اللا رواية والمناصية والأمثلة المستحدثة

الأجساد وظلالها لهيثم بهنام بردى أنموذجاً

اللا رواية والمناصية والأمثلة المستحدثة

محمد يونس

قدمت رواية – الأجساد وظلالها – لهيثم بهنام بردى انموذجا مختلفا عن السائد في زمن الحداثة، وكذلك ما بعدها نسبيا، فهي كسرت الأطر التقليدية للروي، وما عهدته الرواية من نظام بناء تسلسلي يبدأ مما اسميناه – الهيكل – ليكمل به التأثيث، عبر تداول حكاية تقترب شيئا فشيئا من اكمال تداولها سردا، لتكون بعد ذلك القصة – الرواية قد نضجت، ومن ثم تكتمل بذات وحدة الزمن، وهذا النمط هو الذي اعتمدته الرواية من بواكيرها في الصيرورة، وبقيت محافظة عليه في سيرورتها في الحداثة البدائية ومن ثم الحداثة الجديدة، وبهذا  السياق يؤكد الجنس الروائي شكله المعهود في ازمن عدة عرفتها الرواية تاريخيا .

شكلت التطورات التي مر بها جنس الرواية مفترقات فنية عدة، فمنها من اتجه لتطوير الشكل، واخرى لتطوير المضمون، وطبيعي هنا إن من اتجه لتطوير الشكل سيمر بمفترقات حساسة، و اي مساس بالشكل هو سيكون واضحا بشكل مباشر، وطبيعي لابد من علة ووعي لتنفيذ ذلك، وقد استغل الفرنسيون الشكل بوقت مبكر، فكتبوا روايات سعت الى التفنن بالشكل، واخراجه من مألوفه الذي اعتبر سياقا قديما لايلائم روح العصر، فقدم كلود سيمون والان روب كرييه واندري بريتون اشكالا مفترضة لجنس الرواية، حتى إن هناك صرعة راديكالية قاموا بها لتمييز ذواتهم الإبداعية، فسموا اسلوبهم في تغيير الشكل الروائي ( اللارواية )، وفتحوا الأبواب على اوسع ما يكون لغيرهم في تطوير بنية الشكل الروائي، فحذا البعض الى المضي بذات المسار، برغم عدم اصرارهم على التسمية الراديكالية، وبعد مضي زمن وانجلاء الحداثة استوقفتني رواية جديدة لهيثم بهنام بردى وضع لها تسمية غريبة نوعا ما – رواية قصيرة – حيث لاصفة علمية تؤكد ذلك، لكن مجازا مؤكد اطرها بالقصر، لكن هي رواية لم نعهدها بشكل الا نادرا، فقدمت امثولة للشكل بعيدة كل البعد عن السياق العام للرواية، واقترحت ما هو مستبعد ايضا .

مناصية الذوات – لقد اشتغلت رواية – الأجساد وظلالها – لهيثم بهنام بردى على اطر ما بعد الحداثة، فهي أقترحت للقارى الخاص طبعا مناصية ليست افقية الا في سرد تفاصيلها، وانما هي شاقولية في تقنيتها، ورغم إن الفكرة هي بالاساس تمثل كيان الكاتب وليس النص، لكن هي تمثلت داخل النص كقيمة روائية مستحدثة، اي إن سلطة النص هي قد فرضت نفسها، ولولا الجرأة الأدبية المتمثلة بالنص لما تمكن المؤلف من هذه الصياغة، وبرغم إن المناصية هي بسمتها الأساس توظيف وعي مقابل وعي خلاق تاريخي السمة، وتشكل المناصية ايضا علاقة فكرية لذوات المعنى الأوسع في الرواية .

أن عصر ما بعد الحداثة يتيح للنص الأدبي أن يكون بتوصيفات اجناسية مفترضة داخل اطار جنس اكبر، والمناصية كلعبة فنية في كينونتها، قد شكلت اعتبارات مهمة  لعصر ما بعد الحداثة، واول تلك الأمور الإعتبارية هو الشكل المفترض الجديد للنص الروائي، حيث لاخريطة تراثية للنص تتباهى بثبوت تاريخها وعمقه، وهذا الشكل المفترض طبيعي يفتح للنص افاق مضافة، ويمكن الروائي من انجاز مهمته وتحقيق رؤيته بالكامل، وثانيها هي تجربة جديدة داخل افقها المابعد حداثي، والذي هو يضمن لها التمكن من افاقها التي سعت اليها، وتحقيق الغرض التقني المستحدث ايضا، وثالث الأمور هو اهمها ، حيث أنه ليس هناك اشتراطات تقف امام المصطلح الذي قد اسميناه في كتابنا ( التحديث الإصطلاحي) بالجرأة الأدبية، فكانت بأوج نشاطها، لكن بدقة وتنظيم ومنطق سببي، وليس اعتباطا او كانت بشكل ارتجالي ولا قد دفعها نحو التحقق وازع نفسي، وبذلك النشاط النصي المتيز الأفاق قد تطورت البنية النصية من البنية الظاهرية الى البنية العميقة، والتي هي تتوافق اصلا مع هكذا بناء اعتباري .

