
المبالغات في قصة المقتل الحسيني
واقعة الطف والتنقية المطلوبة
الزمان
بحضور ثقافي وإعلامي أقام نادي الكتاب في كربلاء يوم الأربعاء 13/9 أمسية للكاتب الصحفي عبدالهادي البابي ألقى فيها محاضرة عن (المبالغات في قصة المقتل الحسيني) ..قدمه الباحث حسن عبيد عيسى الذي أستهل مقدمته قائلاً :
ان واقعة كربلاء واقعة تاريخية تضمنتها أمهات كتب التاريخ المعتمدة كالطبري وإبن الأثير والمسعودي واليعقوبي وإبن خلدون وسواهم….وقد شّذ عن جمهرة المؤرخين إبن خلدون الذي ترك صفحة فارغة ولم يكمل سرده للواقعة..إلاّ أن جُّل هؤلاء المؤرخين أخذوا أخبار الواقعة من رواة توارثوها عبر مئات السنين خصوصاّ وأن الراوي الأهم عندهم هو أبو مخنف (لوط بن يحيى الأزدي) ولد بعد الواقعة بعشرين سنة….مما جعلها روايات شفاهية تعرضت الى كثير من التحريف والتزييف والوضع على مدى تلك القرون..!
ولقد كان كتاب (روضة الشهداء) الذي ألفه كاتب مغمور إسمه حسين كاشفي ..هذا الكتاب الذي كان أول كتاب أسطر قضية الحسين وحولها الى قصة خرافية مفعمة بالمبالغات والمغالطات ..الخطباء الحسينيون إعتمدوا على هذا الكتاب فسموه (روضه آخوند) ثم خفف الإسم الى روضه خون..وأستقر عند روزخون..
أرى إن البابي هو أفضل من يحدثنا عن هذه الأسطرة والمبالغات والزيادات كونه مهن الخطابة الحسينية لفترة ودرّسها وألف فيها كتاباّ تعليمياً بعنوان (الخطابة النموذجية) وهو واحد من مؤلفاته السبعة ..
أما الباحث البابي فقد بدأ محاضرته بتتبع مصادر المقتل الحسيني من اللحظات الأولى التي أعقبت الواقعة بعد عام 61 للهجرة ..وذكر أن أول مقتل مكتوب كان بعد 100 هجرية على يد القاسم بن الأصبغ بن نباتة ..ثم تلاه مقتل لوط بن يحيى الملقب (بإبي مخنف) وذلك عام 145هجرية ..ثم بدأت قصص الواقعة تتضمنها كتب التاريخ ومدونات السيرة التي كتبت خلال القرنيين الثاني والثالث الهجري ومنها كتاب تاريخ الطبري وكتاب (الكامل في التاريخ ) لإبن الأثير وغيرهم ….بعد ذلك ب600 سنة ظهر مقتل جديد سمي (اللهوف في قتلى الطفوف) وهو لعلي بن موسى الحسني الملقب (بالسيد إبن طاووس)..وكان هذا المقتل على وجازته يعد من أرقى المقاتل الحسينية لخلوه من التطويل والزيادات والتفاصيل المملة وعدم ذكر الرواة حيث عمد المؤلف لحذف كل تلك الأمور والمتعلقات ولم يبق سوى على نص الواقعة دون مبالغة ..ولكن يد التحريف والتغيير أمتدت لمقتل السيد بن طاووس وقامت بتغييره وتحريفه والإكثار من الدس فيه لإسباب طائفية ومذهبية وسياسية وحتى لغايات (التجارة بالقضية الحسينية)..!
ولكن قصة المقتل الحسيني كما نسمعها اليوم وهو ماقرأه (المرحوم الشيخ عبدالزهراء الكعبي الكربلائي) ومادأب عليه قراء المقاتل اليوم هي القصة الشائعة والمعتمدة لدى أغلب الذين يهمهم أمر واقعة الطف ..فماهي مصادرهذه القصة..وهل فيها نصيب من كتاب (اللهوف في قتلى الطفوف) وعلى ماذا تستند في وقائعها وأرقامها وخطبها ومواقفها..!؟
قال البابي : للأسف ..! إن أغلب ماورد في قصة المقتل الحسيني ليس فيه نصيب مما ذكره إبن طاووس في مقتله اللهوف ..بل هو أمتداد لما كان يقرأ في كتاب (روضة الشهداء ) للملا حسين كاشفي ..وهو رجل فارسي ولد في القرن السابع الهجري وكان (سني المذهب) فتحول إلى المذهب الشيعي ثم ألف كتاب سماه (روضة خوان) أي (قارئ مصيبة الشهداء ) وراح القراء يقرأونه على المنابر وقد تضمن الكتاب فصولاً لمأساة كربلاء مليئة بالتحريف والخزعبلات والمبالغات والزيادات العجيبة الغريبة ..ولازال المقتل الحسيني – مع الأسف- يحفل بالكثير مما جاء في هذا الكتاب حتى اليوم ..! ومن غرائب الأمور أن الملا حسين كاشفي غيّر مذهبه وعاد لمذهبه القديم (السني) ومات في هراة في أفغانستان ..!
