فقد مهّدت لهذه، فهي تجيد العزف بالكلمات والرقص بها ، هي من علمت المدى الشّدو ، فلا عجب ان تعشقها وتتوق لها الروح ويترجل النسيان مع ذكرياتها يقول الشاعر:
أهيمُ في مدائنك المُبلّلة
بشذى البنفسج ..رائحةِ القــــــــــدّاح
تنزفُكِ المواويل قلائد زهر
تَصهل فيها بواكير
أهازيج الحالمين
مازلت مع الشاعر أهيم في مدائن حرفه العابق بالقوة والتمكن كما يهيم هو في مدائن حبيبته المبللة بكل أفانين الجمال معتمدا في ايصال هذه الصورة الفنية على القوة والشدة فصفة الشذى هي قوة الرائحة وشدتها فانتقاء(شذى البنفسج ) جعلنا نشمها ليردفها برائحة القداح وهو أول الزهر والثمر الرائحة الشديدة الطيبة من فصيلة النباتات الليمونية تجعلنا نستمتع بها وهذا ماأراد الشاعر ان نعيشه معه ونتأثر بعبق لثمه فأيّ امرأة هي هذه الحبيبة حتى المواويل تنزفها ولكن هو نزف محبة ، نزف جمال ، قلائد زهرٍ ، ماأروع مايسطر هذا الشاعر كيف يجعل القوة زهرا تصهل بها أهازيج الحالمين وتجلّيات مواويلهم ..فالحلم رقة كيف تصهل فيه الاهازيج فهو يريد ان يوصلنا الى مايشعر به هو تختلط عنده مشاعر ينزفها صورا شعرية كلما تناقضت زادت بهاءً وتسلطت على المتلقي وسلطتها قياس جودتها وروعتها .. نطقها ونبضها ..حلمها وحقيقتها …كللها الشاعر روحه ، قلبه ، أحلامه ، أمنياته ، حنينه ، توقه ، ومازلنا معه نعشق ونرسم إذ يقول :
يكتبُكِ المساء رقائق ماسِيّة التَّجلّي
يكتبُني التّوق انثيالاتِ التياعٍ
تتبعثر وجداً راقصةً
مصابيح فجرعلى خدّ اللقاء
مطابقة الصورتين
في هذه الابيات يعتمد الشاعر على المطابقة بين صورتين صورة يرسمها للحبيبة في ان المساء يعشق حبيبته فيكتبها , أيّ امرأة هذه التي يكتبها المساء والأروع كتابته لها رقائق ماسية التجلي ، كم شفافة هي ، والصورة الثانية للشاعر ولوعته وكيف يكتبه التوق والحنين بتساقط وتتابع الالتياع وهوالاحتراق مِنَ الهَمِّ أَوِ اللَّوْعَةِ أَوِ الشَّوْقِ لكن الشاعر لايستكين لهذا التوق فجعله يتبعثر حباً وضوء فجر ليوم اللقاء ، فالشاعر يعتمد الاستعارة في رسم صورة فكيف يكون الوجد راقصا او كيف يكون للقاء خداً فكلما أوغل الشاعر في اعتماده للمجاز كان تواصله مع المتلقي اقوى واكثر تأثيرا..؛ لذا نجده يختم اسطورة الجمال بهذه الصور إذ يقول :
فأرتّقُ ماتبقّى من قافلة الشّوق
وأزفّك عروساً
تسبح بعبق زنابق الماء
شاهرةً أبجدية الحبِّ
في وجهِ المدى
يحاول الشاعر في هذه الابيات ان يخفف الألم والوجع في روحه الملتاعة برسم صورة نابضة من أجمل صور التوق والاشتياق ليرتّق ماتبقى من قافلة الشوق ايّ قلبٍ هذا الذي استوطنه العشق فيأبى الا أن يزفَّ حبيبته عروساً ولكن أيّ عروس هي عبق زنابق الماءعندما يشتد أوار نسيم الوجد ليشهر الحب وذرى قصائده في وجه المدى …شاعرنا لاييأس من حب حبيبته فهي له وللحب مهما عانق الشوق والتوق روحه وروحها …
شاعر يتدفق توقا وحنينا ورقيّ حرف ..استوقفني عنوان قصيدته فتأملتها برؤية إنسانة أحبت نزف الحروف وجمال الشعر فأبى سلطانه الشعري الا أن يجرجرنا في مداه المورق بخضرة القصيد مماأثار في نفسي شهوة الكتابة بابهى صور الاعجاب …شكرا لحرفه الموغل محبة والمتجدد إبداعا …
























