قراءة في رواية مقتل بائع الكتب

قراءة في رواية مقتل بائع الكتب

البوكر الحقيقي والكارتوني

ايفان زيباري

الرواية هي مدخل الى عالم الخيال ومقدمة لفك خيوط وطلاسم قضية شائكة فالروائي الناجح يستطيع ان يكسر طوق الخيال في أفق روايته ويجعل منها مقدمة لفهم ماهية الواقع اي يمكنه التلاعب بأعدادات الكتابة فيقلب خارطة الحروف والكلمات ويحدد طرق ودروب اخرى لها وبما ان النص الروائي يدخل ضمن هذا الحيز الممكن فبأمكان الروائي دحض فكرة اللاممكن في مسارها السردي.

كنت قد انتهيت من قراءة كتاب (الله والفيزياء الحديثة ) لبول دافيز بترجمته العربية كان الصداع يحتل معظم بقاع رأسي وفي خضم معارك الفكر والفلسفة تجدد صراع الشك والحجة في عقلي لذا قررت ان اضع الكتاب في رف الكتب التي تنتظر دورها لتدخل  في سباق مع العقل فهنالك كتب لذيذة وشهية لابد من قراءتها عدة مرات كي تتوضح الصورة بتفاصيلها كاملة وبدون اي رتوش وهوامش وما ان انتهيت من ترتيب وتنظيم ما في الرف اخرجت رواية ( مقتل بائع الكتب ) للروائي العراقي سعد محمد رحيم كي ابدأ في الدخول الى اعماقها فالعقل بحاجة لبعض الراحة والهدوء حينما ينتهي من معركة فكرية وفلسفية لذا فالرواية تحمل صورا واشكالا متعددة كالعشق والفقر والكبرياء والثورة  اي بمعنى انها تختلف كليا عن نصوص الفلسفة والفكر لذا فأنجح الطرق لأستيعاب اي كتاب فلسفي تبدأ بقراءة رواية كي يصل العقل لأقصى مرحلة من التأهب والجهوزية لأن الرواية تقوم بعملية تنطيف للفوضى المنتشرة في اروقة العقل وما ان يتم هذا فبأمكان القارىء اعلان الحرب على كتاب فكري وفلسفي اخر .

أمعنت النظر في غلاف رواية (مقتل بائع الكتب ) تأثرت بصورة العجوز الجالس بين الكتب وفي اسفل الغلاف توجد عبارة القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية البوكر 2017 فلطالما اعجبتني روايات البوكر وكنت من اوائل الباحثين عنها في ذات الوقت معظمها حملت توقيع الأبداع الانساني بأستثناء هذه الرواية التي ما ان بدأت بقراءة فصولها حتى فوجئت بصدمة لم اكن اتوقعها وما ان انتهيت منها ضربت يدي عرض الحائط بقوة وصرخت ياليتني لم اضيع وقتي بقراءتها تمنيت لو تراجع عقارب الساعة وميض دقاتها لساعات كي اقلب اوراق الزمن فمقتل بائع الكتب لا تستحق البوكر ولا الوقوف في خانة القائمة القصيرة لأنها حملت صفة هذا الصنف الابداعي الذي يسمى الرواية بينما سطورها لا تدل على انها تمت بصلة لهذا الصنف العريق المخيف والمرعب الذي من الصعب دخوله فالرواية يجب ان تحمل سطورا خيالية ومن ثم يجري تحويلها الى واقع من خلال السرد ودلالة المعنى بينما مقتل بائع الكتب تخطت هذه القاعدة وراحت تبعثر الحروف والكلمات هنا وهناك من اجل تغطية حاجة الورق فهي رواية غير مترابطة الاحداث وان وجدت فهي ناقصة المحتوى فقصتها لا تثير الشهوة الفكرية للقارىء وشخوصها لم يستطيعوا تكوين صورة واضحة عن يومياتهم فلا اثر لأي موجة من المشاعر والاحاسيس فيها وفصولها تخلو من الاثارة والرهبة والدهشة فالرواية الناجحة هي التي تصبح جزءا من روح القارىء وبالتالي يعتبرها بعدا مكملا لابعاده المختلفة الاتجاهات اما هذا العمل المصنف ضمن خانة الرواية فلا يتعدى كونه ميلودراما شائكة ومعقدة خالية من دسم الخيال والواقع فهي عبارة عن سرد عبثي فوضوي ليوميات عجوز كئيب مصاب بالأحباط واليائس قضى حياته بحثا عن شيء مجهول يكاد يخلو الهدف من ماهية الشيء وان دل هذا على شيء فهو دليل قاطع وواضح ان روايات الجوائز ليست كلها جيدة وان حصول اي عمل تحت هذا المسمى لجائزة ما ليست حجة كافية لتربعها على عرش النص الروائي وان حصل هذا فهو ضرب من اللامنطق الذي بات يدير ويتحكم بالأقلام فيصنع من لا شيء شيئا ويترك الشيء الاخر بلا عنوان وهوية …..

