
الواقعية السحرية في سفاستيكا لـعلي غدير
ظهور اللامعقول وتفسير الغامض
رنا صباح خليل
ان البحث في هذه الرواية عن نسيج فني يمتحن القراءة ويحرضها على التقاط روح المغامرة لتبني فعل جديد مشترك يلتحم فيه سياق التلقي بالسياق النصي ما هو الا كشف لحياة باطنية اظهرتها الرواية على سطح السرد واعادت انتاج آلياتها ضمن الحكي المخزون في جوف الرؤية الخاصة بالمؤلف، ومن ثم اسطرتها لولادة حياة رواية جديدة، ولا يخفى ان المباشرة فيها اصبحت ضرورة لأثبات عدمية افلاس الأدب في مخاطبة الانسان والمساهمة في ادراكه للمخفي في عصر الانتهاكات والحروب، وهنا لابد من التساؤل هل كان علي غدير على دراية بما ألزم نفسه وهو ينشئ روايته البكر من مهام عليها ان تقوم بها لتبدد الجو الضبابي المعتم الذي رزح في اذهان الناس حول السلطة؟ ان هذا الالزام لا يؤخذ على انه رد فعل من جانب القارئ ازاء ادعاءات المؤلف وافكاره، فالطرح بكل اشكاله وارد ومشروع وربما يستدعي المقارنة او يستلزم الأضافة وهو بكل معانيه يفصح عن قناعة، رواية (سفاستيكا) لعلي غدير الصادرة عن دار سطور للنشر والتوزيع والحائزة على جائزة بغداد للرواية لعام 2016 توثق لمرحلة ما قبل التغيير في العراق بدءاً من عام 1979 ولكنها لا تقدم تفصيلات للأحداث السياسية بقدر ما تبثه من تهويمات مكثفة وملامح واشارات حول شخصية الرئيس الدكتاتور وايديولوجية تكوينه، وهي رواية نستطيع ان نضمها الى تيار الواقعية الا اننا نصطدم بالمثيولوجيا التي تحيلنا الى السحرية والخرافة فتجعلنا نصنفها في خانة الواقعية السحرية إذ اننا نلحظ ملامح الواقعية السحرية بدءاً من العنوان الذي يشير الى الحظ السعيد حسبما جاء تفسيره في اللغة السنسكريتية، هذا العنوان يتوازى ضمناً وبدقة محسوبة في تناقضها مع الجانب الواقعي الممثل لأحوال العراق بعد عام 1979 من اوضاع فساد وفقر ونزعة لتشرب الخرافة والايمان بالشعوذة والسحر، جنبا الى جنب مع عوالم ما ورائية تتبدى في ارتباط وجود العملة النقدية في جيب (حواس) وعلاقتها بالتقائه بالرئيس فضلا عن الدلالات والمحمولات الرمزية المنسوجة حول بطل الرواية التي من ضمنها التقائه بالعراف في القطار وحديثه عن الحظ وقانون الجذب ونظريته التي سوف تفصّل بها الدكتورة حواء لاحقا بعدّها نهجا للحياة فضلا عن الخوض بالفلسفة نفسها من قبل العرافة الفرنسية وكل ذلك سوف يبدأ التأسيس له بعدما يلتقي حواس بالعرافة التي تفترش المطعم في بغداد حين يفشل في الحصول على جسد دلال بائعة الهوى التي سرق (حواس) من اجل الحصول عليها خلخال امه عندما كان يسكن في احدى قرى كركوك كي يستطيع المجيئ الى بغداد باغراء من ابن الشيخ، وبذلك يصنع الكاتب روايته لتمسك بخيوط الواقعية التي لا ينفك ادبها يلازم المجتمع وحياته مع السحرية بجوانبها المتعددة مؤثثا فضاءات الروي.
محاور اثثت للواقعية السحرية في الرواية:
أولاً:ـ الصور السريالية الملامح
يقول اندريه بريتون “ان السوريالية تلقائية فنية أو حركة ذاتية خالصة تميل الى التعبير حرفيا بالكتابة أو بوسيلة أخرى، عن عملية التفكير الواقعية او ما يمليه التفكير في ظل غياب كل سلطة يمارسها العقل وخارج كل الانشغالات الجمالية والأخلاقية”.
