
الملحّن محمد جواد أموري
محطات في حياة عاشق الحزن
قاسم المعمار
كانوا يسمونه (الشجي) الدافئ الصوت الرخيم المنبعث من اعماق الحزن في مدلولاته الاجتماعية التي عاشها وعاناها هذا الشموخ الفني العريق والذي يعد الوارث الوليد لفنان الغناء الريفي والمقام العراقي (ابا حربي) عبد الأمير طويرجاوي (رحمهما الله) معاً.
بداية الستينات كنت احد اعضاء فرقة الانشاد المدرسية الابتدائية التي كان يشرف عليها استاذنا الفنان محمد جواد اموري وبمعية استاذنا احمد مصطفى عازفا العود والكمان .. اذ كنا نسعد حالمين في المهرجانات ونحن نعتلي خشبة المسرح البسيط كي ننشد …(موطني … الله اكبر … لاحت رؤوس الحرابِ) وسط حماس وتشجيع الحضور . عبر مسيرته الفنية اكتنفت حياته العائلية احداث من اللوعة والأسى حينما انتشلت منه الحياة زهرة من ابنائه تلتها بفترة وفاة زوجته ، مشحوناً ذلك بفراق مدينته (طويريج) التي احبها والتي كانت حلمه في العودة لها .. نعم كان يردد الغربة .. الغربة .. بعيداً عن اصدقائه ومحبيه .. فكم من مرة كنا نتلقى من هؤلاء بالمعاتبة الدارجة (خوية انتم صحفيوا وفنانوا الولاية ببغداد هلبت تقنعون الاستاذ أموري ان يكظي حياته وموته عدنه) وكان يقصدوننا الاساتذة مهدي شاكر العبيدي ويحيى النجار وكاتب السطور وعدنان هادي وناظم شاكر وفلاح عبود وباسل العزيز ومضر محمد وآخرون .. هؤلاء المحبون لأبنهم رأوا فيه امتداداً ثرياً فناَ واصالةً لما سبقوه من سلسلة فناني طويريج القدماء منهم زكي شنين ورحيم رجب وعلي صالح وحميد السطاي وسعدي الحلي وعب الأمير الطويرجاوي وابراهيم الهنداوي .
رمز عراقي
اذن يبقى الملحن محمد جواد اموري رمزاً للفن العراقي والعربي والانساني، كان يغني دائماً للسلام والمحبة والحزن واقعياً في استنباط الكلمة والجملة المؤثرة ذات الشدو الحسي الصادق المؤثر في المتلقى.. احياناً يبكينا في بحته المعهودة حينما يتألق منسجماً في وحدة المفردة واللحن .. جيداً استذكر كلماته لنا ونحن نستمع لأدائه في الصف .. (اولادي كونوا صادقين سارحين حالمين في الأداء) . فلقد أمضى سنوات الخمسينات والستينات معلماً ومشرفاً فنياً في تربية متصرفية الحلة وخصوصاً على مدارس مدينته وقراها المعدودة الاصابع .. الرشيد .. العرفان .. الهندية الأولى .. الخنساء .. ابو غرق .. الحسينية .. جناجة .. الرجيبية .. الخيرات .. الخ . نال فيها حب واعتزاز الجميع وأسهم في ارتقاء النشاط الفني المدرسي حيث انتجت مواهب جديرة بالتقدير .. فلقد احسن فعلاً وقولاً زميلنا الفنان الاعلامي الكريم فائز جواد عبر استذكاراته التقييمية لمناسبة رحيل الفنان محمد جواد أموري ان يصف الحانه بأنها الأقرب لأحزان العراقيين ، وهذه اجادة تشريحية لسايكولوجية هذا الفنان الرائع. في الثمانينات من القرن الماضي حصل شيء لم يكن في حسباني شاءت الصدفة ان يكون مسكني ضمن حي الاعلام في الدورة مما تولدت علاقات محبة وجيرة بين هذه المجموعة التي اعتادت التزاور الاجتماعي فكنت احضر جلسات سمر طربية في دار الفنان فوزي مهدي بحضور الفنانين خليل الرفاعي وكريم عواد وزهير عباس وصباح السهل وسامي السراج وعلي العادلي ، وكان الفنان محمد جواد اموري دائم الحضور وكان يتلذذ تشوقاً لحديثي معه عن احوال ديرتنا (الهندية-طويريج) مردداً انت جيد الذاكرة .. كما كان يردد دائماً اغنيته المفضلة .. عد وآنه اعد ياهو اكثر هموم من عمري سبع سنين وكليبي مهضومكنت اتوسم في مداعبة أنامله اوتار عوده حضورية فناننا العربي فريد الأطرش في عزفه المنفرد لمقدمات الربيع – اول همسة .. نجوم الليل ..
