إتجاهات جديدة في براكماتية التداول المعرفي للرواية 2-2

إتجاهات جديدة في براكماتية التداول المعرفي للرواية     2-2

تل سهيل نادر يضمر ثقافة تفتيت العنف

اسماعيل ابراهيم عبد

ثالثاً : اللوازم السردية

اللوازم بفهمنا آلية نقدية مقترحة لرصد وتوضيح وظيفة التكرارات الحدثية التي تكوّن متممات تناصية ومنميات تأويلية .

” أما المتناميات التأويلية فهي وجود أكثر مـن تأويل للنص الواحد يقوم به ناقد واحد وفي وقت واحد ”  .

في قصة الليل في غرفة الآنسة ” م ” تكرارات عديدة للوازم سردية تعطي للقراءة عدة تأويلات متنامية مع نمو وتقدم الحوادث والوعي بها من قبل المتابع ..منها تكرار الإحلال بين الفتاة والليل ،  الفتاة والنهار ،  النهار والليل .. الفتاة والفجر ،  الفجر والليل والنهار .. كما أن التلازم السردي يتبنى احلالات عدة بين مكونات لوحة الجدار واوضاع الفتاة وافكارها الجنسية الظلامية والنهارية . كأن تلك هي المضامين الحقيقية للفتاة وليس للوحة على جدار . يرد ذلك ضمن المدونة الرواية على الصفحة 274 ،  والصفحة 275 ،  والصفحة 279 ،  والصفحة 281 ،  والصفحة 282  .. تلتم كل تلك اللوازم في معقد شعري ،  نقتطع منه النص الآتي :

[وذات يوم قالت الآنسة م:

” ماذا تفعل؟ ” .

قال صديقها : ” نعم ؟ ” .

قالت م : “ماذا نفعل ؟ ” .

قال صديقها : ” نعم ؟ ” .

قال الليل : ” نعم ؟ ” .

قالت م : ماذا نفعل ؟ .

قال الليل : ” لّعّمْ “

واستمرا يمارسان لعبة الجنس ،  والاسئلة ،  مثلما أمارس أنا الآن أمامكم حكاية التأريخ القديم ،  بعد أن مارستُ الزواج والانجاب . لعبة مسلية .. أليس كذلك؟

سجن الحلة المركز حزيران 1967

3 ـ اتجاه

سردية الاثنو ـ اركلوجيا

لنهتدي بالمفتتح المعلوماتي الالكتروني الذي يشير الى :

”  الاثنوـ آركيلوجيا ،  تتكون من مقطعين ،  وتعني دراسة المجتمعات المعاصرة بمناهح علم الآثار بضمنها الآثار التجريبية التي تنحصر مجالاتها في اعادة تجارب الماضي ،  مثل صناعة الادوات والحرف والمواد الفنية للرسوم الصخرية والعمارة بحيث تعتمد على توفر معلومات آثارية وتاريخية .. وهي فرع من فروع الانثربولوجيا الحضارية الثقافية ،  وتدور طبيعة التعاريف المختلفة للاثنوـ آركيلوجيا حول استغلال المعلومات الاثنوغرافية علم الاجناس العرقية في تكوين فرضيات نشاة الحضارات وادواتها العملية بالقياس والمقارنة. ـ الانتروبوس : الموقع العربي الاول في الانثروبولوجيا : تاريخ الزيارة 3/6/2017

نعدُّ هذا الفصل مكملاً تقنياً ومعلوماتياً وفنياً لفصل السابق كونه متناسلاً منه عبر الآصرة الانثربولوجية .

لقد قمنا برصد عدد من الروايات ممن لها اهتمام بالاستثمار الحضاري للنشاط البشري الآثاري وعلاقات البشر بنوعيهم المستثمر للاكشافات الاركلوجية بهدف ثقافي يخص نهب ثروات الغير ،  والسطو على تراثهم ،  والنوع الثاني الذي يستثمر طرائق البحث الاركلوجي الحفر والتنقيب للعثور على كنوز المعرفة للتعرف على الماضين وربط هويته بأرثهم عبر موجودات الحضارة المؤلفات الفكرية ،  والادوات المستعملة ،  وبعض مصوغاتهم الفنية ،  مما تم تدوينه أو رسمه .

إذاً لتلك المتجهات أكثر من طرف فني ومعرفي ،  فالبحث بالشأن الاركلوجي والاثنولوجي يمر حتما بالفعل المثيولوجي . من أجل الاتمام النقدي سنتناول المحاولات المتأنية للروائي في سعيه لتثبيت موقفه من آثار وفنون ومعارف وموجودات مادية ومعنوية لأجداده ،  كونه الوريث العملي الفعّال القادر على فحص آثار بلاده والحفاظ عليها . هذه الروايات ستواجه قضايا عديدة تخص أفعالها الحدثية واشتغالاتها التعبيرية ،  تجعلها روايات متحدية للسائد من الأحداث السياسية والتاريخية ،  والمنسي من الممارسات المنحرفة للمستشرقين ،  كما ستتحدى الاساليب الروتينية في النصح والارشاد اللذين سارت عليهما الروايات التقليدية ،  فضلاً عن أنها ستواجه القيم الاجتماعية التقليدية بوعيها المحدود ،  الوعي المعرقل لجهود الروائيين المبذولة لخلق وعي فني ،  تقني وروحي ،  لفهم ما خلّفه الاولون من حضارة وطقوس .

