حاسة الرقص لـعزيز الشعباني

حاسة الرقص لـعزيز الشعباني

خلق التوازن بين الدفق الواقعي والمتخيل

رنا صباح خليل

تتوزع المجموعة القصصية (حاسة الرقص) لعزيز الشعباني الى عشرين نصا قصصيا متفاوتا ما بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً ولا يخفى ثمة قصص غاية في الاتقان شكلاً ومضموناً ننقاد اليها مولعون بها لمعرفة محاور ارتكاز رؤيتها وهي تشكل من طنين القلم وقعاً معزوفاً على الورق ذلك كي نستكشف اعماق مبدعها وما اختزنته ذاته من افكار ناضجة ولغة متمكنة من ادواتها واحساس مباشر بأوجاع الحياة وبجمالها المغموس بالمرارة، ومن ثم الرضوخ لتهويمات الحلم وتداعيات الخيال والتخيل حيث التماهي مع القاص وهو يتنقل بين مسالك فوضى الاحتلال وضياع الوطن واختلال التعايش بين فئات المجتمع الى هموم القاص الخاصة بالقلب والاسرة والطفولة والكهولة والعلاقات الانسانية المتنوعة في نسيج قصصي مفعم بالحركة وهو يتنقل ما بين الواقعي والواقعية، الرومانسي والرومانسية، الحقيقة الجادة والحلمي المتخيل فاذا بالقص منابت صادقة لما اراده مبدعها من تفرد ولكي استعلم تضاريس القص في هذه المجموعة المتميزة ارتأيت ان اهيئ خارطة عمل اتوخى فيها الخوض في موضوعات القص التي يمكن لي ان اقسمها الى:

اولاً: قصص ما بعد الاحتلال ومؤثراته الصميمة التي كبلت المجتمع العراقي بالاختناقات والاخفاقات وهي كالآتي:

قصة (الدرب والفرح) فيها يجتمع ثلاثة امور يحتاجها الكاتب كما يقول فوكنر:(التجربة والملاحظة والخيال) والتجربة التي امامنا ثرّة بما حملته من تصعيد للهم الفردي ليكون بمستوى الجمعي او يتعالى عليه فالبطل يكبل بتحقيق لا ضرورة له من قبل شرطي يحاسبه على خروجه في وقت حظر التجوال في بغداد فيبدأ الحوار بينه و بين الشرطي  لتتبلور الفكرة المركزية التي يعالجها فعل السرد المكثف إذ يعود بنا الى ما هو عقلي بعيدا عن حس الانفعال العاطفي حين يسأل الشرطي: لماذا تخرج بعد الحظر.. إنك بتجاوزك حظر التجوال قد تجاوزت على القانون واصبحت من المارقين اعداء الوطن..(صفحة 20 من المجموعة) اما اجابة الشخصية المركزية فقد كانت ترصد علاقتها بفعل المغامرة غير المحسوبة لأنها قد تحمل في كينونتها قصدية فعل الموت او الاعتقال وهذا ما تؤكده في اجاباتها التي لم تكن الا ملغزة للشرطي الجاهل اذ يجيبه البطل(لمحت القمر والسحب تتشح بالنور، فهبت ريح عصفت قلبي وخرجت مبكراً ولم اتجاوز الممنوع، الا ان الظلام اللعين قد حل قبل ان يتنفس النهار…)

وبفرضية ضمنية ان القصة هذه بإزاحتها للواقعي القائم بالممكن من المتخيل هي نتاج ازمات وانكسارات كبرى يعانيها الفرد نتيجة تعدد الانتهاكات وهيمنة السلطة والدولة بأشكال متعددة مهينة تجعل من ذلك البطل وهو يعبر عن حالته التي تلوح بالنص وتطوق العمل الفني اشبه بكاميرا تصور الايحاء الى الحد الذي يرمي بالصراع النفسي الذي يعانيه البطل في ساعة توحد روحي مع ذاته التي اخذت به للسير بخطى غير محسوبة في الشارع.