فمقتل بائع الكتب عمل مزعج مرتبك متوتر غير ناضج ولا يحمل اي دلالة لمفهوم السرد اليومي لشخوصها حيث انها بدأت بنسج لا معقول لحدث ما وربطته بالزمن ومن ثم وضعته في نهاية مظلمة فحين قرأت سطورها الاولى وجدت حروفها وكلماتها متشابكة قلت حينها انها البداية ولطالما كانت البدايات مزركشة بالكوميديا الساخرة لكن ما ان وصلت لسطورها النهائية قدمت اعتذارا للعقل فلا اثر للكوميديا الساخرة فيها فتحول المشهد برمته الى كومة من الاوراق مليئة بالثوار السود هنا ايضا تصبب الخجل مني وراح العرق يقيس مسافات الطرق في جسدي فمنذ ان دخلت معترك الحرف وجدت شرارة الثورة متوهجة في زواياه بينما في هذا النص الروائي كانت الحروف مريضة مصابة بحمى الفوضى وبين قهقهة ارقام الصفحات شعرت انها بحاجة لبضع مهدئات ومسكنات كي تعاود حركتها الثورية ……

فمقتل بائع الكتب لا يتعدى كونه كتابا كأي كتاب صادف الحظ في هذه الفوضى التي تعيشها البشرية فالبوكر الحقيقي الذي حمل توقيع فرانكشتاين في بغداد والطلياني يختلف عن البوكر الكارتوني الذي وضع مقتل بائع الكتب في القائمة القصيرة والفرق كبير بينهما فالأول يرمز لروح الأبداع والثاني رمز لقتل هذه الروح …..

1

الحياة عبارة عن لعبة حظ هناك من يتربع على القمة وهناك من يبحث عن اللقمة …..

انا من الباحثين عن اللقمة كوني شاعرا وكاتبا وموظفا حكوميا مفلسا فلا الشعر والنصوص الفكرية والمقالات اعطتني خبزا ولا الوظيفة وفرت لي الدخل المثالي الذي من خلاله استطيع اعالة اسرتي ضمن نطاق معيشي مرفه في نهاية المطاف وصلت الى نتيجة الا وهي ان العمل والنـــــشاط والكــــــفاءة والابداع لا قيمة لهم في هذه الحياة هذا ما توصلت اليه نظريا بعد تجربة دامت أعواما في عالم القراءة والمطالعة والكتابة والغوص في عوالم الفكر والفلسفة وعمليا في فوضى يومياتي .

2

حصيلة جهدي مع الابداع انني تحولت الى آلة تقرأ وتكتب الحروف والكلمات …..

فمنذ اعوام وانا اقرأ واكتب الشعر والقصص القصيرة والنصوص الفكرية والمقالات واراسل الصحف الورقية والمواقع الالكترونية لكن حتى هذه اللحظة لم احصل على قرش نظير خدماتي الابداعية لذا دخلت الى اعماق هذه الأحجية بحجة التحليل والتفسير فوجدت ان هنالك سببين لا ثالث لهما فأما هذه الصحف الورقية والمواقع الالكترونية التي اراسلها تعتمد سيــــــــاسة البخل أو انها لا تعطي كتاباتي قيمة واهمية فما ارسله من حروف وكلمات بالنسبة لها لا يتعدى ملء فراغ في صفحاتها .

