مقبولة الحلي.. سيرتها وتأملاتها وأفكارها

مقبولة الحلي.. سيرتها وتأملاتها وأفكارها

القصيدة تختار عفراء شاعرة الأحزان

نجاح هادي كبة

1- السيرة الذاتية :

هي مقبولة عبد الله نجم الربيعي هذا من ناحية أبيها، أما أُمها فهي سعدة حسين عبو الطائي، أبوها خريج جامعة إسطنبول في الأربعينيات، وشغل مناصب إدارية عدة إبان العهد الملكي منها : رئيس محكمة تمييز بغداد، ومسؤول عن العشائر وأنسابها في وزارة الداخلية في الحلة وفي مدينته (السنية) عرف باسم (عبد الله أفندي) وفي بغداد كانوا ينادونه (عبد الله الحلاوي) ومن هنا الصق (الحلي) بشاعرتنا الراحلة (مقبولة). أما أمها فهي تنتمي إلى قبيلة (طي) المعروفة بوجاهتها وكرمها في (الشامية). في أسرة مثقفة نشأت مقبولة، فزيادة على مؤهلات والدها –المذكورة آنفا- كان لها أخوات مثقفات في ذلك الزمن الصعب فأختها زكية مديرة مدرسة وكذلك أختها نبيهة والثالثة بهية خريجة ثانوية. أكملت مقبولة دراستها الابتدائية والثانوية في بغداد، والتحقت بكلية الملكة عالية فرع اللغة العربية وتخرجت العام 1953م. وعينت مدرسة لهذه المادة حتى وفاتها، أما زوجها فهو: محمود إبراهيم الصالح الربيعي (خريج قانون) من مصر، وشغل مناصب عدة إبان العهد الملكي منها : مدير أملاك بغداد، رئيس ملاحظين في الشؤون الاجتماعية. سكنت الحاجة مقبولة ببغداد في الأعظمية، وقد اختارت لقب الحلي اعتزازاً بمدينة الحلة فقد كانت تقول (مدينة الحلة مدينة الشعر والأدب). وقد اشتهرت الراحلة مع زوجها بالكرم والضيافة واستقبال الضيوف، فقد كان بيتها بمنزلة فندق لأقاربها (الربيعي) وحباً بها واحتراماً لها ولمدينة الحلة فقد اختار الدكتور طارق أحمد الربيعي متخصص بأمراض الأطفال لقب (الحلي) بدلاً من (الربيعي) حيث أكمل دراسته في كلية الطب-بغداد، في بيتها. وكانت الراحلة تحط ركابها عند صديقتها (الراحلة) كوكب الشرق حين كانت تزور مصر. (الربيعي، 2012م، ص : 3) بتصرف.

2- شعرها وتأملاتها :

لمقبولة قصائد عدة منشورة، منها :

أ. تحية بغداد- مجلة (الأقلام) ع : 8/1965م.

ب. قل ما تشاء، مجلة (دنيا المرأة) اللبنانية (العدد الممتاز) لسنة 1963م.

ج. يا شروق الشمس- مجلة (الثقافة) التونسية، ع2/آيار 1963م.

د. (ولها نشر في جريدة (الهاتف) العراقية، ومجلة العرفان اللبنانية. ” ويذكر ” لديها ديوان شعر مفقود ذكرته المصادر بعنوان (الحب الكبير) وقام

الدكتور أحمد حميد كريم بجمع ما استطاع جمعه من شعرها المنشور

في الصحف والمجلات. تم نشره في مجلة كلية العلوم الإسلامية بجامعة

بغداد). (محسن ، 2014 ? ص218-219)

إن ديوان شعر (الحب الكبير) مخطوط بيدها اودعته في مكتبة كلية الآداب- جامعة بغداد- قسم الدراسات العليا.

كانت تنشر قصائدها باسم (عفراء) لكن أباها طلب منها ان تصرح باسمها فطلعت باسم (مقبولة الحلي)، ويضيف صباح نوري المرزوك : (لها تواقيع مستعارة مثل (عفراء)، الشاعرة المرحة، حواء، شاعرة الأحزان…شاركت في مؤتمر الشعر العربي الثامن ببغداد سنة 1965م) (المرزوك، 2008م، ص : 90) وكان لأستاذها حسن الأمين أثر في رعايتها فرعى موهبتها وبدأت تنشر شعرها في الصحف والمجلات لاسيما (العرفان) في صيدا، فلها شعر لفت الأنظار إلى هذه الموهبة الأدبية المتفتحة ولمقبولة قصائد عديدة تطلق فيها شاعريتها لتطرق أبواباً لم تجرأ غيرها إلاّ القلة على مجاراتها فيها، ولاسيما في الشعر العاطفي…ولها في قصيدة روحانية :

أهواك روحاً وشعراً

وفي ظلامي نورا

وفي خيالي ذكرى

يشع نبلاً وسحرا

***

يا مأمل الروح اني

فان اتيت بذنبٍ

وان جفيت فإني

جنيت حبك زهرا

فان لي منك عذرا

أهواك ما عشت عمرا

(داود، 1958م، ص : 199).