اما قصة (المدفع 106) فلم تكن اقل وطئاً من قساوة القصة التي سبقتها فشخصية البطل السارد متداخلة نصيا ويكتنفها شيئا من الغموض والاسرار ذلك انها تعاني سجنا وتعذيبا مبهما دون سبب واضح توصلها حد اليأس وقلة الحيلة الى ان يظهر شخصا يكون مبهما في البداية ثم تتضح شخصيته عندما يخلص البطل مما قيد به، ان هذا التداخل المقصود يفهمنا به القاص ما مفاده ان(عالم القصة ليس قريبا فقط من العالم الذي نعيشه ولكنه في جوهره متطابق مع الحياة كما هي في الواقع )() لتظهر المفارقة وتلعب دورها عندما يتضح ان المنقذ الذي اصبح ذا شأن في الدولة كان يوما ما يشكل مع البطل فريق عمل في الجيش مكون من سائق ورام لأعداد المدفع (106) ان هذه القصة تشعرنا بالكوميديا السوداء عند الانتهاء منها بعد الخوض في تفاصيلها وما يلفت الانتباه ايضا انها كتبت بلغة واسلوب يوحي وكأنها كتبت للقارئ العراقي تحديدا فهو الوحيد الذي يعي ما تربى عليه ازلام الدولة في ظل سلطة دموية بائدة وان تبدلت الوجوه والشخصيات فالأساليب نفسها هي التي تمرست على امتهان الانسان واذلاله وممارسة كل انواع القهر والموت عليه، ان السطح الذي انهالت عليه القصة في ضوء المفردات المكانية الخاصة بمكان احتجاز البطل ومكان التقائه بالصديق المنقذ يتضامن مع زمنه بالمفردات التي تشير اليه، وبهذا اصبح المكان حاضنة اولية ونهائية للزمن .

جثة عريس

في قصة (الالفين وستة):

اتخذ القاص من ثيمة التهجير موضوعا يفترش عليه مائدة قصه فاذا بمجموعة اشخاص يدخلون بيتا هُجّر اهله كي يستمتعوا ويشربوا الخمر الا ان انفاس اصحاب البيت كانت تعكر امزجتهم وتقلق استمتاعهم وصولا الى عثورهم على جثة العريس داخل البيت تحت الاريكة، ان ما نجده في هذه القصة  بشكل لا يحتمل اللبس ان لا بطل فيها وان الاشباح الذين اتوا بأهزوجتهم (عريس وربعة يزفونه) وهم يكبرون ما هم الا الأبرياء الذين قتلوا دون ذنب كما تشير القصة، وبذلك اصبح هؤلاء الاشباح رمزا يتساكن ويمتزج داخل كل الارواح العراقية لتكون قاسما مشتركا بينهم للظلم بأبشع صوره هذا القاسم الذي يتحدث بلسانهم جميعا، يتحدث عن تجاربهم ومشاهداتهم او لوعاتهم ومآسيهم وهذا يتضح لنا حين يمنح القاص للخوف بعدا مكانيا ودلاليا تمثل بتلك الوجوه الملثمة التي كانت تتراءى خارج المنزل، وما اشتغل عليه القاص ضمن تقنية تراكم المفردات والدوال المكانية داخل غرف البيت بطابقيه العلوي والسفلي، انه تراكم مبيت ومقصود لمحاصرتنا ذهنيا اذ تختبئ بين طياته بؤرة العتمة والتحجيم ليدل القص على ان هذا البيت كان أهله فرحين بعرس اقاموه  لولدهم في وقت ليس بعيد الا انهم لم يهنأوا بفرحهم.

اما قصة (ارحلوا.. وإلا) فالموضوع فيها ليس بعيدا عن القصة السابقة وانما مكملا لها في وجه من الوجوه فالثيمة الاساسية هنا هي موضوع الطائفية التي افتضحها القاص بوساطة السارد الذي يدخل في شرايين الحدث ويهشم اطره لينتظم حكيها مع بعضها ومع الاخر وكذلك مدى تأثيرها على ما حولها فالتحولات التلقائية الحاصلة في كينونة الاشخاص الذين تجمعهم مدينة واحدة ومحلة واحدة وشارعا واحدا هي ضمن المتصور من المحكي القصصي ليوضح لنا لعبة خفية صانعها المحتل وادواته احد ابناء ذلك الحي وبهذا يحافظ السرد على قوة الشخصية وقوة فعلها وذلك بالانتقال بها مما هو واقعي الى ما هو متخيل \ حلمي او العكس كون الاحداث شاهدا آخر تتبناه الشخصية الحالمة كحلم يقظة ما يجعلنا نرى المحكي القصصي يفارق الواقع في بنيته العميقة مما ادى الى ان لا تصاب القصة بالترهل والرتابة في مثل هذه الرؤى والثوابت.