وهو المغني بطلعاته الحزينة الرائعة ياحريمه ومواويله وأبوذيته الجميلة . ولهذه الشخصية الفنية شأن في اغداق الفن الغنائي الموسيقي حينما جعل من نفسه بداية تلميذاً لاقطاً ومستوعباً وحافظاً ومؤدياً لأستاذه ابن بلدته عبد الأمير الطويرجاوي المطرب الريفي وقارئ المقام العراقي ومعتلي المنبر الحسيني الشريف … اذن.. فقد سكن هذا الملحن الخالد الفؤاد والعقل معاً ظلاله وهدوئه واثارته وحزنه والمه .. انه يستفز المشاعر ويثير الشجن ، حقق نجاحات وتألق لعشرات المطربين ، فقدناك استاذاً ومربياً تربوياً قلّ نظيره ، اشرفت على الموت وكنتُ بعيداً عنك الاقدار .. اضاعتني تلك الفرصة الاخيرة للقياك ، عسى ان لاتكون خاتمة القافلة من روافد الفن العراقي ، لابد من بزوغ لامعات الأمل في سماء الوطن من جديد .
اصالة الغناء
آسفاً اقولها وهي حقيقة لابد ان تسمع بل ان يؤخذ بها من اجل الحفاظ على ديمومة واصالة ونقاء “الكلمة واللحن والأداء” ، فالذوق العام لم يعد يستوعب بعض (الطربكات) للأغاني الممجوجة التي فقدت السمع والبصر ، فلم يعها المتلقي بل النسيان والتهميش طريقها المسدود… لابد ان يبقى الصحيح صحيحاً ، اذن نقولها مكررة لابد من وجود الرقابة والمخ المشروع اجتماعياً للأغاني فلسنا بعيدين عمراً عن تلك اللجان التدقيقية والرقابية في دار الاذاعة والتلفزيون العراقي لـ (النص واللحن والاداء والثقافة العامة) ، ترى اين الدورات التدريبية والتأهيلية الفنية التي كانت تنظم ، لابد ان نستقرأ مديات عمل واشراف وعطاء اساتذتنا الكبار وديع خونده ومنير بشير وعباس جميل ويحيى حمدي وناظم نعيم وغانم حداد ورضا علي وخزعل مهدي , وآخرين طاب ذكرهم … كانت لهم حرفة العمل المحترمة ، هناك هنالك شرطيات منظمة في مقابلات الاختبار والاختيار اساسها معرفة الانغام ، المقامات ، الرغبات ، السلم الموسيقي، الأصوات ، الثقافة العامة ، اللياقة البدنية وشخصية المؤدي وفي حالة القبول والنجاح يحدد مسبقاً البث الحي للمطرب عبر المذياع مرة واحدة في الأسبوع ثم ترتقي مرتين في الأسبوع وهكذا دواليك في حالات النجاح المتحققة لهذا الفنان الجديد .عرفت الاستاذ الفنان محمد جواد أموري منذ التلمذة ، فقد كان شديد المتابعة والدقة للتحفيظ حينما كنا في فرقة انشاد المدرسة وهو ديدنه فيما بعد مع المطربين ، يطيل التأمل والخيال ، لاتعرف كنهه الا حينما يستفيق من تلك الغفوة المحلاة بلحن جميل ينطلق صداحاً به امام حاضرته من الاصدقاء . كنت اتلاطف معه استاذي الكريم اتحب المساعدة يبتسم ثم يرتشف الشاي أمام وهو القائل لقد حلمت واستفقت بمولود جديد .. كانت الدعابة لاتفارقه ذو (حسجة) بليغة في التعبير الانشاد عرفناها منذ تلمذتنا ابان الستينات (وليدي جيبلي حسوة ماء) ، (اريدكم بلابل تغرد سويه) .من جلال رحمتك يارب ان الرجل يمرض ويموت ويدفن في وطنه العراق بين حفاوة اهله وخلانه ومحبيه وسط دموع وآهات العيون والقلوب ودعاء الرحمة والسلوان .
وفي هذه المناسبة طالعت موضوعاً حول كيفية انماء المواهب الفنية خاصة منها الغنائية-الموسيقية وجدت هناك مؤشرات دافعة للإنضاج منها على سبيل الايراد لا الحصر :
رعاية الرغبة الذاتي وتطويرها بالمطالعات والمشاهدة والاستماع .
تقبل النقد والملاحظة والتعديل واحترام الرأي الآخر .
الابتعاد عن الغرور وحب الذات .
احتساب صعود سلم المجد تلافياً للإنهيار المفاجئ .
اعتماد الجدولة الزمنية المبرمجة للإنجاز .
قدر المستطاع الاطلاع ومعرفة شيئاً من الآداب والفنون المحلية والعالمية (ثقافة عامة) .
دراسة السلم الموسيقي والنوتات والمقامات وتكويناتها .
