نموذج

اركلوجيا عصرنة العصور الوسطى

رواية التل لسهيل سامي نادر ،  بعد الإنجاز ،  قصدت التداول الذي يضمر ثقافة تفتيت العنف في بغداد . هذه الرواية يُصار فيها الى فعل البحث :

البحث في الصحراء عن أرث وآثار.. البحث بين الناس عن أصدقاء..البحث في الذاكرة عن علائم إنثوية..البحث بين الأصوات عن أنغام حيية لحبيبة..البحث في التأريخ عن أبطال من البسطاء في زمن الملوك..البحث في الروائح عن مرافيء إنتعاش الأنفاس.. البحث في الزمن عن رواة حقيقيين..

الرواية تشكيل دراسي يأخذ بالبحث الفكري بعلميّة تشبه الرسائل الجامعيّة ،  تأخذ بالبحث عن الآثار بمثل ما يفعله فنيّو دائرة الآثار العامة في العراق ،  لكن الأهم هو البحث عن علائق الأمن والأمومة والإنبساط ،  والمنزليّة ،  والعاطفة الناضجة بوعي ثقافي دافق ،  وتمكين الفعل الرفيع من الاستمرار بالنشاط والجديّة والدقة ورغبة الكشف والإكتشاف ،  وتكثيف الأفكار .

أ ـ البحث في المجهول المعرفي

الروي كتقانة سردية يأخذ ،  بعد اللغة والحدث ،  بالمعلومة المعرفية ،  وهي هنا تتسم بإتجاه :

ـ التعطيل المؤقت للفهم : إذ يجعل الراوي باب الفهم موارباً بالمجهول لما يخص الفشل والنجاح ،  أي دون مسببات ،  أو ظروف إقناع ،  ودونما نتائج .

ـ إضافة المعلومات : تتأتى معلوماتية العمل الروائي من قلب المسلمات الجغرافية وإكتشاف معلومات بديلة ،  وكذلك في وضع شـروط جديدة للبحث التجريبي بجعل التنقيب موضوع البحث حراً ليصيرحيوياً متماهيًا مع البيئة المراد التنقيب فيها ،  لا التنقيب لأجل نتائج وفروض مسبقة .

ب ـ التدبر الفني

النص الروائي كإشتغال إنشائي يتوفرعلى تقانات لغوية لجوهرالنظم الإبلاغية .فضلا عن ان التقانات تدبير قصدي في غاياته ،  له مبرراته كحساب ذهني وأدواتي . هذا التدبير ينمازبملاحقته للوصال القائم بين المظهرالأفقي والتأويل للمضمر ،  باشتغال سردي ،  يؤكد المعنى الخاص بالنسيج النهائي لقيمة الروي . لننظر :

[تفشل تجارب الغرف المغلقة وتنجح خبطة قوية على الرأس . يحتاج المرء الى أن يُلذع بعد سهو،  فليس من مخبر حقيقي غير الخريف الطلق ،  وكان في هذه اللحظة يستعرض في الحديقة إحتماليته الغريبة وتعارضاته الطبيعية :

كنتُ أعرف الخريف في الماضي متى يبدأ ،  فرحلاتي الساحرة تبدأ معه ،  وكان هو من علّمني التنقيب الحي . لدي صور خيالية عن هذا الفصل ماثلتُها بحياتي الشخصية وصدّقتها عبر إنكساراتي وهزائمي ،  صورة باب ينفتح على جهتين لا تعرف أهي جهة دخول أم جهة خروج] .

ضمن إطار السرد تشاد علائق عديدة منها :

أ ـ اللغة

تتصف بأولوية الجمل الفعلية للدلالة على سرعة الأحداث وكثرتها .

فالأفعال 16 ستة عشر فعلاً في مقطع من 58 كلمة .

بمعنى أن كل فعل = حدث يسحب لنفسه ما يقرب من 4 كلمات .

وبإضافة الحروف ذات الدلالة على الإستمرار والتوقف ،  من ثم معها الفوارز والنُقَط . كأن الجملة الفعلية تتألف من 6 كلمات = 6 أفكار.

لهذا الإشتغال نتيجة مباشرة هي الكثافة السردية، ونتيجة غير مباشرة هي الكثافة التأويلية. هذه الكثافة تغني التعقيد البلاغي والنحوي وتساعد على والضمروالاختزال والثراء الإشاري .

ـ الثقافة

تتبنى الرواية ثقافية القول للمعطيات الفلسفية ذوات الحكمة والحذق والإقناع.

تعطي للإسلوب صراحة الفصاحة وسهولة التواصل الذي ينماز به حكي وقول وسرد وتفكير المثقفين ،  كما أنه يلوّن الزخرفة القولية بالمفارقات مثل الفشل مقابل النجاح ،  والتجربة مقابل الخبطة .