ثانياً :الحب في قص الشعباني:

لنبدأ بالأنوثة والحب فالقاص يقدمهما على نمط واحد وهو ذلك النمط التقليدي على الرغم من الحداثة الظاهرة على النصوص وبرغم لغتها المفعمة بالإحساس المرهف الذي نجد انفسنا ننقاد ازاءه دون شعور مسبق لنسمع صدى الروح وهي تهمس في ساعة سحر لتبلغنا عن حبيب غاب وله أثر دائم او ذكرى لحب قديم في اميرة الورد او تباريح حبا مستحيلا بين اثنين يفرقهما اختلاف الديانة في حكاية حب اتني هذا فيما سبق من قصص اما ذلك الحب الذي نشأ في لحظة خاطفة بين اثنين على عتبة الباب في (قصة حب من اول نظرة) فقد استثمر فيها القاص المفارقة بشكل ذكي اذ ان الحبيب جاء الى بيت ما ليبلغ عن مقتل ولدهم بانفجار واذا به يلتقي بابنتهم ويقع بحبها وبذلك استطاع القاص بمهارته تنشئة موضوعا غاية في الرقي من مأساة،  فقد صنع  من الموت ولادة جديدة لحباً يصفه بأبهى صوره العذبة، قلت في بداية كلامي عن تناول القاص لموضوع الانوثة والحب على انه اتخذ منهما الشكل النمطي التقليدي وهذا من ناحية تناوله للمرأة بوصفها احد اقطابه كشخصية وكمفردة فنية هامة داخل المشهد القصصي فهو لم يخرج عن العلاقات التقليدية وما اعتقده اننا حين نلج عالم القص لا تصبح تلك المواصفات المحددة سلفا ذات عمق يوازي وجودها على ارض الواقع فوظيفة الأدب ان لا يقدمها على علاتها بما فيها من صياغة مباشرة ذلك ان القص لا يتعامل مع البشر المثاليين حصرا ولا يؤثر البديهيات على حساب قيم جمالية موغلة في صميم النفس الانسانية ولأهمية هذه القيم لا يجب التعامل معها بفوقية او اهمال خاصة في العمل الادبي.

وفي هذا الصدد اجد عدة ملامح للقص أختزلها بالاتي :

  • الاسلوب الواضح فيه على مستوى الطرح غياب المرتكزات النفسية التي تترجم فيها لوعات الحب وعذاباته فلم يتباين الافصاح ولم يختلف الاسلوب برغم وجود شخصيات مختلفة ومفارقة.
  • الشخصيات في مرحلة حياة يتنازعها عالمان عالم يتشبث بالذاكرة فيضفي على القص حميمية حقيقية ضمن افق محدود وعالم آخر يحل ويخفي سمات العالم الذي سبقه فالشخصيات تنخرط بدوافع الآن لتصنع الواقع بأحاسيس الامس.

ثالثاً : القص في كنف الاسرة والطفولة:

تحت هذا العنوان تتعلق اربعة قصص كمشكاة في افق القص وهي (لذلك اسميته الحلاج) و(امي وابي ولون البيت) و (دللول) و(بالأبناء احساناً)

اما في الاولى فيتناغم الماضي مع اللحظوي لإخراج ما هو مترسب في مهيمنات النص المنتج  ليؤكد قدسية ذلك الجد الذي يُعلم ابناؤه ان سقراط وهب حياته للفكرة كي يشذب فيهم تطلعات الفكر بصورة تنويرية يختلف بها في ارائه عما اجمع عليه الناس وغايته في ذلك انبات المعرفة وتجذيرها في خلجاتهم من خلال قصه للأطفال وهذا لا يتم الا ضمن علاقة روحية ما بين ارث الماضي وبؤرة متحققة في المحكي الآني وهذا التنوع الزمني ما هو الا عملية تطوير دائبة في تحولات المفاهيم لأنها تكشف لنا عن مكامنها التي تمسك بكل اللامرئيات وتحيلها الى عالم مرئي.