روح حيوية

التفسير الموضوعي لنص ما بعد الحداثة – لقد اسهمت الحداثة بحد فاعل في اجلاء البعد الميتافيزيقي، وتسهيل تمثل الواقع بروح حيوية غير تقليدية، وبعد التطورات الفاعلة في الأداب والفنون، وهيمنة الموضوعة على الواقع، صار للنص ولوج عالم مختلف، بعد يقين الحداثة وتسيد مناهجها، دخل النص عالم اخر، يفتح له باب التصور على اوسع ما يكون، فكانت مرحلة ما بعد الحداثة مرحلة تأهيل للنص المفتوح على افاق جديدة، وهنا يكمن التفسير الموضوعي لصياغة رواية – الأجساد وظلالها – لهيثم بهنام بردى، فهي قدمت جدلا غير مقوسا في فكرتها، وهذا ما يستوجب الوقوف على مقصد هدفيتها في أن تكتب الان وليس امس او قبله، وفي موقفنا النقدي نجد  إنها قدمت قيمة جمالية قبل كل شيء قدمته لنا، وبلغت بوصياغتها السردية حد تميز اعتباري، فوحدة موضوعها مبتكرة على الأقل في عالمنا، رغم وجود تقترب منها بمسافة بعيدة نوعا ما، لكن القيمة الموضوعية الإفلاطونية الصفة فيها لم نعهدها بشكل واضح من قبل . ترى ما قيمة الجدل الأفلاطوني في الرواية الجديدة؟، قد يشكل هذا السؤال معضلة، اذا اخذنا بالحسبان تاريخه، لكن في لحظتنا المعاصرة هو له وجه مختلف، فطبيعة العصر تتميز بالجدل الأفقي السمة في كافة المستويات، الإجتماعية منها والسياسية والإقتصادية، ويشمل ذلك ايضا المستوى الثقافي، فقبل ذلك كانت هناك قوى كبرى تحدد ملامح هذا النمط من الجدل الإفلاطوني، واليوم زال تأثيرها، لذا اهتم النص النص الأدبي ومنه الروائي على وجه الخصوص، بمعالم الجدل الحيوي لأهداف وغايات ذاتية وعامة، وهنا في رواية هيثم بهنام بردى اهتم الجدل بشكل مختلف ومستحدث، وصراحة تعتبر شخصية عبد الرحمن منيف شخصية جدا مميزة، على مستوى واقعها وعلى مستوى الكتابة، واستثمارها ايضا كان جدليا، لكن خارج بنتائج اضافة للبعد الإستاطيقي قيمة مضافة .

تقابل الخطابات – بقي أن نحيل تفسيرنا لها الى وحدة المشاكسة النصية الإيجابية والجدل الماهر، فهي تجاوزت اطر تاريخ سردي طويل، لكن دون مساس به، وقدمت لعبتها النصية بصياغة لانختلف على قيمتها.

مساحة ابتكار

 فهناك مساحة ابتكار تقني خارج نمط السرد الذي يبدو دائريا، الا إنه كان سردا من نمط السرد المنقطع، وبه تحركت افعال الكلام في الرواية، وقد نما داخل هذا النمط السردي خطابان معتبران، وكان امثولة الرواية التاريخية – عبد الرحمن منيف – خطاب مقابل لخطاب الراوي وتمثله كسارد مفترضا، بل هو فاعل في مستويات عدة، فكونه احد مفاصل الفكرة، واحد مرتكزاتها المهمة، والذي ايضا لم تحدد بؤرة السرد ظهوره من عدمه، فكان بحرية كخطاب وكفكر وثقافة يتنقل بين ثنايا النص، وايضا كان محورا مهما اتكأ عليه النص في مواضع عدة، واما خطاب الرواي او سارده المفترض، فكان خارجيا ريادته تتمثل، ومثل منظور ثقافي عن الخطاب المقابل الذي يتمثل في الشخصية الإبداعية لعبد الرحمن منيف، وكما كان هناك ترادف يحدث احيانا مرة داخليا واخرى خارجيا، وكانت افتراضات فكرة تقابل خطاب وعي حي مع اخر تاريخي فكرة ممتعة اضافة لمات تتصف به من جدل افكار نسبي السمة، وتوافق فيما بينها من جهة اخرى بإتفاق مضموني استهدفه المؤلف هيثم بهنام بردى بوعي وتصميم وجرأة حيوية، فحقق رواية مختلفة تماما، هي تؤكد بحزم انتسابها لعصر ما بعد الحداثة .    تفسير اللارواية – قد يقودنا الخوض في هذا المصطلح الى مطبات او مفترقات، لكن كون انصبابنا عليه ليس بالمستحدث ولا هو بلا علة موضوعية، وقد لوحنا سابقا في كتابنا ( الفطرة الروائية ) الى ان عصر الرواية آيل الى الزوال، واليوم بعد رسوخ المعنى المرتبط بما بعد الحداثة بالاداب والفنون بشكل وثيق، فبعد موضة الرواية الفرنسية الجديدة، وما قدمته من اشكال اثرت في بنية الرواية، وقادتها الى التغيير، فبعد كون الإنسان مركزا للوجود والأشياء تدور حوله، تغير الحال، وصارت الأشياء هي المركز والإنسان يدور حولها او يلهث وراءها كما يؤشر الواقع البشري، ولهذا التغير دوره وحساسيته العالية، فقدمت روايات ابتعدت عن التوصيف العام الذي عهدته الرواية في تاريخها، وهذا ما اشتملت عليه رواية –  الأجساد وظلالها – لهيثم بهنام بردى، فهي بما إنها مما يمتلك مواصفات وصفات عصر ما بعد الحداثة، اذن هي برغم اطر الحكاية – اللغة – السرد، والتي تؤكد كعناصر جنس الرواية المعروف، لكنه هي مضمونًا قد دخلت بين قوسي اللارواية، وصار احد الأمثلة المستحدثة لهذا المصطلح، ولها حجتها البالغة في تمثلها لما تتصف به من شكل جديد وتقنية مستحدثة ايضا .