_إمبراطورية ري- آفاراكس

_إمبراطورية ري- آفاراكس

رواية من الخيال العلمي

شكر حاجم الصالحي

هي رواية من ادب الخيال العلمي لمؤلفها “الف باربي” ترجمها عن الاسبانية الشاعر “حسين نهابة” والذي ترجم من قبلها العديد من المؤلفات المكتوبة باللغة الاسبانية، باعتباره امتلك تخصصاً اكاديمياً فيها، وانا أنهي قراءة “إمبراطورية ري – افاراكس” استدعت ذاكرتي احد رواد ادب الخيال العلمي الفرنسي جول فيرن (1828 – 1905 م) الذي كتب روايته ذائعة الصيت “ثمانون يوماً حول العالم “،وكان من مفردات منهج دراسة اللغة الانكليزية في ستينات القرن الغابر، وما زلت اتذكر امتحان اللغة الانكليزية في امتحانات البكلوريا لعام 1964/1965 يومها كنت طالبا في الخامس الادبي في ثانوية المسيب، وكان مدرس اللغة عبد الملك الجميلي يوصي طلبته بالانتباه وحفظ رواية جول فيرن هذه، محتملاً وضعها في اسئلة “الانشاء ” ضمن اسئلة الانكليزي، وصدق حدسه فكانت إجابتي دقيقة عنها، واعتقد بفضلها اجتزت عتبة الانكليزي وحصلت على درجة 53 بالمئة  فتحررت نهائياً من عقدة الثانوية وجول فيرن الفرنسي ولد في مدينة نانت ودرس القانون، لكنه انصرف الى كتابة العديد من اروع القصص والروايات عن رحلات وسفرات ابتدعها من مخيلته. وكان لجون فيرن فضل الريادة في ادب الخيال العلمي الذي أنجز فيه: “الجزيرة الغامضة، من الارض الى القمر، رحلة الى مركز الارض، الخمسمئة مليون ثروة البيجوم، عشرون الف فرسخ تحت الماء، ورائعته – ثمانون يوما حول العالم –” والتي نشرها بعد وفاته ابنه ميشيل. وكان سببا في اجتيازي عتبة الثانوية واطلاق سراحي من خامسها الادبي في ذلك العام ولولا “حسين نهابة” وترجماته هذه لما استحضرت الذاكرة هذا القليل عن انجازات جون فيرن ودوره التأسيسي الريادي في ادب الخيال العلمي.

2

أعود الى (امبراطورية ري – افاراكس ) ومؤلفها رالف باربي، وقبل الخوض في عرض فصولها الشيقة لابد من السؤال عن جنسية وموطن مؤلفها، ومعرفة ما يهمنا كقرّاء من سيرته الحياتية والادبية، ولادته، إصداراته، وفاته، ثم ليس كل من كتب بالإسبانية هو من مواطني اسبانيا كجغرافيا، فشعوب اميركا اللاتينية تتحدث وتكتب بالإسبانية لغة رسمية اولى ،وكان من الضرورة ان يقدم لنا مترجم الرواية “حسين نهابة” ما يجيب على مثل هذه الاسئلة. ولا أذيع سراً اذا ما قلت ان طلب النجدة من عمنا “كوكل ” لم تغيثني ولم أجد في صفحاته ما يبدد استغرابي وتعجبي، اذ ليس من المقبول ان تقرأ عملاً لا تعرف النزر القليل عن مؤلفه وخلفيته ومنجزاته المطبوعة والمخطوطة. وما أتمناه على المترجم الحاذق ان يولي اهتماماً قادماً في هذا الشأن في ترجماته القادمة وهذا كما يقال من أضعف الايمان واعماماً للفائدة المرجوة والمنشودة والواجبة كما أظن واعتقد بضروراتها المنهجية.

3

تقوم أحداث رواية “إمبراطورية ري – افاراكس” على رحلة متخيلة لاكتشاف كوكب ري – افاراكس، وتتخللها مفارقات عجائبية وحوادث كارثية الى حين وصول طاقم الاستكشاف وتحقيق حلمه لكن ما جرى من قتل ودمار قاده ونفذه الوحش (لاموري) جعل من هذه الرحلة المعقدة تغرق في دماء ضحاياها رغم ما بذله فريق العمل من بسالة وتضحيات ولنأخذ صورة أولى عن استعدادات الرحلة لتتبين من خلالها ملامح كاشفة عن هذه الرحلة وملابساتها:

“كان الحزن يخيم ذلك اليوم على المعسكر القائم عند طرف الغابة. حتى مورسيا كامبل الشابة الباسمة أصغر طاقم الاستكشاف سناً، كانت تقبع صامتة، تجلس على حافة احدى الصخور حاجبه اساريرها الجميلة بين راحتيها بعناد، غارقة في أفكار عنيدة. كان الرجال والنساء ينتشرون بتراخٍ حول خيام المعسكر، جالسين تحت ظلال الاشجار الباردة التي كانت تنمو على حافة المرج…”

هكذا اذاً رسم المؤلف لنا منظراً عاماً شاملاً لتفاصيل استعدادات الفريق الاستكشافي واشار بطرف خفي الى ما يعتمر في نفوس البعض من المشاركين خاصة مورسيا كامبل الشابة الاصغر سناً في الفريق. وقد ركز رالف باربي المؤلف على الدور المركزي الذي لعبه “لاموري” الوحش الذي أسال دماء المستكشفين. وقد أجاد المؤلف في ابلاغ الاحداث ذروتها في الاشتباك والتصعيد، الذي جعلني كقارئ لا افارق صفحات روايته حتى انجاز قراءتها في ليلة واحدة، بمعنى انه وفرّ عنصري الادهاش والجذب في صياغة أحداثها، ورسم تفاصيل دقائقها وشخصياتها بقدرة فائقة على الاقناع. ولا أريد هنا ازاحة الغطاء عن كل ما في الرواية من احداث، فليس ذلك من مهمتي، وانما اردت في هذه القراءة الى لفت انتباه الاخر بالقيمة الجمالية / الدرامية للرواية ، ومن خلال ذلك التنويه بجهد المترجم الذي أمتعنا ليلة كاملة بأحداث رواية رصينة من ادب الخيال العلمي التي تصلح عملاً للسينما رغم ضخامة التكاليف الانتاجية:

“تم الانتهاء من البناء الشامخ، انتصب برج معقل لاموري شامخا فوق صخرة الغرانيت، كانت الاعمال قد سهلت كثيراً، تواصل العمل في الحفر ودعم المغارات الصناعية التي ستستخدم كمحطات ومخازن تحت الجرف الصخري، لكن الفكرة التي تسلطت على عقل جاكسون لاموري، هي رؤية معقله يلمع مثل مرآة.”

ولكن ثورة البركان زيرو عند الفجر هي من أفسدت كل شيء، اذ “تطايرت محتويات المخروط البركاني الى اعلى آلاف الامتار وتناثرت في الهواء، ثم تدفقت حمم نارية اكتسحت ما حولها. تطاير البناء الحجري ذائباً في السائل البركاني المنصهر والغازات المتوهجة. وهكذا آلت الرحلة الاستكشافية الى خراب مدمر وتضحيات جسيمة، ومع كل  ذلك الدمار ظلت رغبة الانسان متوقدة في ارتياد المجاهيل الخفية للبحث عن شروط السعادة والحياة اللائقة، صحيح ان أحداث “امبراطورية ري – افاراكس” مُتخيلة لكنها تمضي في الامساك بعشبة التقدم وإقامة عالم خالِ من القهر والاستبداد وسطوة الافكار المتخلفة، فالنصر النهائي حليف الانسان الباذل الطموح الذي يرى النصف المليء من الكاس لا نصفه الفارغ، وكم أحسن صنعاً “حسين نهابة” بترجمته هذه الرواية التي تكرس اصرار الانسان ورغبته في تغيير واقعة الراكد، وصولاً الى حياة آمنة مشرقة. وكانت خاتمة رواية  “ري – افاراكس” تشير الى خلاصة عزم متوقد وطموح مُثابر:

– لا شيء يفقدك شجاعتك يا رون، أتفق معك ، ننجز ما بدأناه ثم نعود الى “دتراه – اكسيمبل”، ثم ان هناك المزيد من الاعمال لابد من انجازها. يجب ان يكون مقر امبراطورية الخلود في احد اركان هذا الكــــــــوكب.

جذبها رون نحوه ببطء ونظر بثبات الى عمق بنفسجة قزحيتها.

– كل شيء على ما يرام، لكن لن يكون الوقت كله مُكرساً للبحث والدراسة، فلدينا نحن الكائنات البشرية ضرورات أخرى أليس كذلك؟

انتصبت آبي وعانقته بشدّة:

– أنت على حق يا حبيبي، فللحياة متطلبات أخرى…

وها هي الرحلة أوشكت على النهاية بل انتهت، فللحياة متطلبات أخرى كما أوجزت حكمتها “آبي” ولنا نحن ما يتوجب قوله والايفاء بواجباته وابقاء جذوة الطموح في ضمائرنا متوقدة. ولنقل معاً ان رواية رالف باربي (امبراطورية ري – افاراكس) أمتعتنا وقدمت لنا غذاءً نافعاً وطازجاً.