رواية السقشخي لعلي لفتة سعيد

رواية السقشخي لعلي لفتة سعيد

زمن الخوف والفراغ

طارق الكناني

لعل الخوف والفراغ هي السمة التي يتصف بها الشرق اوسطيون ولكن هنا في بلاد مابين النهرين تعتبر ارث يوصي بها الأب لابنائه حتى لايتمردوا ولاتعلوا اصواتهم فوق صوت الحاكم ،هكذا اراد لنا (علي لفتة سعيد) ان ندخل وسط هذا الجو المشحون بالخوف والموت حاملين معنا خوفنا بل يحمل كل منا زنزانته على ظهره ولايرغب بالخروج منها باطلاق العنان لنفسه ،لقد اختار الكاتب المنطقة بعناية فائقة فهو قد عايشها بكل تفاصيلها وعايش الكثير من شخوص الرواية فهو لم يبخسهم حقهم ،قد يكون جزءا من شخصية ماجد خيالية ولكن ليس كل الشخصية فهي مزيج بين ذلك العراقي الذي امتهن اعظم مهنة وهي التدريس وبين شخصية الكاتب وقد وظف (علي لفتة سعيد) في روايته الوسائل التي اتبعها النظام في اذلال هذه النخبة من المجتمع حيث كان الاختيار اكثر من موفق ،وحتى يؤرخ الكاتب لما كان يجري في ذلك الزمن ،فقد اختار مكانا نائيا صغيرا يجمع كل الطيف العراقي متنوعا بتنوع المجتمع العراقي منوها ببلدته التي عشقها متحدثا عن تجربة ذاتية واختار مهنة مقدسة في الضمير الإنساني واختار شخصا اقربهم إلى نفسه فهذا التزاوج الذي حدث بين المكان والزمان اعطى للرواية بعدا واقعيا ملموسا عانى منه الكثير من العراقيين فمن غير المستغرب ان يعيش العراقي داخل سجنه الذي دخله بنفسه غير مختار!!! ،بالرغم من تغير الاماكن بقي الخوف وسجن الذات ماتعاني منه الشخصية العراقية .

تنقسم الرواية إلى ثلاث مرحل عايشتها الشخصية الرئيسية في الرواية متمتلة بالمدرس ،المرحلة الأولى: وهي مرحلة الدكتاتورية ،وهي مرحلة مرعبة بكل تفاصيلها فالخوف والفراغ والعصا الغليظة ورائحة الدم سمة غالبة في تلك الحقبة فالموت يلوح بين الحين والآخر امام ناظريك دون سابق انذار أو معرفة ،عايشها ماجد بكل تفاصيلها بسبب تقرير من مجهول (يعرف هو مصدره) لأنه ذكر عبارة

(نحن في زمن الخوف والفراغ) اسئلة كثيرة مسكون بها الكاتب طرحها من خلال معاناة شخوص الرواية وهو بين ان يتمرد على وصايا ابيه وبين الانسياق ورائها (أية حكمة يا أبي ؟ لم تورثنا سوى المراوحة في المكان ذاته ونحن نتشدق بالهدوء والابتعاد عن المشاكل ونحن في وسطها)، بقيت حالة الخوف وسجن الذات ملاصقة لبطل الرواية بالرغم من تغيير المكان ،ففي المرحلة الثانية في امريكا ،حين يكتشف ان لافرق بين ديكتاتور وديموقراطي فالكل مصاب بنفس الهواجس الامنية فالمحقق الامريكي لايفرق عن المحقق العراقي فالكل يريده ان يعترف وهو يعلم حقيقة انه بريء هكذا كانت المرحلة الثانية من حياته فهي مشابهة لما سبقتها وظل رهين محبسه لم يستطع ان يتحرر من خوفه ورائحة الدم والخوف تزكم انفه بالرغم من عثوره على مصنع الجمال متمثلا بزينب  ،ولاغرابة ان يكون السجان نفسه هو داخل سجنه ايضا فهو حين يحتمي بالصورة الكبيرة المعلقة خلفة فقد رهن نفسه مع صاحبها فهو في سجن ابدي لايمكنه الخروج والتحرر منه ،والمرحلة الثالثة هي مابعد الاحتلال الامريكي للعراق او كما يرغب البعض تسميته تحرير فالقضية مرهونة بوجهة نظر المتحدث ومعتقده والايديولوجية المؤمن بها  بقي الخوف والموت يسكن عقل الشخصية العراقية وبقيت رائحة الدم والموت كما هي  ،فبعد  طول نأي عاد ماجد ليرى الشارع اكثر خوفا وريبة وفوضى لم يعد هناك مكانا، حتى لصنع الجمال فكل ماهناك تم استبدال صورة بصور اكثر لشخوص لاقيمة لهم وربما صور لاعداء العراق .

