منهج مستحدث أم سيرة ذاتية ؟

منهج مستحدث أم سيرة ذاتية ؟

خواطر من عالم السيد بحر العلومأحمد الامين

في غضون سنة واحدة صدر كتابان من القطع الكبير يؤرخان لسيرة ونشاط وعطاء السيد محمد بحر العلوم الذي وصف بأنه ثالث العلمين . ومن الطبيعي ان تحظى شخصية بمستواه وعلو قامته بهذا الاهتمام التأليفي الذي سيظل متصاعداً، سنة بعد سنة، بالنظر لما عرف به منذ نشأته الاولى، حيث العائلة الحاضرة الباقية في الدراسة الحوزوية النجفية، وفي المشهد السياسي والديني لمدينة الغري وعموم العراق  .

سلسلة العطاء

والكتاب الجديد الذي صدر حديثاً ضمن سلسلة العطاء بحلقتها السابعة ، هو محطة نطلع  من خلالها على مزيد من الوثائق والشهادات المهمة عن السيد بحر العلوم . وتكمن أهمية كتاب (العلامة السيد محمد بحر العلوم – خواطر من عالم السمو والكفاح ) ،في ان مؤلفه الدكتور علاء الجواري، عرف الراحل عن قرب ورافقه في محطات مهمة من كفاحه وعطائه في الداخل والمهجر . وقد أفاض الدكتور ابراهيم بحر العلوم في مقدمة كتبها عن المؤلف، في الحديث عن سماته البحثية والاخلاقية وطبيعة علاقته الشخصية الممتدة حتى رحيل والده في 7 نيسان 2015 . وقال أن الجواري وعائلته الكريمة من النفر القليل، الذي تميز الفقيد الكبير بعلاقة قوية وعميقة معهم . وأمتدت هذه العلاقة لتتكلل بتكليفه إدارة مشروع علمي شامخ تحظى  به النجف، اليوم، وكان طموحاً ملحاً على السيد بحر العلوم . وخلال زيارة قمت بها الى هذا الصرح العلمي قبل بضعة أشهر وجدت هذه العلاقة الممتدة تصل الى ذروة تفاهماتها وعمقها مع الدكتور ابراهيم، نجل الراحل، الذي ظل يكن الى السيد الجواري إحتراماً باذخاً ومحبة خاصة دالة على شعور قوي بالإمتنان والعرفان ليس لنجاح ادارته لمعهد العلمين للدراسات العليا بل لمبلغ الشعور بأهمية وجود قامة نجفية بارزة مثله على راس مشروع علمي اكاديمي يعول الجميع على مخرجاته . وقال الدكتور بحر العلوم في مقدمته بالحرف الواحد (وجد الفقيد الكبير بشخصية الجواري ما يحقق نجاح المشروع وديمومة العمل الفكري والثقافي لاسباب عديدة) يوجزها بالاحترام المتبادل والعلاقة الانسيابية والاستشارة الامينة والثقافة الموسوعية فضلاً عن التجرية الشخصية .

رحلة الفقيد

وإزاء هذه الاساب وسواها مما يتعلق بشخصيتي المؤلف والسيد بحر العلوم فإن الكتاب يروي أغلب فصوله السيد الجواري ويتضمن رحلة الفقيد عبر المنافي وحتى عودته الى العراق ودوره السياسي بعد العودة مبتدئاً بسيرته مع جولة يتوقف بها عند بعض المحطات العلمية المختلفة . وأعتمد المؤلف في توثيق حراك الراحل السياسي والعلمي عبر محطاته المختلفة، منهجية أشار اليها في الفصل الاول من الكتاب ، إذ اعتمد على ذاكرته وارشيفه الخاص فضلاً عن إعتماده على بعض المصادر المرجعية وما نشر من تقارير ومقابلات في الصحف والمجلات، وكذلك محاضر بعض الاجتماعات السياسية او الزيارات في رحلات مختلفة سواء في لندن او الكويت او العراق . وبهذا الجهد التوثيقي المقارن والمتوازن يقدم المؤلف معلومات لايجد لها القارئ او الباحث، في شخصية السيد بحر العلوم، مكاناً آخر أو تفاصيل دقيقة . ويلاحظ قارئ الكتاب ان المنهج الذي اعتمده المؤلف يدخل في إطار من الشمولية العلمية التي لا غنى عن الافادة من أدواتها  وأغراضها البحثية المتاحة في الاحاطة بشخصية شاملة جامعة كشخصية السيد بحر العلوم، التي تضمنت كثيراً من سمات الشخصيات الوطنية  في التاريخ الحديث ، بمعنى أنها لا تكتفي بميدان أو مجال بل تنشر فرادة أجنحتها الكبيرة على مشهد بعيد ومشاهد قريبة متداخلة أو متفاعلة . ومن النادر ان نجد في التاريخ العراقي او العربي شخصية تمتلك مؤثرات ومتأثرات مثله . فهو سليل عائلة عرفت بمشاركتها الواسعة في الجدل الفقهي والتحديث الديني والسياسي، وبآرائها الكبرى في المسائل المصيرية الكبرى ، كما أنه من النوع الذي يدلي باراء تتحول الى أعلى مستويات الجدل ويصح وصفها بإنها عابرة للزمان والمكان، أي  السيد بحر العلوم كان سابقاً لعصره فيها . ومن النادر ايضاً ان يلاحق مرجع أو فقيه مثله أموراً ذات طبيعة دنيوية من خلال رؤية عن قرب الى رؤى آخروية تحظى بالاجماع والقبول والرضا . إنه بذلك يقتدي بقول الامام علي بن ابي طالب عليه السلام( إعمل لدنياك كأنك تعيش ابداً وإعمل لآخرتك كانك تموت   غدا ). ومع ان القاريء يطالع في فصل المنهجية كلاماً للمؤلف يشير الى ان الكتاب يدخل في إطار كتب السير الشخصية  أو الذاتية، الا أنه يخرج بعد قراءة نحو 730 صفحة من الاحاطات والمطارحات والاشارات العميقة، وايضاً بعض الانطباعات والرؤى ، بنتيجة مؤداها ان الكتاب يقفز على المسميات التقليدية لمناهج مماثلة تتناول الوقائع والاحداث والشخصيات الضاربة في الماضي والحاضر، تحجز لها مقعداً امامياً  في المستقبل ، ليؤسس الى فضاء  منهجي أو اسلوب علمي في التناول يبدو غير مطروق وسيحظى في الدراسات اللاحقة والمماثلة بمزيد من الاتساع والعمق، وهذا يحتاج من تلاميذ الجواري بجهد ومثابرة بهدف الوصول الى التأصيل . فما فعله المؤلف، في واقع الأمر، يتعدى الشخصية المحورية  الى البيئة الميدانية، التي تتشكل من نتيجتها الشخصيات ويرتفع بمقتضاها الحضور والاداء والنشاط والعطاء ، البيئة التي تزرع في روح الانسان المثال، الشعلة والوهج فتبدو الشخصية عندئذ قدراً أو فناراً للاشعاع، يبدأ صغيراً أو متواضعاً ثم يسمو ويتفاعل ويحلق عالياً ليكون بقامة الراحل السيد بحر العلوم . وتلك مراجعة يجب ان يختار لها المؤلف مجالاً آخر أو مشروعاً تطبيقياً للتأليف لوضع محددات منهج جديد في التعاطي مع الشخصيات بقامة الراحل، لا يحتكم الى الوثيقة والانطباع حسب، بل الى المحاكمة العقلية ايضاً.