ثيمة ترابط

بينما تجترح قصة(امي وابي ولون البيت) الى ثيمة ترابط ذلك الوجود الازلي للوالدين ليكونا اوتادا تضفي على البيت رسوخه عبر السنين وتجذره برغم تكالب المحن فتكون الام مستودع الاسرار ويكون الاب مكمن الامن والحنان، على هذا النحو ينهض النص بوساطة خلق لغة جديدة لا تفارق الامكنة وتعزف بمدلولات مجازية تصف الاب (سمرته  ظلمة مضيئة في فضائه.. لغته طلاسم من اسراره…) صفحة44 من المجموعة، الا انها تعزف على اوتار الاسى في نهاية القص بعدما تستفحل فجيعة الحرب بإفرازاتها السامة على الكلمات ليكون لها ذلك التلاحق في تعاقب ساخن غير منفك كي يبقى في ذهن المتلقي أسى يتعدى خصوصية الكلمة الى مساحة هائمة يستوعبها كلام القاص حين يقول (بعد الحرب وجدت امي تنظف النوافذ بلا زجاج وابي يخبز جوعنا بلا طحين).

في قصة (دللول) تترفع الامومة بأعلى مستوياتها حين ترتل الام تلك اللازمة التي تترنم بها جميع الامهات لأطفالهن منذ ان يولد الطفل لتكون اغنيتها الاثيرة حتى مماته والام هنا لا تهدهد مهدا لوليد انما تبث شكواها بعدما ثكلت بابنها الشاب الذي قتل دون ذنب لتتماثل دللول مع لفظة بريء.. بريء في لحن مدوي في مستنقع الفقدان دون مبرر، لحنا موغل في عمق الاحداث ومتجه نحو اماكن قصية عميقا كبئر معتمة.

في قصة (وبالأبناء احسانا) فالقاص يحيلنا الى ذلك الجو الاسري المتناقض مع قصة (امي وابي ولون البيت) ففي هذه القصة تكون الاسرة مشحونة بالتوتر نتيجة عدم تفاهم الوالدين وعراكهما المستمر وقد نجح القاص في القصتين لإيصال القارىء الى عالمين مختلفين في مكون واحد وهو الاسرة، وفي هذه القصة تتداخل الذات مع المكان وهو تلك الغرفة التي تجمع الاخوة بمعية اخيهم الاكبر الشاهد على تقلب اخيه الاصغر منه الى اختفائه من البيت ذلك التداخل ما بين الذات والمكان تتملكه رغبة الانكشاف والتعرية كونه اي المكان بمثابة الحاضنة المولدة للانكسار الذاتي المرتبط بالانكسار المكاني الذي يؤلف قوة دافعة عند الشخصية لرسم تحولاتها النفسية فقد توغل الأب صوب شروق الشمس للبحث عن ولده وغالت الام وهي تندس في جنح الغروب وسارت الجدة مطأطئة رأسها تتبع الجد صوب القبلة بينما ضاع الابناء بعدما ضاعت عليهم معالم المكان.

رابعا: موضوعات متفرقة رسمت دوال القص:

تحت هذا العنوان سأقرأ شيئا من تجربة مكسيم غوركي واتوقف عند حديثه الذي اراه يصب في ما سنتصفحه من قص اذ يقول 🙁 قرأت كتبا ضعيفة لا تحصى، ولكنها مع ذلك كانت نافعة لي، ينبغي للمرء ان يعرف الجانب السيء في الحياة، كما يعرف الجوانب المشرقة، وعليه ان يمتلك المقدار الاكبر من المعرفة، وكلما كانت التجربة اكثر تنوعا، كانت منزلة المرء اكثر رفعة وافق رؤيته اكثر رحابة)(2)