 3

اقضي جل وقتي في القراءة والكتابة والتفكير اغوص في دهاليز الاشياء كي ابحث عن الاجــــــوبة وما ان اجد خيطا رفيعا اقرع الطبــــل واصرخ وجدت الجواب لكن سرعان ما تلف علامات الاســـتفهام هذا الخيط اراه يتحول الى قطع صغيرة مليــئة بالالغاز والتعقيدات …..

فليس هنالك اقسى من الشك انها المعاناة التي ترجم العقل بالمعقول واللامعقول بالمنطق وباللامنطق لذا وقفت عاجزا امام الاشياء فما دام الشك يحاصرها فلا سبيل للخلاص من الفوضى التي تحتل كل بوصة في اعماقي فكلما قرأت زاد الألم والوجع وكلما كتبت بكيت وكلما فكرت يشتد الصداع هكذا كانت البدايات التعيسة والبائسة لرحلتي مع الابداع وهكذا ستكون النهايات ففي لحظات السكون والهدوء اقف امام مكتبتي المكتظة بالكتب واصرخ اين الحقيقة اخرجي من بين آلاف الحروف والكلمات ثمة بائس تعيس ضائع تائه يبحث عنك .

4

حياة الملوك والامراء ….. سعادة ورقي

عندما اشاهد تقريرا او اقرأ خبرا عن رحلات الوليد بن طلال وطريقة في الحياة بتفاصيلها الصغيرة الى الكبيرة اتحرر من كل شيء وانسى هموم هذا الواقع المتعفن الذي تعيشه البشرية واطلق العنان لنفسي كي اعيش لحظات حالمة مليئة بالسعادة والرقي واطرح على نفسي جملة من الاسئلة هل ثمة يوم قادم اتحول فيه الى ملك او امير وهل سأعيش ذات المرحلة الأميرية والملكية هذا من جانب من جانب اخر لما لا انزل بسقف تطلعاتي وطموحاتي واحلم ان اكون (جايجي ) او ( فراش مثقف ) للوليد بن طلال حيث سأحظى بالكثير من الامتيازات اولها الاحترام واخرها العيش الرغيد لأنني طوال فترة نضالي وكفاحي في عالم الابداع والوظيفة لم احظ لا بالأحتـــــرام ولا بالعيـــش الرغيد.

5

 في نهاية هذا النفق الحالم اللامثمر الذي يسمونه الابداع وجدت ان عملية اندماجي مع القلم في كتلة واحدة ضمن رقعته لم تقدم لي شيئا سوى البؤس والتعاسة على اعتبار انني اكتب وانشر كتاباتي دون مرود مالي وهذا بحد ذاته مشكلة تهدد القيمة الاقتصادية للابداع لكنه يرفع القيمة الفكرية له …..

السؤال هو …..

من الذي يدير العالم الابداع ام المال؟

6

العالم مليء بالطاقات الابداعية هنالك شعراء مجهولون هنالك كتاب محرومون هنالك مبدعون يطرقون الابواب لكن لا احد يفتحها لهم ……

انا احد هؤلاء رغم كفاحي ونضالي في عالم الابداع منذ سنين لكنني ما زلت من المهمشين والمنبوذين حيث اعاني التهميش والاقصاء من العالم بأسره فمحاولاتي لطبع ديوان شعري من خلال دور نشر مختلفة فشلت والرسائل التي كتبتها للمحطات الفضائية ووسائل الاعلام حملت ردودا قاسية ومؤلمة تبدأ برفض الطلب المقدم مني وتنتهي بعبارة نتمنى لك التوفيق في عملك ونشاطك الدوؤب اي بأختصار لم اترك بابا الا وطرقته لكن لا احد يفتحه لي بأعتبارالطارق هو انا والباب هو وسائل الاعلام المتلفزة والمقروءة والمسموعة …..

اذن اين المشكلة …..

هل انا قبيح الشكل ام مدع فاشل يكتب الخزعبلات او نرجسي مغرور مجنون بالعظمة  ام عالة على اللغة العربية  او الحظ هو من يرصد خطواتي وتحركاتي في عالم الابداع بوصفه اللاعب الرئيسي في هذه الفوضى التي اعيشها  فيرمي اوراقه على الطاولة كي يحرق اوراقي .