ثم قرأ البابي نصوصاً ومقاطع من مقتل (عبدالزهراء الكعبي) الذي كان يذاع من الإذاعة العراقية الرسمية منذ الخمسينيات وبقي حتى اليوم يقرأ في الأضرحة والمجالس العاشورائية خصوصاً صبيحة يوم العاشر من محرم ..وبين البابي الضعف الواضح في روايات المقتل والتباين العجيب والإشكالات الكبيرة التي لم ينتبه إليها إلاّ ىالقليل من الباحثين والمؤرخين والمعنيين بتنقية التراث الحسيني ..ثم ذكر العدد الواقعي لجيش الكوفة والعدد المعقول لقتلاهم كما جاء في جزء من خطبة (زين العابدين في الكوفة ) ..كما ذكر العدد الحقيقي لإصحاب الحسين والمروي عن الباقر ..وفّند البابي قصة جواد الحسين (ع) وأنه قتل أربعين فارساً ..ووو غيرها من المبالغات والزيادات التي يجب أن تتنزه عنها السيرة العطرة للإمام الحسين (عليه السلام)..!
وقال البابي : إن أكثر مانخشاه هو أن تبقى قنابل الطائفية مزروعة في أرضنا وفكرنا وتاريخنا من خلال التاريخ الذي تحول إلى (عقيدة ) يصعب علينا نقدها أو وضع الأصبع عليها ..فهي تهددنا بالموت والفناء والكراهية كل لحظة .. لقد آن الآوان لتخليص الثورة الحسينية العظيمة من الشوائب والمبالغات والخرافات التي يستفيد من تسويقها الضاحكون على الذقون من السياسين لخداع وتضليل البسطاء..خصوصاً وأن الفضائيات أصبحت تنقل هذه المجالس وهذه القصص إلى كل العالم في لحظتها وساعتها ..فتسيء بماتحتويه من مرسلات ومبالغات وخرافات إلى سمعة ديننا ومذهبنا وتضعف من أحقية موقف أئمتنا الميامين فنصبح نحن أتباع آل البيت بنظر تلك الشعوب والأمم مجرد شعوب بدائية وخرافية لازالت تجتر الماضي بكل تناقضاته وأخباره وأساطيره دون تمحيص أو تدقيق أو تنقية !!
بعد ذلك شهدت الأمسية التي حضرها جمع غفير من المثقفين زخماً عالياً من المداخلات حيث فتح مقدم الأمسية الاستاذ حسن عبيد عيسى باب المداخلات وكان أول المتداخلين الأستاذ الروائي علي لفته سعيد أعقبة الأديب رفعت المنوفي ثم الفنان التشكيلي نعمة الدهش الجنابي بعده الأديب جاسم أحمد الأدريسي فالحقوقي حميد الهلالي ثم الكاتب كاظم الرومي فالأستاذ عبد العال الياسري أعقبه الدكتور عباس التميمي فالأستاذ عبد الأمير حسن الأستاذ خليل الشافعي وأخيراً الموسوعي عبد الرزاق عبد الكريم ثم طلب مقدم الأمسية من البابي الرد على ما جاء في المداخلات والتي أجاب بدوره عنها بكل حرفية ومهنية وعلى كل الإشكالات والأسئلة التي وردت من الأساتذة المتداخلين والمستمعين ..
إن خلاصة ماجاء في هذه الأمسية :
أنه يجب أن تبقى القضية الحسينية ناصعة نقية خالية من الخرافات والبدع والضلالات وبعيدة عن الأباطيل والمبالغات ..ويجب أن يبقى موقف الحسين موقفاً إنسانياً خالصاً نستوحي منه القوة والثبات ومواجهة الباطل في حياتنا ..وأن لانسمح لمن يريد أن يجعل الحسين مجرد (كبش فداء ..أو ضحية..أو مخّلص) قام بقتل نفسه لإجل المذنبين وتطهيرهم من خطاياهم يوم القيامة …لإن هذه المقولات الخادعة هي غاية تجارالدين وأرباب المناصب وأهل السياسة ووحوش الطائفية ..!
كما وإن هذا الجيل والأجيال القادمة هي أمانة في عنق كل مثقف ومفكر وعالم أن يكشف الزيف ويزيل الشبهات ويجلي الحقائق ويناقش الثوابت والمسلمات التاريخية حتى وإن كانت مؤلمة ومحرجة وحتى وإن كان هذا النقاش والكشف والتحقيق يسبح ضد التيار الذي ولد وشاب عليه المجتمع …
يجب مناقشة وإعادة قراءة التاريخ الذي تحول إلى عقيدة راسخة قادتنا إلى التطرف والإرهاب وعرضّت السلم المجتمعي والأهلي للخطر ..فخرج عن كونه تاريخاً مدوناً كتبه إناس مثلنا قد يصيبون في موضع ويخطئون في مواضع أخرى وتحول إلى عقيدة عنيفة خارجة عن قيم الإسلام ومبادئه السمحة ..فيجب علينا أن نسلط ضوء البحث على ماكتبوا وأن لانتردد في أن ننتقدهم ونرد عليهم ونكشف مرادهم وغاياتهم مما تركوا لنا من ميراث ثقيل لازلنا نعاني من وقعه وتبعاته ووطأته الشديدة علينا ..!!
