هذا يملي علينا ما مفاده ان تنوع الخبرات تصب في تنوع الموضوعات وأول ما عرضه علينا القاص وفق هذا المنطلق ثيمة الظلم القسري للسلطة على الفرد ففي قصة (سيد اللحظة) يوظف القاص تخلي البطل عن قريبه وتبرأته منه حفاظا على نفسه وعلى المتخلى عنه، والقاص قد نجح في خلق مشابهة ظاهرية بين المحكي قصصيا والمحكي واقعيا اي تاريخيا فهو يستذكر من على باب المقهى كل مجريات الامور بتفاصيلها وهذه المشابهة الخارجية لها مرجعيات واصول تاريخية لكنها مختلفة في الدلالة النصية للمحكي قصصيا وهذه ليست مخادعة بقدر ما هي وسيلة للوصول الى مبتغى النص بوساطة كسر المتوقع فما شاهده البطل وهو على باب المقهى كان اشبه ببانوراما تظهر له تبعات صراعات اثنية ومزيج غريب من الحب والكراهية وبذلك فإننا نرى المقدمات تدعم النتائج التي آلت اليها الدلالة النصية في دائرة تلك القوانين المجحفة وما ينتج عنها من منتجات قسرية تخلق عوالم حسمتها اشارات القص (الجدران تلبس ثوبا زيتونيا، الخوف صبغ المكان بالسكون، المختار، الرفاق، سيارات اللاندكروز…)

في قصة (حاسة الرقص) يعود بنا القاص الى مثبطات الحياة في بغداد ما بعد الاحتلال وافرازات حظر التجوال الذي اعطى ثماره هنا بشكل مخالف للمتوقع وكاسرا للهيمنة السلبية اذ ان طلابا يحتفلون بتخرجهم ويستمر الاحتفال الى ما بعد العاشرة مساءً يتخلله الفرح والرقص على انغام سعاد وهي تغني وترقص مع زميلاتها وزملائها بمشاركة الآباء والأمهات لتكون العلاقة بين الحضور هنا علاقة تبادلية في المتصور الذهني خارج الفعل او المبنى الحكائي اذ ان فاعلية الرقص بصفته الجاذبة لموصوف خارج حدود الخوف في نسق ممتد يتجاوز الوقت يفترض وجود مكونات قادرة على استيعاب صفة المشهد بكل دلالاته التي قد تكون خارج حدود صفة المكان من الناحية التأويلية والزمان بفرض هيمنة حظر التجوال لهذا يصبح الفعل بصفته محفزا اشاريا بنية جديدة تتساوق وبنية الاحتواء التي تتشكل لتخترق مساحتها في الوقت الذي تستوعبه مساحة تتشكل عبر ثلاثية تبدأ وتنتهي على النحو التالي (تهيئة /احتواء /انصهار).

اختلاف بائن

قصة (خدعة اللوح الزجاجي) في هذا النص نجد اختلافا بائناً عما سبق اذ تتشظى اللحظة القصصية ويسقط القص في العادية ذلك انه يحمل كبناء فكرة تجريدية هشة غزاها القصور والتشبيه المفتعل بلا مبرر فني حاد فغاب التكثيف الذي يجلب المتعة القرائية ونُحل القص الى درجة اللبس فهل كانت الفكرة ان الذبابة باحتباسها خلف اللوح الزجاجي ومحاولتها الخروج كان معادلا موضوعياً لمحاولة الانسان ومكابداته للحصول على الحرية بعدما فقدها بيديه، ربما اراد القاص ذلك في ثنايا ما وراء القص الا انه لم يتقن اشتغاله . بينما في قصة (زراعة الخوف) ابدع القاص حبكته في توصيف ما آل اليه اطفالنا بسبب ما توارثوه من خوف متجذر من المجهول غذته اعراف بيئية تربوا عليها وقيم تجذرت في ادمغتهم الناصعة البياض وعندما نتأمل النص ونتابع الحوار الذي دار ما بين التلميذ والمعلم نرى الكيفية التي اسهم فيها الدال /الخوف/في توسيع المسافة بينه وبين مدلوله عن طريق الاسناد المتحقق في /المجهول/ بذاته لا فيما يحققه من تهويمات.

