
تقاسيم على مقام الوجع لحجي خلات المرشاوي
قصص قصيرة عن سنجار الشهيدة
محمد جودة العميدي
القصص القصيرة تجارب حياتية إنسانية يغامر فيها القاص كتابة، لذا يستوجب على القاص أولا ممارسة هذه التجربة الإنسانية ومن ثم تجربة ممارساته الإبداعية في خلق نصوص قصصية تحمل إرهاصات التجربة الحياتية.
لم تعد القصة القصيرة نمطا سرديا تقليديا بسبب استخدام التقانات السردية الحديثة التي تتطلبها ظروف العصر وملابساته. فالقصص القصيرة المعاصرة تبحث عن المعنى الأقصى ضمن البنى السردية القصوى وهذا ما يحاول أن يجربه القاص المبدع حجي خلات المرشاوي بمجموعتة القصصية (تقاسيم على مقام الوجع) التي قدم لها الروائي العراقي وارد بدر السالم والتي تحمل كمّا هائلا من الهموم الإنسانية..
استوقفني عنوان المجموعة (تقاسيم على مقام الوجع) الذي أخذ بمسالك الفن كقارىء سألت نفسي: أي تقاسيم؟ موسيقى؟ وأي مقام؟ غناء؟
رفضت هذا التأويل وعدت منكسرا لا أحمل غير (الوجع) الذي يبدو رافضا مصاحبة غيرنا!!
لا أخفي القارىء سرا أنني بكيت عند بعض النصوص لما تحمله من آهات وآلام ولما تحمله هذه النصوص من قوة التعبير ولما تتركه من أثر ووقع في الذات..
قرأت النصوص بتأن وتمكنت من تصنيفها إلى: قصص قصيرة وقصص قصيرة جدا (قصص ومضة)
شدة الوصف
و (احتجاجات) و (حوارات).. في قصصه القصيرة حاول القاص المبدع حجي خلات المرشاوي التقصي المباشر لما حدث في مدنية (سنجار) وبلغ من شدة الوصف ما يظهر القاص بأنه شاهد عيان على ماحدث لأهلنا الأيزيديين، فكتب بلغة فنية سليمة.
تنتمي قصص المجموعة القصيرة إلى القصص الواقعي. راوح الكاتب في دائرة المكان، فكانت حركة الأحداث محصورة بين المدينة ومخيمات النازحين.
كتب القاص المبدع المرشاوي بلغة لا تقبل التأويل في أغلب قصصه القصيرة مستخدما التعبير المباشر السهل الوصول إلى المتلقي وبهذا فقد اختزل لنا الكثير من الوقت.
قصص المجموعة كتبت بتقنيات عصرية مختلفة منها: تقنية (الاستدلال بالمحسوس) باعتبار القاص أحد أبناء المدينة كما أن القاص استخدم تقنية (التداخل interference) أي تداخل الواقعي والأسطوري. لم يتغافل القاص الرائع حجي خلات المرشاوي عن استخدام تقنية (الاسترجاع flash back) في إعادة ذكريات المدينة وأهلها كما في قصة (أخلاص)، وشعور نستولوجي باستعادة الأيام الخوالي مع حسرات وتنهدات على تلك الأيام. ومن أبرز التقنيات التي استخدمها القاص هي تقنية (stream of consciousness) تيار الوعي أو ما تسمى بـ (تداعي الذاكرة) التي كتب بها الكثير من أدباء الغرب.
وفي قصص المجموعة، كتب القاص المرشاوي أيضا بتقنية (الباروديا parody ) وهي محاكاة ساخرة وأسلوب تهكمي يثير الضحك والسخرية كما في قصة (القمامة)..
أما قصة ( أنا الرئيس ) فأنها تنتمي إلى الأدب المجازي الذي يحكي قصصا على لسان الحيوان كما عند ابن المقفع ولافونتان، فهذه القصة ذات محكى رمزي مكثف عن قهر الإنسان وحب الاستبداد والرغبة في قتل الحياة.
وقصة (جردة وخردة) هي بمثابة تقويم لأيام وسنين لم تعد من العمر في حياة العراقيين بسبب المآسي التي حدثت فيها والتي لامبرر لها.
وكتب القاص المبدع حجي خلات المرشاوي بنمط القصص القصيرة جدا لأدراكه أن من متطلبات العصر هو قراءة قصص ونصوص قصيرة جدا بعيدا عن الإسهاب والإطالة بسبب ديناميكية التنافس المادي والمعنوي من أجل تحقيق كينونة الإنسان، فكانت لقصصه القصيرة جدا خصائص دلالية semantic وفنية artistic وتداولية pragmatics مما يجعلها تختلف عن القصة القصيرة، فقصصه القصيرة جدا تمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية. ونلمس فيها التلميـح hints والاقتضاب والتجريب والنفس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث. كما إننا نلاحظ سمات الحذف والاختزال والإضمار، وتتميز أيضا بالتصوير البلاغي الذي يتجاوز السرد المباشر إلى ما هو بياني ومجازي ضمن بلاغة الانزياح والخرق الجمالي.