 (ومن أجمل ما أجادت بها الشاعرة قصائد الوصف والتأمل التي تدعو إلى (فرحة الحياة) وأنت حينما تقرأ واحدة من هذه القصائد تشعر بأن الشاعرة تهدهد روحك على مهد من الأحلام الناعمة ونضرة الربيع العطر، ولا عجب إذا ما قرأت لها قصيدة (أشواق) التي تقول فيها :

سأظل التهم الطريق بأعيني

حيرى تلفت لا يقر قرارها

كم جئتها والقلب يملأ رحبة

يصحو مع الصبح المعطر بالمنى

منهومة النظرات علك قادم

ظمأى إليك وأنت ناءٍ سالم

شوقاً إلى لقياك زاهٍ دائم

وإذا ينام ففي لقائك يحلم

(آل طعمة، 1995م، ص : 182-183).

في شعر مقبولة كبرياء المرأة واعتزازها بنفسها، فهي ترى في حبييها الندم والخسران حين فارق حبها، بعد ان أوسعت قلب الحبيب بالحب والصدق والوفاء تقول :

غداً تبكي وتشقى من جفائي

غداً سأريك كيف تثور نفسي

ولا يغدو هواك سوى رماد

وأمحو ذكرى حبّك من فؤادي

وأبعد عنك لا عتبي ولا عتب

وتخلع عنك ثوب الكبر لما

ويشجيك الأسى من طول هجر

تندم حين تدرك ما جزائي

لعزتها وتثأر كبريائي

سأتركه بلا ندم ورائي

وأسلو عن هواك بلا بكاء

ولا أمل يجدد باللقاء

أسدّ عليك أبواب الرجاء

ويقتلك الحنين إلى غنائي

ان شعراً بهذا المضمون المبدع ليشير بالضرورة إلى صوت نسوي هادر يدل بلا مواربة على ان المرأة العراقية قد خطت خطوات إيجابية في استقلال شخصيتها وبلورة أفكارها في ذلك الزمن الصعب الذي عاشت فيه مقبولة، إذ كان فيه التفريق الجنسوي على أشده وما يؤكد قوة شخصيتها واستقلال رأيها ما قالته في الحب :

أنا فوق الظن…لا إثم ولا ظل لإثم

أنا أهواك وألقاك على آفاق وهمي

أنا أهواك فهل في الحب من عار وجرم

أنا أهواك وما زلت مدى الأيام غنمي

أنت مني. كالشذى عطرا، ماضيّ ويومي

          مقبولة صوت نسوي وطني وما يزيد هذا الصوت النسوي الوطني أهمية هو شحة الشعر النسوي الوطني آنذاك، قالت في قصيدة (تحية بغداد) :

قفي وانظري بغداد طيف الركائــب

قفي واسمعي لحن الأحبة منشدا

قفي وتغنّي باللقاء وغرّدي

أ يجدد من آمالنا كل ذاهب

أغاني المنى والمرتجي والرغائب

فقد ضمَّ هذا الجمع كلّ الحبائب

ولا تسمعي العذّال ، لاعذل في الهوى ولا لوم في حب رضعنا صراحة

وصفناه في الأوطان لحناً مباركاً

أ منعناه عن زهر الوجوه الكواعب

وحلواه من أمٍّ طهور الترائب

يوحدنا رغم النوى والمذاهب

وما نحن إلاّ في سماء بلادنا

نجوم وان تستر بكل الغياهب

يتعدى حسها الوطني الهادر إلى حس قومي يمتد عبر فلسطين والجزائر، ومراكش، فمقبولة الحلي صوت عربي قومي النبرات، صادق العبارات، وهو يتدفق شعراً رقيقاً بالأمة العربية ومجدها العظيم وقضاياها المصيرية في تصوير ما انتابها من شجن واعترى حياتها من نكبات، وهاهي ذا تئن لفلسطين الجريحة فتقول :

فلسطين وهذي النار لا تبرح مثوانا

وقد يخفي ظلام الليل أحداثا وأشجانا

فلن نفضي ما مرّ علينا الدهر-أجفانا

سنفهم قصة-الهدنات- أطفالا وولدانا

ونشرح غصة كانت على الأفواه خذلانا

سنرويها على الأجيال ذكرى من قضايانا

(أل طعمة، 1995م، ص: 184)

لابد من الإشارة إلى ان الشاعرة مقبولة الحلي لم يقف أمامها عائق التفريق الجنسي في مجتمعها بل تحدته وشاركت أخاها الرجل في بناء مجتمعها وتطرقت إلى أغراض شعرية متعددة ما جعلها ممثلة للنهضة النسوية في بلادنا التي أخذت تتضح في الرعيل الأول من الشاعرات أمثال : فطينة النائب ونازك الملائكة وعاتكة وهبي الخزرجي وغيرهنّ من الشاعرات المبدعات.

المصادر:

– آل طعمة، سلمان هادي، 1995م، شاعرات عراقيات معاصرات، دار البراق، لندن، ط2.

– الربيعي، طه فرحان (2012م) ملحق جريدة المدى (عراقيون)، ع : 2642? س:10.

– الشيخ داود، صبيحة (1958م) أول الطريق، مطابع الرابطة، بغداد، ط1.

– محسن، جواد عبد الكاظم (2014م) معجم الأديبات والكواتب العراقيات في العصر الحديث، ج3? ط1? دار الفرات للثقافة والإعلام، الحلة.

– المرزوك، صباح نوري (2012م)، شعراء الحلة أو تكملة البابليات، ط2? ج3?? دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة.

– نفسه (2008م) النهضة الفكرية في الحلة، دار الأرقم للطباعة، الحلة، ساعدت على نشره غرفة تجارة الحلة.