بقي الناس يتلونون بلون المحيط الذي تم وضعهم فيه فبعد ان كان حنون من رواد البارات والكاولية صار السيد أبو غالب وامتلأت اصابعه بالمحابس ومسبحته السوداء (101) والتسبيحات التي ازعجته في اشارة للبراغماتيين الذين تسلقوا مرة اخرى وباسلوب آخر إلى مراكز القوة والقرار ،لقد تبين سائق التاكسي تلك النظرة من ماجد واختصر النقاش بأن الجو العام هكذا .واستبدال الاغاني بالنواح ولم تعد هناك دور للسينما والمسارح اختفت هي الاخرى  .

لم يكن غريبا على الكاتب ذلك الولع المجنون بكلمة أم وهذا الحنين المشبوب بالعاطفة حين يصور تلك المرأة التي تمنحنا الحياة ، فهو حين استحضر شخيصة الأم بكل لوعتها وبكل كلماتها حتى مناجاة ابنها العائد للصورة في مشهد درامي قلّ نظيره ،تلك العاطفة التي غمرتنا من خلال قراءة المشهد مرجعها الكاتب نفسه فهو مازال محروما من تلك العاطفة مذ ولدته ورحلت عنه ،فمن الصعب على القارئ ان يخفي تلك العاطفة الجياشة التي في داخله حين يقرأ هذا المشهد بل يتوقف عنده ليكمل مابقي له من الدمع الذي فر من مكامن الوجع والحنين.

قد اكون مررت مرورا سريعا بشخصية (زينب ) في الرواية فهي شخصية محورية وذات تأثير فاعل في الحدث الدرامي وذات دلالة عميقة لما يمثله هذا الجانب الغريزي للشرقي بصورة عامة وللجنوبي بشكل خاص ذلك الحياء المتأطر في تقاليد العفة تتنازعة الرغبة والانسحاق في سبيل الوصول اليها بالشكل الذي يرضي جميع نوازعه ،فهو يؤمن بالحلال والحرام، ويؤمن بالعفة والعفــــــــــاف، ويؤمن بالرغبة الجامحة التي تجتاحه عند رؤية الجمال، فالجنوبي عاشق للجمال فهناك الغناء والموسيقى وحتى الطفل يتكلم شعرا ،ونشيج النساء غناء .

لقد تسامى الكاتب في اطلاقه صفة الجنوبي بدلا من ان يصفه بطائفته  فهو لم يجرؤ على خدش الضمير العراقي بالرغم من امتلاكه كل ادوات النحت المطلوبة لصنع الشخصية التي ارادها وبالتالي وضع روحه في داخل هذه الشخصية وبدأ يتماهى معها حتى جاء على كل تفاصيل الرواية في انثيالاته التي رسمت لنا صورة جديدة في عالم الرواية العراقية التي اخرجها عن اطارها التقليدي ،فاصبحت اليوم الرواية العراقية نقطة في اعلى البارومتر يتوقف عندها النقاد العرب والاجانب ويستخدمها  الباحثون في دراسة تاريخانية الاحداث من خلال توثيق الحدث بشكل ادبي مميز كما فعل علي لفتة سعيد بتوثيق (سوق الشيوخ) كعلامة بارزة في وقائع حقيقية سردها بشهادات حية منها موثق ومنها لم يوثق ولكنه وثق تلك الشهادات في روايته .

 إذن فقد اكتسب السرد  في هذه الرواية مفهوماً سيميائياً جوهرياً، في ظل تطوراتها السيميائية السردية، حيث أصبح نشاطاً سيميائياً، يضطلع بتمثيل الوقائع كلها، “، ووسيلته في ذلك؛ هي المحكي؛ الذي ما هو إلا علامة كباقي العلامات الأخرى، وعليه يكون المحكي أنموذجا أو ظاهرة سيميائية في رواية السقشخي، فهي ليست خاصة بنسق معين. ليبتغي لنفسه عدة سبل، لاسيما تلك التي تستند إلى التمظهرات اللسانية، مثل الحكايات، الروايات، الكتب التي اعتمدها الكاتب .