كتب القاص المبدع المرشاوي بثيمات شتى متجنبا التكرار، فمن بين قصصه: (تقوى) و (إرهابي) و (مسخ) و (ايمان) و (بيئة خصبة) و (أوزون) و (أنقاض) و (جينات) و(تلوث) التي ترفض ظاهرة {التدين الكاذب} التي انتشرت في مجتمعنا حيث الدعوة إلى التمسك بالدين والمقدسات، في حين ترى تناقض السلوك عند رجل الدين نفسه. لم يعد كوي الجبين علامة إيمان بل هي ستار تخبأ وراءه مجموعة مخالفات أخلاقية وخطايا تخالف جوهر الدين. أن تقديم الدين إلى الناس بهذه الصورة المشوهة له عواقب جمة من بينها تعزيز الفكر الظلامي وقتل الروح الإنسانية وروح المواطنة. قصص تدين النفاق الإجتماعي الذي بات مستفحلا في حياتنا اليومية. القصص تؤكد حقيقة هامة هي: أن جوهر الإنسان إنما يكمن في سريرته. يرفض القاص ازدواجية التعامل مع الآخرين لاعتبارات دينية أو طائفية أو عرقية مؤكدا انتمائه الوطني.
لم ينس القاص المبدع المرشاوي تأريخ مدينته وتراثها فكتب قصة (ياردلي..) متذكرا (السمراء) التي قتلته!
قصة تستفيد من مشهدية الفلكلور الشعبي في تقديم الإدهاش، وفي القصة حسرات وتنهدات إلى أيام جميلة وهي قصة رمزية فيها دعوة كامنة إلى العودة إلى أيام الصفاء والمحبة وجمع الشمل.
وفي قصص (تواطؤ) و (عقدة) و (لسان حال مقطوع) و (نازحون) يشكو القاص غياب التعامل الإنساني وينتقد وبسخرية الصمت الإنساني تجاه حالات السبي والتهجير والاغتصاب و المعاملات غير الإنسانية التي تعرض لها المكون الأيزيدي.
وقصة (تقاسيم على مقام الوجع) التي تحمل اسم المجموعة نص ناضج جدا، تنتمي إلى (أدب العبث)، إلى نوع من الكتابة التي تذكر بتفاهة الوجود وعبث الشرط الإنساني مقتربة من عوالم البير كامو وسارتر وبيكيت لأنها تطرح سؤالا مفاده: ما قيمة الحياة بلا تعامل إنساني أي مستقبل مجهول ينتظر الإنسانية؟ جملة مخاوف يبديها الآخرون بعضها موضوعي ومنها مخاوف (فوبيا الزمن)!!
حوار ذاتي
أفرد القاص المبدع المرشاوي قصة (حنين) لحوار ذاتي جعل من الذات الساردة بطلا، فكانت القصة حوار ذاتي monologue فيه من التردد والخوف (صوتها يقول: عد أيها النازح المهان.. لا خيار آخر أمام ).
وشعرت بفضاء شعري عند قراءتي قصة (وديعة) لما تمتلكه من مفردات شعرية موسيقية تطرب لها الأذن:
(يصل الجبل الحاني منهكا حد الفناء، يقف على قمته الجرداء). ولا تخلو قصص المجموعة من النقد السياسي اللاذع لأصحاب القرار عما حدث من خراب في بلادنا، فكانت قصص (تنمية) و (انتخابات).
وكان القاص المبدع حجي خلات المرشاوي واعيا لجانبين من جوانب القص الرئيسية أولاهما قدرته على اختيار اللمحة العميقة أو اللقطة المركزة التي يتطلبها فن القصة القصيرة جدا وثانيهما متصل بتمثل روح العصر الذي ينتمي إليه، فكانت قصصه القصيرة جدا قصصا عصرية.
وقصة (إعلان إلى همنغواي) : [للبيع: دمية عاهرة لم تحض بعد !] فيها مقاربة لأول قصة قصيرة جدا في العالم للكاتب الأمريكي آرنست همنغواي، كتبها عام 1947: ( للبيع: حذاء طفل لم يلبس قط! )
“For sale: Baby shoes, never worn”
ست كلمات تحمل من الدلالات مايثير التأويل، ولعل أحدها هو ما ينتظرنا من مستقبل المجهول..
