
النهايات المسكوت عنها في قصص الخميس
أوضاع العراق الراهنة
قيس كاظم الجنابي
-1-
ويثير عنوان (قصص الخميس) للقاص فرج ياسين أكثر من سؤال: لماذا اختار الكاتب يوم الخميس لكتابة القصص؟ الأنه آخر يوم عمل في الاسبوع؟ أم لأن في آخره تبدأ الاستراحة الاسبوعية، في استقبال يوم الجمعة؟ والمعروف أنَّ الكاتب تقاعد عن العمل وبقي يمارس الكتابة على صفحات التواصل الاجتماعي، ويوم الخميس بالنسبة للمسلمين فيه نفحة دينية وجسدية؛ فغالب الكبار السن الذين خفت قواهم الجنسية يمارسون الجنس في الليل ويغتسلون فجرأ، ويؤدون صلاة الجمعة ظهراً، ليحصلوا على الأجر مضاعفاً؛ بمعنى أن يوم الخميس هو يوم الاتصال الجنسي المقدس، يكسبون به متعة الجسد وثواب الآخرة. ورجل مثل فرج ياسين قد نضبت قواه الجنسية بعد أن بلغ السابعة والستين(من مواليد 1946م) والقصص صدرت عام 2016م، وكتبت قبل ذلك بقليل، فصار يعوَّض عن متعة الجسد بالكتابة، محروماً من الأجر والمتعة معاً؛ ففي المدونات الدينية من جامع أهله واغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة وأدى صلاة الجمعة يكسب أجر أسبوع. يشير الرقم خمسة الى أصحاب الكساء الخمسة في بعض المذاهب، كما ورد ذكر الخمسينات ومقهى خميس، ومن المفارقة أن مجموعته (بريد الأب) بدأت بقصة (بريد الأب)،وانتهت (قصص الخميس) بقصة(قتل الأب)؛ مما يعني أن للخميس احالة أبوية وجسدية. تتنفس هذه القصص تحت مناخ الاحتلال الأمريكي للعراق، في أجواء مدينة تكريت التي أصبحت هامشاً بعد أن كانت متناً، والقصص تحاول أن تبتعد عن بناء القصة القصيرة التقليدية، وتقترب من الحكاية التراثية والشعبية، عبر توظيف الافكار المتداولة وتوظيف صور وحكايات الحيوانات التي ترسخت في الذاكرة الشعبية، وبعض العادات والأعراف والتقاليد، فهي بالتالي قصص قصيرة صارمة البناء السردي، والمناخ يفترض وجود مكان أو فضاء تعيش فيه الشخصيات وتمارس حياتها، وهي غالباً ما تجعله مكاناً له مواصفات خاصة، وفيه إحالات ضمنية الى العراق، الذي يطلق عليه الكاتب إسم( كبريا)،مثل:( دولة كبريا، جمهورية كبريا، مدينة كبريا، مملكة كبريا)؛ وهذا التوصيف المكاني يخيم عليه مناخ زماني، وهو في غالب الأحيان مناخ خريفي شاحب/ متشظٍ، أو تتخلله فواصل أو لحظات تفاوت، يقوم على وجود المفارقة بوصفها بنية حكائية ،مع احساس واضح بالسخرية من الزمن، والقصص بشكل عام هي قصص توظف الماضي من أجل قراءة الحاضر؛ الحاضر القلق الذي يقترب من الشيخوخة.
-2-
سردت غالب القصص عبر ضمير الغائب؛ بينما سردت قصتان عبر ضمير المخاطب، وسردت ثلاث وعشرون قصة عبر ضمير المتكلم؛ وهذا يعني أنه ميال نحو التقليل من حضور (أنا المتكلم)، في محاولة من للتمويه على القارئ، والتقليل بين الكاتب ونصوصه. سادت هذه القصص أجواء الشيخوخة، من خلال توالي حضور العديد من الشخصيات الكبيرة السن، فهيمنت من خلال هذه الأجواء ملامح العجز والعوق والموت والمرض والقتل والفقدان والحزن والصمت والخوف والألم والخيبة والخسارات المتعددة، وهذا بدوره خلق جواَ مشحوناً بالحزن والخوف و اللاثقة بحيث بدت أقرب الى الصور القلمية التي يتنفس من خلالها كل خميس. وصف الكاتب هذه القصص بأنها( أخبار وحكايات وصور ومواقف) ،كما وصفها بالمقدمة التي كتبها لها؛ مما ولّد نوعاً من الاشكالية بين العنوان والمتن، لأنه وصفها بالقول:(( لا تعوِّل على الابهار البياني والتزويق والشعرنة حكيتها كما لو أنني في مجلس متنقل على الارصفة، أروي للناس العابرين ما يعرفونه؛ ولكنهم يعجزون عن التقاط جمرته ، متماهياً مع كلمة لجلال الدين الرومي يقول فيها: ” لعل الأشياء البسيطة هي أكثر الأشياء تميّزاً ولكن ليست كل عين ترى” ))[ ص5/ دار امضاء ، بغداد، 2016م]. من هنا يبدو تأثير الأدب الصوفي، وزئبقيته بعدم الامتثال الى جنس أدبي معين، وكذلك الأدب الأسطوري الذي برع فرج ياسين في قراءته، وتقصي ملامحه ومؤثراته؛ فالاعتقاد الراسخ بأنّ هذه النصوص هي حكايات وليست قصصاً، كما ذكر ذلك على غلاف المجموعة، يعد نوعاً من الاقتراب من النص، ومحاولة لبيان أبرز عناصر بنائه، مع الأخذ بنظر الاعتبار إنه نص حكائي تراثي ،وليس نصاً شعبياً؛ وعلى الرغم من توزع العديد من الشخصيات كالشيوخ والعجائز والأطفال على فضاءات القصص، وتحولات السرد، ومحاولة النفاذ من خلالها الى قاع المجتمع وايقاع الحياة الانساني في مجملها.