وعليه فإن السيميائية في هذه الرواية منحت السرد، “بعداً سيميائيا عاما، يتجاوز تلك النظرة المعهودة في الدراسات الأدبية”، التي ترى أن السرد ذو طبيعة لفظية لنقل الرسالة.

ورواية السقشخي  التي اعتمدت على جمع من الرموز  جعلتنا عند قراءتها نستعين بالسيميائية للالمام واستثمار كل عطائاتها واجراءاتها ولا اعتقد اني تمكنت من ذلك مع أن دراسة الرواية سيميائيا أمر ليس بالهين، فهي تتطلب بحثا قائماً بذاته، قد لا يكتمل.

تبقى السقشخي حدث نادر الحصول من حيث بنيوية النص _قد اكون مهملا_ فأنا لم اقرأ نص بهذا الاسلوب بعد رواية شرقا المتوسط لعبد الرحمن منيف .

علي لفتة سعيد

منذ اكثر من ربع قرن وانا اقرأ لعلي لفتة سعيد هذا الروائي (السقشخي) يدهشني في كل مرة حتى صار يتفوق على نفسه في كثير من ابداعاته ،فهو لم يكن حالما فقسوة الحياة علمته ان يكون صبورا عصاميا صلبا في صراعه مع الحياة لايركن لما تريده منه وغالبا مايخضعها لارادته . ولكنه حين يرسم الحرف يخرج من يراعه ترفا غضا يشع بهجة وجمالا.

 وهنا بودي ان اكتب عن هذا الانسان شهادة لطالما رغبت بكتابتها ،فهو بالرغم من انه فقد حنان الأم الا انه مسكون بهذه العاطفة التي تلازمه في كل نفس يتنفسه فهو يرى في حنان المرأة امه فكل انثى تمثل له صورة تعكس جانبا من صفاتها التي كان يستمع لها من ابيه، ذلك الشاعر الذي رحلت عنه زوجته وتركت علي صغيرا لم يكد يعرف مامعنى ام .

لم يفت في عضده ذلك الحدث بل استحال هذا الحنين إلى مادة للابداع ومصنع للحب يغدقه على من حوله من ابناء وزوجة واحفاد واصدقاء ، محب لكل اصدقائه مخلص في تعاملاته لاينفك ان يتابع كل شاردة وواردة تخص صديقه ليكون درءاً له في غيابه وسندا له في محنته فهو ذلك الجنوبي القادم من ارض اور التي يفخر بانتمائه اليها ويحدثنا عنها وعن اهلها بتفاصيل تكاد تكون نادرة وبلغة شعرية عصية على التقليد ،نصغي إليه ليكشف لنا ذلك العالم المغطى بالمياه الاولى والقصب والبردي ،يقرأ لي تارة من شعر ابيه وتارة من شعره فالمنبع واحد والالوان مختلفة كما هي الزهور .

غالبا في رواياته وخصوصا الاخيرة منها لم يأت على ذكر انتمائه الطائفي لأنه يستشعر عمق الجرح الذي سببته هذه الانتماءات المتعددة فهو يشير اليها من طرف خفي باسماء وصفات يتبينها القارئ ذو البصيرة ،فمثلا في هذه الرواية (السقشخي) لم يذكر انتماءه الطائفي وهو في احلك الظروف وقسوة التحقيق وغطرسة المحقق الامريكي حيث يقول له اني جنوبي ولك ان تعرف مايمثله الجنوبي ،ضمير نقي عراقي يستل الجمال من أي حرف يصادفه فهو يسقي ذلك الحرف بمداد الحب والجمال ليكوّن منه قصائد تتناثر هنا وهناك ففي رحاب الشعر له باع وفي الرواية له اثر وفي القصة له مجاميع وفي  النقد له كلمة وفي صناعة الجمال له دواوين .

لقد ابدع علي لفتة سعيد في الكثير من رواياته ففي الصورة الثالثة ومثلث الموت وغيرها من الروايات اضاف الكثير للرواية العراقية واما اليوم في هذه الرواية فقد اضاف علي لفتة بصمة واضحة في الرواية العربية .