جانب مهني
وللجانب المهني للقاص لي وقفة فقرأت له: (قصة تربوية جدا) ولأنه تربوي مدرس للإنكليزية مثلي، فقد قرأت هذه القصة بشغف. امتازت القصة بالحوار بين الذات الساردة (القاص) والمشرف الذي يحمل من مشاعر الكراهية لناس لم يعرفهم ولم يتعامل معهم. هل من شرعة الإنصاف أن تكره شخصا بلا مبرر؟ تحمل شخصية المشرف في القصة من الخصال السلبية ما يجرده من إنسانيته، فتراه تارة يسأل: لماذا لم تتعلم اللغة الكردية؟ لماذا تتكلم العربية؟ هل أنت أيزيدي؟ وأسئلة أخرى تلمح بما يحمل في عقله من فكر تافه وعقيم. وقصة (ضابط الأمن وأنا) قصة ذاتية قريبة لأدب المذكرات. كتبها القاص المرشاوي بوعي. وذروة النص القصصي هذا تكمن في قول القاص: (أكره الأديان وأمقت النقاشات فيها. أدرك تماما أن المجادلات لن تثمر عن شيء ذي قيمة أبدا).
شعارات ساخرة
(الاحتجاجات على داعش) فأنني قرأت أربعة عشر احتجاجا، وهي لافتات وشعارات ساخرة كتبت بطريقة فنية. حرص الكاتب فيها إلى الوصول إلى اللحظات الإدهاشية. رابط هذه الاحتجاجات الأساسي هو أيضا الهم الإنساني من حزن وترقب وألم وقسوة وانتظار. والاحتجاجات هي أسلوب ساخر من مواقف أصحاب القرار في الدولة والمجتمع عن ما يحدث في (سنجار). ما أعجبني في هذه (الاحتجاجات) هو حيادية القاص ككاتب وليس كسارد. لاشك أن هذه الاحتجاجات تحمل أفكارا عميقة ومقاصد كثيرة تتقبل التأويل. وفي (حوارات تقترب من فن القصة) قرأت ثمانية وثلاثين حوارا بمواضيع وثيمات شتى حوارات تعطي الإشباع الفني للقارىء إلا أننا لا يمكن أن نسميها قصصا بسبب انفلات اللحظات القصصية فيها، ورغم هذا فأن هذه الحوارات لا تخلو من عنصر متعة. في مثل هذا النوع من الكتابة كثيرا ما يعجز الكاتب في الحفاظ على الإمساك باللحظة القصصية أو السيطرة عليها فتظهر النصوص قريبة من النادرة منها إلى القصة القصيرة جدا. أدرك القاص المبدع المرشاوي هذه الحقيقة وامتنع من تسميتها قصص.
وقصص المجموعة بوجه عام نصوص سردية تتوغل في العذاب الإنساني المتمثل في الفقد والنزوح والعيش في الوحشة. قصص تقليدية تظهر فيها عناصر القصة بوضوح شديد بدءا من دلالة العنوان إلى تطور الأحداث. اكتفى القاص في توظيف ضمائر السارد و تنويعها بين المتكلم والمخاطب والغائب. قصص مكثفة وطاقتها الفياضة نابعة من تركيز بؤرتها على الحدث الرئيسي ليصل الكاتب في نهاية الأمر لتحقيق ما يريد إرساله إلى المتلقي. أدعو الكاتب إلى ضرورة مراعاة استخدام بعض العبارات استخداما سليما كما في عبارة: المسؤول (اجتمع فينا) والتي أدعو إلى تغييرها إلى (اجتمع بنا) في قصة (القمامة)، كما أدعوه إلى ضرورة استخدام علامات الترقيم في كتابة النصوص لما لها من أهمية للمتلقي (القارىء).
امتلكت القصص كل أسباب النجاح عبر تجاوزها للغة الإنشائية واللغة التقريرية وتحويلهما إلى قص. لغة النصوص لغة فنية عالية وأنيقة.
وأخيرا أظهرت قصص المجموعة قدرة القاص المبدع حجي خلات المرشاوي على التحكم في جملته السردية وصياغتها لتكون مناسبة لمسألتين، الأولى: تسلسلها التشويقي واستطراداتها مما يجعل القصة عملا متصاعدا من دون مبالغة أو ترهل. والثانية: تطويعه للغة بحيث ناسبت لغة المخاطبة العادية الخالية من الصنعة والتكلف. وجدت في القصص اهتماما واضحا باللغة وبالاسلوب وبالحبكة وبطريقة السرد. كما أنني لمست فيها جهدا يستحق التقدير وخبرة تستأهل الثناء.
