-3-
في القصص التي تتناول الأوضاع الآنية في العراق، ثمة اتصال واضح بين بنية الخبر الصحفي، أو الخبر الأدبي، وبين المنظومة الفنية للقصة، بوصفها وعاءً محمّلاً بالمتغيرات والأحداث؛ ففي قصة (المرسلون) وهي القصة الأولى في المجموعة يرصد القاص حركة رجال الاحتلال الأمريكي، في زمن يصفه بالخريف ،وربما يعني به خريف الهوية أو خريف القوة ، أو خريف السلام ،مع أن الاحتلال حدث في الربيع، وهم كما وصفهم (( ليسوا رعاة ولا غجراً. رجالٌ بيضٌ مهيبون، ثيابهم نظيفة وعيونهم ضاحكة .. يتجولون صامتين ولا يجلسون في المقاهي أو يحدثون أحداً))[ص [7. إن قوله (لا يجلسون في المقاهي) يحيلنا إحالة الى هويتهم الغريبة، وانهم غير مرغوب بهم؛ انهم مرفوضون من المجتمع، لهذا يغيبون ولا يبقى شيء منهم سوى أحذيتهم.
في قصة ( الأقنعة) وصف لأناس هم جزء من عجلة الاحتلال، اذ يصف خداع النواب لناخبيهم وضحكهم عليهم حتى انه ينزع أقنعته واحداً واحداً، قبل أن يذهب الى السري. وفي قصة (اضحك .. اضحك …) سرد لحكاية استشهاد هادي ابو التتن الممسوس المرح، حيث يرد ذكر (مقهى خميس)، حينما دخل ذات صبيحة مغبرّة من صيف 2006م عدد من جنود الاحتلال الأمريكي غاضبين .. دخلوا بغتة، انتهت بتحديه لهم، لم يذكر لكاتب كيف قتل ،وانهى القصة بضربة تحمل المغزى بوضح حين قال:(( فلم يضحك أحد ذلك اليوم في المدينة))[ص [60 أي أن الحزن كان مخيماً عليها، وهذه ضربة أخيرة وسريعة ولها مغزى خاص، يعبر عن لعبة المفارقة وما تحمله من إحالات الى الاضطهاد والحزن. وفي قصة (ميليشيا) ثمة مفارقة بين أيام العيد وأيام القتل والشتائم واللعنات؛ وهي من محصلات زمن الاحتلال، فكرة القصة تعبر عن زمن المتغيرات وتفكك الدولة وانهيار السلطة ،القصة القصيرة الموجزة لا تحتمل أكثر من مشهد أو مشهدين، لأنها تعبر عن لحظة احتدام وتصوير لوقفة قصيرة مثل لقطة سينمائية تعتمد على عدسة التصوير القريبة، فقد بدأت القصة بمشهد قصير عن احتفالات أول يوم العيد بقوله:(( البنات الصغيرات والأولاد الصغار احتفلوا في صبيحة أول أيام العيد على نحو لا مثيل له، اشتروا بعيدياتهم أسلحة خفيفة: مسدسات وبنادق رشاشة بخراطيش سود تملأ بقذائف بلاستيكية ملونة مثل حيّات اللوبياء)) [ص[68. هذا المشهد هو وصف لحال الناس، وخصوصاً الصغار في العيد، منقول بعدسة محايدة، بصورة شبه تامة، ولكنها تشير بطريقة غير مباشرة الى تحول عقليات الصغار من المحبة والسلام الى العنف، وبهذا أصبحت بداية القصة تنويهاً لنهايتها حيث تخرج الميليشيا الى الشارع وتأخذ بقتل الناس، وهكذا ،كما يرى القاص أيام العيد. يستفيد بناء القصة هذه من طبيعة الأسطورة ومن سرد الحكاية في الموروث العربي، ومن هاجس الحياة اليومية وحركة المجتمع، بحيث يتماشى بناء مع موضوعها؛ فالموضوع متفجر يعبر عن الفوضى واللانظام والقصة تحاول أن تستفيد من هذه الحركة لكي تؤسس حضورها على نمط العلاقات بين عناصر البناء القصصي، وهذا ربما كان وراء الاهتمام بموضوعة النهايات؛ نهايات القصص والأشياء ونهايات الانسان المتعددة كالقتل والموت والشيخوخة والمرض. وهنا أتساءل: لماذا يهتم فرج ياسين بالنهايات؛ نهاية العمل من الأسبوع(الخميس)، نهاية الحياة/ الموت، نهاية العيد/ الفرح، نهاية القوة الجسدية/ العجز الجنسي. فثمة شخصيات مسنة وكسيحة ومقتولة وميتة ، فاقدة للفرح والكلام والامان، ومعرضة للابتزاز، فاقدة للصحة؟ هذا التساؤل له صلة بكيفية كتابة القصة، أو قصص النهايات، وكأنه يكتب سيرته أو سيرة نهاية الوطن، نهاية الأشياء.
-4-
اذا كانت فكرة النهايات المتتالية هي المهيمنة على سيرورة الحياة، فان نهايات القصص تقوم على استخدام المفارقة أو لحظة التنوير، ولكنها نهايات نتجت بطريقة مقنعة نمت من البداية حتى النهاية ؛ بمعنى ان الترابط العضوي والقدرة على التماسك وعدم الاستطراد الممل، وتقليل المشاهد الوصفية، لان حجم القصة لا يسمح بذلك. ومن هنا فإنّ الاعتقاد بان مثل هذا النمط القصصي سهل وممكن لأنه يرتبط بمعاناة الناس وأفكارهم البسيطة هو اعتقاد غير صحيح، لأن بساطة الموضوع يخفي من ورائه فلسفة انسانية ضاربة في العمق، تقوم على توظيف البناء السردي في انتاج قصة متماسكة وقادرة على خلق صلات حية بين الكلام والأشياء، بين الإنسان والأشياء، لأن الانسان ليس بطلاً وحيداً في هذه القصص، وانما تشاركه في ذلك الحيوانات في هذه البطولة، كما في قصة (إنَّ الملوك …) التي هي عبارة عن متابعة لعلاقة الثعلب (الانسان البسيط/ المحكوم) بالأسد (الملك)،وكيف يمكن للدهاء ان يتلافى القوة؛ الملوك هم رموز للاستبداد، وقد سرد القاص هذه القصة بطريقة حكائية تستفيد من الموروث العربي القديم، اذ تبدأ القصة بقوله:(( يحكى أن ثعلباً عجوزاً سلك طريق الزهد، واتخذ زاوية داخل جحر متواضع ، احتفره بالقرب من جذع شجرة عتيقة، لا تطرح ثمراً، وليس لها في الجمال شيء يذكر))[ص15]. هذه المقدمة عن الثعلب الزاهد تضمر كلاماً غير مصرّح به، هو جفاف الحياة، وشيخوخة الشجر، وشحوب الأثمار، بل أن الثعلب هو الآخر عجوز، في احالات الى حالة من التصحر، ولكن الثعلب العجوز استطاع أن يديم حياته على الرغم من عجزه، فكان (( يأكل من خشاش الارض ويشرب من طفح المدّ الهاطل على أوارق الاشجار، حين ينتفض بللها مع كلّ كرّة مدٍّ جديدة))[ص[15. هذه المقدمات التي تشكل متن القصة الأكثر هدوءاً، والأقل تعبيراً عن الصراع بين القديم والجديد، وبين الآفات والحيوانات المختلفة، فهو بعيد عن الانسان، وعن الحيوانات الأخرى القادرة على الحد من قوته؛ ولكن ساعة إلهام نادرة عنّت للثعلب أن ينشد فيها بعض الأناشيد باستخدام المزمور ،وهو في مرحه يعكر صفوه بحضرة الأسد مزمجراً يخمش الأرض ببراثنه، بطريقة وصفية ممتعة، تسهم في ترصين السرد بالوصف والصراع المعتمر بين الموجودات، لكن الثعلب العجوز الذي علمته الحياة من تجاربها أن يصمد أمام المواقف الحرجة، فيهش للأسد ويوجه سؤاله اليه:
– هل أعجبك هذا الانشاد يا سيدي الملك؟ [ص[15
لقد انتهت القصة بسؤال لا ينتظر الثعلب له جواباً، لكنه كان تعبيراً حقيقياً عن حسن التخلص، فكيف ينظر القاريء الى هذا السؤال؟ ان حُسن التخلص هذا ما يضمره في داخله ، ربما طغيان الاسد، ومقتل الثعلب كانا لحظة التنوير للقصة، لحظة خوف واسترخاء، لحظة مواجهة الموت بسؤال الوجود، سؤال الحياة نفسها، فهل كان القاص ساذجاً وهو يطرح هذا السؤال؟ وهل كان الملك يفهم الموسيقى وهو الذي ادمن على السلطة وارهاب الآخرين؟ وهل لهذه القصة فلسفة ما؟ كل الاحتمالات واردة ،لكن الاحتمال الأهم أن نهاية القصة كانت تخفي شيئاً ما، مكر الثعلب ومكر العجوز، وعلاقة الموسيقى بالسطوة، وهنا يتبادر الذهن زمن منع الجماعات الاسلامية للموسيقى والغناء. وهذا ما يحيلنا الى قصة (لطميّة) التي ترقص فيها زوجة الرجل الكسيح رقصاً يعوض عن احساسها بالخسارة من المتعة الجسدية مع رجل كسيح، مما يعني أن وهن الجسد وفقدان المتعة الحقيقية ، متعة المتن المفقودة في معظم القصص، التي عوّض عنها القاص بمتعة الهامش؛ بسبب الخوف والخواء، لهذا بدت زوجة الكسيح حائرة، حين حملت زوجها من الكرسي المتحرك ووضعته على السرير، وهنا أتساءل: هل هو سرير الرغبة؟ فاذا كان كسيحاً كيف سيروي ظمأ انوثة متفجرة؟ وهذا ما يفسر لدي الاعتقاد بأن نهايات القصص كانت اسئلة لا جوبة مكبوتة أو مهملة او مسكوت عنها.
-5-
تناقش قصة (اخصاء) قضية الجسد، فالزوجة (وفاء جابر) طلبت الطلاق من زوجها الذي ادعى عليها ادعاءً باطلاً، بعد أن أصبح ثرياً، وربما صار لا يدانيها ولا يروي ظمأ روحها وجسدها، فأصبحت كالشجرة اليابسة ، في زمن بقي فيه الزوج كالثور، وفي القصة اشارات خفية لما هو مسكوت عنه بانحرافه وشذوذه الجنسي او السمسرة، كما في قوله:(( انه استبدل الازقة النتنة والمواخير وعلب الليل بأسرته وبيته وشرفه))[ص[40.لهذا تعلن الزوجة احتقارها له ولاسمه وصفته ورجولته وتاريخه، فهل ستمارس هذه الزوجة التقلب بين احضان الرجال انتقاماً منه؟ وأعتقد أن نهاية هذه القصة من البلاغة بمكان بما يجعل القارئ حائراً في ملء الفراغ المحذوف في ثناياها، وما توحيه من نتانة الجسد الانساني من نتانة الرغبات الجسدية وقسوة الحرمان. تنتهي قصة (بشيرة) نهاية غامضة، هي عبارة عن جواب زوجة التاجر لزوجة السمكري بتلقائية ونعومة:(( لأنكم هنا!)).[ص [48 أهي تقصد البشر أو جمال وتلقائية زوجة السمكري، أم طبيعة الحي الشعبي حيث يلعب الأولاد جميعاً بلا تمييز؟ ولعل الجواب المسكوت عنه يحمل معه رؤية طبقية خاصة، أو علاقة خفية بين زوجة السمكري مع زوجة التاجر، أو ربما العكس، وهي قصة تختلف عن باقي القصص، من حيث العلاقة بين الجسد الأنثوي والجسد الذكوري المسكوت عنها، كما في قصة (التقسيم) حيث يصبح الحاج اسماعيل بطل القصة قعيد الدار والموت وشيك؛ فهو عاجز عن اداء واجباته الجنسية، وبالتالي ربما يوحي بما توحيه قصة (قتل الأب)؛ التي تعني قتل قدراته الجنسية التي تتمخض عنها القدرات الأخرى، والتي تتماشى مع قصة(ابتلاء) التي تنتهي بأغنية فيروز( سكن الليل) التي يعني بها سكون القوى الجنسية، فلماذا يسكن ليل الزوجين؟ لأنه يعني سكون الحياة نفسها أو استقبال الموت.
