والكثير يصفها بأنها محاولة لفهم الواقع المتعالي والتعبير عن اللامنطق والتجديد الظاهري للواقع او هي محاولة فهم العقل الباطن بصورة يعوزها النظام والمنطق اي بصورة فوق واقعية عن طريق الغرابة والادهاش وخلق المصادفة بطريقة تغرف من اعماق الذات هذيانات ترشد الى التوليف بين عالمي الواقع والحلم والعبور من أحدهما للآخر فان أولى ثيمات النص في هذه الرواية اثبتت ذلك عندما تضعنا امام فكرة ان يكون المال والجاه والسلطة معادلا موضوعيا وبديلا للجنس ذلك المهيمن الذي طغى على مفتتح الرواية وبخاصة عندما يتعلق الموضوع بانسان قروي بسيط مثل حواس الذي لا يمتلك من مؤهلات ذاتية سوى دوافع الفحولة والرغبة بالجنس الذي دفعه للمجيء من كركوك الى بغداد، فالسؤال الكامن هنا اين ذهب ذلك السعير وذلك الشبق الذي كان يلازم حواس حين تضعنا الصورة السريالية هنا امام مشهد يغاير المنطق تشكل منذ تعارف حواس على العراف داخل القطار ذلك الذي وضع لديه نصف عملة نقدية ليختفي على اعتبار ان تلك العملة ستجلب له الحظ الذي تثبته العرافة التي تجلس امام المطعم وتبشر به حواس شرط ان يقاسمها ما سوف يحصل عليه من مكافأة محذرة ان خلّ بهذا الاتفاق ـ ستحل عليه لعنتهاـ وهذا ما حدث فعلا حينما اهمل كلامها ومن ثم بقي رازحا تحت اهوال العجز الجنسي كعقوبة مفروضة عليه بعدما التقى بالرجل القوي وحقق له مطلبه وكافأه مكافأة مالية كبيرة لم يتقاسمها مع العرافة. ان ما يصوره علي غدير في الرواية هو ما اشار اليه السورياليون السرديون ومنهم رينيه ماغريت وسلفادور دالي وبيير روس الذين رسموا عالما هذيانيا مصورا بدقة لعناصر تمثل فيه بصورة دقيقة ولكنها لا تحمل معنى منطقيا، وهناك صورا سريالية اخرى توفرت على هذا المعنى في الرواية والتي من ضمنها حالة الدكتورة حواء مدربة حواس والمتحكمة به وبمستقبله والتي تشوبها ايديولوجيات تثبت ارتباطها بشعبة تعد الاشخاص للدولة ومن ثم الأيحاء بأن العراف الذي كان داخل القطار والدها الذي تقول عنه انه مات منذ خمس سنوات، فضلا عن مخططاتها وسلوكها الذي ينم عن فكر فيه شيء من المثيولوجيا بل والتركيز عليه وفق دلائل تكتنف شخصيتها وتشير اليها من خلال هيمنتها كأنثى واعية هذا غير ارتباط السلسلة التي تلبسها بكينونة فعلها فهي تارة ترمز الى جناحي فراشة عندما كانت تخطط لحواس كي يحلق عاليا في عالم الصحافة والشهرة وتارة اخرى ترمز بشكلها الذي يوحي بالانثى والذكر في مثلثين متقابلين لتشير الى سطوتها عليه وتأثيرها الذي يصب في مطامعها بعدما اصبح يناديها عرابتي لتكتمل لديها ثنائية المرأة والرجل في تحقيق كل ما هو استثنائي ولا منطقي ويصب في صالحهما.