في قصة (بلاط الفقراء) يستخدم القاص تقنية فلاش باك لشخصا يدخل محلته بعد غياب ويبدأ بالاستذكار لأصدقائه والقهوة التي جلس فيها والشرفة التي كانت تقف حبيبته فيها، ان اهم ما يلفت الانتباه في هذه القصة هو خلوها من الموضوع او المادة التي تصنع الحبكة الراسمة لمعالجة حالة استدامة القص على الرغم من ان تلك الاستذكارات كانت لها نكهة خاصة واحساس مضن بالخسارات الامر الذي يجعلنا نقف عندها مأخوذين بوهج الكتابة وسطوعها الفني اذ ان الرصد العياني للشخصية يمتد داخل زمنين تبحث فيهما الشخصية عن ما هو داخلي مرتبط بهمومها ورؤاها التي لا تبحث فيها عن تمجيد لذاتها او اعلاء لشأنها هي فقط تحدد مسارها الاني المكبل بالحنين.

اما قصة (او لا اكون) فتتناول بصورة سريالية حالة التمرد على واقع معاش تجذرت فيه البطالة حتى هتكت بأحلام الشباب، هذا التمرد تواجهنا في تحليله مشكلة اساسية الا وهي هل ان موقف العزوف عن خروج البطل للعمل كأجير في البناء او ما اصطلح عليه بـ (العمالة) كان نتيجة صحوة يقظة ازاء الظروف المهينة ؟ ام انه فعل جاء بدافع التمرد على نوعية العمل الذي لا يخفى تدني مستوى مردوداته وبساطة ممتهنيه؟ ربما الاثنين معاً الامر الذي يؤدي الى مشروعية صراخ الذات وتمردها وفي هذا النص نجد الحجج والجدل في مقابلة مع اليأس والالم والعذاب الذي ادى الى التجديف انسجاما مع المد الجارف للشعور بالعدمية التي يعيشها البؤساء من الناس وهذا الاحساس اجده يتواشج بصورة ما مع قصة (للابتسامة دلالات اخرى) ففي الاخيرة احساس مضن بأنفاس الموت تجعل القارىء يشعر ان الموت كائن حي نكاد نراه ونحادثه في ايماءات شخص على فراش المرض وقد تعطلت كل خلايا جسده ولم يتبق لديه سوى نظراته الموجهة صوب المكان بحسرة ورائحة قدوم الموت ذلك الزائر المقيت الذي اصبح الان المخلص من ذكريات هذا الانسان التي تكبله بالخوض في تفاصيل تعب السنين ومرارة لقمة العيش وهو يئن بعدما لم تعد هناك فسحة من وقت للاسترجاعات سوى للأوجاع والشعور بالخسارة، اذ تخفت الاصوات وتضيق المسافات او تتسع امام ناظري المحتظر هو وحده من يقرر ونحن لا نرى سوى القتامة وهي تعلو شاشة الرؤية.

معطيات مهمة

اما في قصة (عنة النواعير) فقد كان للرمز حضور واضح بين ثنايا النص بطريقة تمكن القارىء من التفاعل مع المعطيات المهمة في حياة ذلك الفلاح الذي آثر عنة النواعير بنشيجها وكأنها تسقي أرضه بصوتها لا بعملها ما جعله لم يفكر بتحديث طرقه البدائية اذ اخذت النواعير دوراً رمزياً يحكي متاعب هذا الانسان وهمومه وقناعاته بطرق عيشه التقليدية، الا ان الناعور كان له الحظ الاوفر للحضور ببعده الفلسفي الناطق به لحنه الشجي الذي كان يثير كوامن النفس الحزينة حتى ليخيل للقارىء ان ذلك الناعور يتمثل لنا بدواخله وذاكرته التي تبوح شجناً فما كتب في هذه القصة مشوب بحنين خاص الى وجود حالة سوية ما بين الفلاح والناعور فكل ما في القصة يبدو ضائعا ان لم تؤكد هي وجود ذلك التواصل الانساني ما بين الانسان والالة، ان الحنين الذي تحدثت عنه هنا اشبه بسيل يمتد بجذوره الى المخطط الفكري لفن ترجمة الحياة عند ذلك الفلاح على انه يترجم القيمة المجهولة في معادلة أسسها نفســـية ومادية .