ثانيا: العجائبية التي تغلف الرواية
لاشك ان العجائبية هي من اهم ركائز الواقعية السحرية التي لا بد لها ان تنبثق مجددا في الرواية والرواية العراقية تحديدا بعد ما مرّ به العراق من احداث يكتنفها الادهاش والتعجب الذي يساعد على ظهور هذا المنحى الأدبي وهذا ما فعله علي غدير في روايته هذه التي اجد فيها من الواضح وبحسب ادراك السارد انه اشتغل على جعل الشخصية المركزية (حواس) في الرواية تتوافر على بعض الشروط الذاتية كي تكتسب دور البطولة والتي في مقدمتها ذلك الأمل اللاشعوري الذي تستر ـ لحد الآن ـ تحت اردية الدوافع المنطقية الشعورية كونه معدم، فقير وفاشل جنسيا بفعل لعنة العرافة، ويبدو للقارئ ان هذا الامل اللاشعوري قد تأسس على ركيزة وجود (دور) للفرد وفسحة للتعبير عن (موقف) يحقق بداهة اثبات الذات للشخصية حتى لو كان هذا الدور والموقف يمثل تشكيلاً ضدياً للفكر الجمعي بين الناس ولا يخفى ان كل ذلك استدعى الروائي كي يُهرب طاقاته الفكرية مغادرا ساحة الواقع رضوخا لعالم السحر والخيال واللامنطق ليخلط ما بين الحقيقة والوهم وما بين المنطق واللامنطق الذي من اهم مقوماته العجائبية والتي يقول في مضمونها كاستيكس ان العجائبي”يتميز بالإقحام الفظ للسري الغامض في إطار الحياة اليومية”
ويقول لويس فاكس:”القصص العجائبي يجب ان يقدم لنا أناسا مثلنا، يعيشون معنا في عالمنا الواقعي يوضعون فجأة في وضع غير مفهوم” ويصف روجي كايوا من جهته العجائبي في كتابه في صميم العجائبي فيقول”ان العجائبي ككل هو قطع للنظام المعروف، وبروز مفاجئ للامعقول، ضمن الشرعي الثابت في الحياة اليومية” (1)
لعل من ابرز واهم المفردات التي وردت في التعريفات السابقة هي السري الغامض، وضع غير مفهوم، قطع للنظام، بروز اللامعقول وجميعها تكمن في تفسير ذلك التردد والحيرة ازاء ظاهرة تتجاوز في تكوينها الامر الطبيعي وما رأيناه في (سفاستيكا) اشبه بما سمعناه في موروثنا الأدبي عن مصباح علاء الدين والمارد الذي يحقق الامنيات في تناص حكائي حداثوي إذ كان التقاء (حواس) بشخصية الرئيس التي حققت له كل احلامه اشبه ببانوراما إذ يظهر له في المرة الاولى بشكل مفاجئ ليطلب منه حواس طلبه الاول وهو ان يكون صحفيا اما في المرتين الاخرتين فقد جاء اللقاء بتدبير يوحي بلا معقوليته ليتحقق له مطلبين آخرين وبوتيرة سريعة لا تتيح للقارئ فرصة كي يتنفس الصعداء ومن ثم يستوعب ما يحدث وهذه احدى هنات الكاتب في الرواية الا انها في هذا الموضع قد تعطي لنا كقراء دوراً تسنده الينا بفعل ذلك الاحساس بالتردد نتيجة الاحداث المفتعلة كي تلزمنا باعتبار عالم الشخصيات مساوياً للعالم الحقيقي الذي حدثت بين اروقته خروقات للقوانين المعتادة واضمحلال للقواعد الثابتة بشكل يدهشنا بسرعته وغرابته فالدكتورة حواء لتي كانت مكلفة بجعل حواس الانسان البسيط صحفياً ومن ثم ايصاله لمواقع مرموقة في الدولة كانت اولى قواعدها التي تبثها له انه ان اراد ان يكون صحفيا فعليه ان يعطي 50 بالمئة لأهمية القدرات الاعلامية و50 بالمئة يجب ان يمنحها للعلاقات الأجتماعية بل انها في موضع آخر اولت 10 بالمئة للكفاءة و90% للحظ بقي ان اشير ضمن حديثنا عن العجائبية بحكم ارتباط الرواية كثيراً بالمثيولوجيا التي تحكمت في النص نجد حواسا أو وسمانا بعدما تغير اسمه بتوجيه من الدكتورة حواء انه كان في كل مرة يلتقي مارده او سيادة الرئيس ويطلب منه مطلبه يصافحه بطريقة تجعله يرتد للخلف بفعل تأثير ما يحدثه ذلك الخاتم الذي اعطته اياه العرافة والذي كانت مواصفاته شبيهة بمواصفات الصورة المعلقة على حائط العرافة الفرنسية ، ان ذلك الارتداد في المصافحة يتكرر في الرواية وهذا النوع من العجائبية بحسب تصنيف الباحثة سميرة بن جامع في رسالتها لنيل شهادة الماجستير في الأدب العربي القديم انه يأخذ شكل العجيب الوسيلي الذي يلجأ فيه الراوي الى استخدام السحرية لخلق العجيب ومن ذلك كثير في ادبنا القديم كالمكنسة المشعوذة واكسير الحياة الذي يكون مقصد الابطال في الروايات فضلا عن قبعة الاخفاء والعصا السحرية وهو هنا الخاتم ذو الصليب المعقوف وجميع ما ذكر من ادوات سحرية قديما كانت امثلة غايتها تحقيق المتعة و المؤانسة فضلا عن تطهير نفوس الناس حتى يسود الحب والسلام الا ان الموضوع هنا قد اتخذ غطاءً لتجاوز الضوابط الاجتماعية وفي تلافيفه متوارية تابوهات اكلت وشربت وفعلت فعلها في المجتمع العراقي وبالنتيجة اتخذ السرد على عاتقه وظيفة اخرى للعجائبي لتكون غايته سياسية تصف اجواء غير اعتيادية تحتوي تحديات كبيرة للشعب العراقي الذي كان يحمل الكثير من الامراض الاجتماعية والتي من ضمنها سيطرة الخرافة على الاذهان
ثالثاً: الملمح الاسطوري في الرواية
الرواية تحاول ان تؤسطر لفكرة تدور حول السيادة والسلطة وارتباطهما بالحظ والخرافة على الرغم من استخدامها لعناصر وشخوص واقعيين فالكاتب ذكر اسم الدكتاتور صدام صراحة في الرواية بل وركز على الفاظا كان يستخدمها لا تغيب عن ذهنية اي عراقي عاصر المرحلة التي كان يحكم فيها من مثل (عفية، تُبشِر..) وهذه الالفاظ على الرغم من ايقاعها للروائي بالمباشرة الا انها جاءت لتوظف وترسخ عقلية ارتكزت على بث صبغة البداوة التي تضمر بين ثناياها تعطيل الفكر ودعوة لسيادة الظلم والغاء العقل وما معروف ان الاسطورة من حيث كونها فكرا وفناً وتاريخاً تبث رمزاً مضيئاً وملاذاً للانسان كي ينتصر على خيباته ويتخطى فواجعه وذلك لما تحمله من ملمحاً جمالياً غايته البحث عن عالم لم تقتله ايديولوجيا السلطة بعد الا انه في رواية سفاستيكا يختلف إذ جاء ليؤدلج اسطورياً الى ان هناك قوى ومؤسسات تنتهج الخرافة لتدعم عملية تكوين شخصية دكتاتورية وتسلمها سلطة الحكم في البلدان المتخلفة اجتماعياً وبذلك عملياً فان الاسطورة المكونة لهذا الفكر تتطلب مستلزمات غيبية تستند اليها وهي هنا متمثلة بنصف عملة نقدية وجدت في جيب (حواس) الذي سيتولى نظام الحكم لاحقاً ومن ثم وجود نصف العملة الآخر أو المكمل لها في جيب معتوه يرمي نفسه في قارعة الطريق على موكب الرئيس الجديد والذي يتنبه له فيقتله خوفاً من توليه السلطة أو انتشالها منه مستقبلاً على يد ذلك المعتوه لتبدأ تتشكل داخل الرواية أسطرة جديدة تفوق الخرافة مفادها بث الروح السوداوية واثبات ان الفعل الرمزي للدم الذي سال من صندوق السيارة الذاهبة الى مبنى مجلس الوزراء كان ايذاناً ببدء نظاماً للحكم كانت اهم دعائمه ارتكازه على الدم بعدما سبقه نظاماً اعتمد على الخرافة متمثلاً بالسلطة، وفي كلتا الحالتين توحي الفكرة بتعدد اوجهها وتداخلها وهذا يعني ان هناك قوى تمنع شرائح مجتمعها من العيش بأمان وطمأنينة فالسلطة المعتمدة على الخرافة لا شك في ولائها لسلطة الظلم والقتل والدم والعكس صحيحاً ايضاً فبالمقابل السلطة المعتمدة على الدم جاءت بذهنية اتاحت لها قتل معتوهاً ربما كان بريئاً بذريعة وجود نصف العملة في جيبه ، فهي في مرجعياتها لا تنفك عن الايمان بالخرافة ، فضلاً عن ان هناك تكريساً للعبودية الاجتماعية التي تعتمد عليها السلطة السياسية ضماناً لاستمرار سلطتها فـ ” الفكر الاسطوري اذ يقدم للانسان مثالاً عن ارادة القوة الغيبية يضعه في الوقت نفسه في وضع (العبد) المندهش المرتعب من سلطان هذه القوة التي يزعم المستبدون انهم يمثلونها او ينطقون بأسمها ” (2) لكنها اي الاسطورة في النهاية تصبح تاريخاً على حد تعبير كلود شيتراوس (كل اسطورة تروي تاريخاً).
الهوامش
1ـ تزفيتان تدوروف: تعريف الادب العجائبي ت:احمد منور، ص99
2ـ ينظر د.خليل احمد خليل، مضمون الاسطورة في الفكر العربي، ط1? دار الطليعة، بيروت1973
