النص على قلّة كلماته ومختزلات جمله يعطي فكرة زمنية جديدة مهملة تلك هي : أن الخريف في العراق هو أجمل من الربيع مناخياً ،

ـ التركيب الصوري

أراه ممثلاً في :ـ الخبط على الرأس ،  اللذع والسهو ،  التعارضات ،  المعرفة والرحيل ،  تماثل الصور البؤرية.

4 ـ اتجاه

ايدلوجيا الروائية

من بديهيات التعلم الفلسفي القول : أن الايدلوجيا هي الاطار الفكري الذي يعبّر عن محتويات العلوم والفنون والمعارف المختلفة ،  عبر مقولات وفرائض وبراهين تخص طبيعة واغراض الحقول المعرفية ،  إلّا ان الاستعمال التداولي المستمر يكاد ينحصر في المبادئ السياسية وعقائدها النفعية ،  اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً. عليه سنتماشى مع السائد ونَسِمُ الروايات ذات الغايات السياسية الاجتماعية بكونها روايات آيدلوجية ،  خاصة تلك التي تتعلق بالفكر الثقافي وعلاقة الفرد بالسلطة الحاكمة ،  أو أحزابها ،  أو أنظمتها الشمولية. بمعنى أدق أننا سنتجه بفعلنا النقدي جهة التحليل بآليات النقد الثقافي . ” لم يعد النقد الثقافي ينظر إلى النص بما هو نص ،  ولا إلى الأثر الاجتماعي ،  الذي قد يُظن أنه من نتاج النص ،  إذ صار النقد يأخذ النص من حيث ما يتحقق فيه وما يتكشف عنه من أنظمة ثقافية ،  وأنماط تعبيرية وأيديولوجية وانساق تمثيلية ،  تمارس شتى أنواع الهيمنة والتحكم في المتلقي الفردي أو الجماعي ،  بطرائق متخفية ” .

لعل الموقف الآتي يؤهل شروعنا بمتابعات نقدية وكتابة نصوص تتوسط رؤاها بين انغلاق الايدلوجيا وانفتاح افق معلوماتية التجدد الايدلوجي بما يستدعي ايدلوجيا نابعة من الفنون لا من السياسة والعقائد المتطرفة في عالميتها او شموليتها . لننظر الآتي :

” أن النص الروائي في خاصيته … فن يتموضع دائما في القطب المقابل للايدلوجيا ،  على الرغم من أنه نص يستطيع ان يحتوي كثيراً من الايدلوجيات ،  لكنه يحتويها في حالة الحوار والتفاعل والحركة والصراع ؛ أي في الحالة الدينامية الحية ،  الحالة التي تكف معها عن أن تكون ايدلوجيا ،  بل رؤية للعالم ،  ينهض بها النص الروائي في دلالته الكلية ” . من المهادات المعرفية لحقل الايدلوجيا والنقد الثقافي ،  والموقف الموضوعي المضاد للايدلوجيا الشمولية نتوصل الى الآتي :

1 ـ الايدلوجيا موقف ثقافي مقام على أساس القيادة غير السوية للمجتمعات تمكن الافراد أو التنظيمات المؤسساتية من التحكم بالأفراد والجماعات عبر دكتاتورية الفرد او الاحزاب. 2 ـ الثقافة الايدلوجية خلقت لنفسها اعداء مفكرين وروائيين ،  وهم من عرّى سوء وفشل هذه الايدلوجيات وبَيَّن انحرافها عن اهدافها المعلنة .

3 ـ عقدة اضطهاد السلطة للاخرين بالقوة المفرطة هي الموضوعة الأكثر أهمية في العمل الروائي .

4 ـ ان الموقف الفني من الروايات ذات الاتجاه الثقافي يوجه الى الحكم عليها بتوصيف رواية ايدلوجية حتى وان كان كاتبها غير متحزب ،  وليس له اتجاه فلسفي يخص العقائد المتحزبة او المتطرفة .

5 ـ تصنيف الرواية بـ الايدلوجية يعني نقديّا ،  انها ضد الايدلوجيا المُضْطَهِدَة ،  ومع الايدلوجيا الفنية التي تصنع عالما من الجمال المنضبط وفق فكرة وتقنية تحسب للفن حساباً يشبه صرامة الحساب الرياضي.

عن التجربة الروائية بتلك المواصفات سنتجه ،  تطبيقاً ،  الى توظيف ايدلوجيا الذات الجمعية،  في رواية حدائق الرئيس لمحسن الرملي .

نموذج

الوعي بأيدلوجيا الارهاب

في احدى علائق الأدب الثقافية ،  أنه ينتمي الى ” الطبيعة الإجتماعية للذات ” للذات إتجاهات يرتقي بها التفاعل الإجتماعي ” على وفق ” الذات المنعكسة وإسلوب التوقعات عند الآخرين”   .

مشرحة بغداد ،  أو حسب ما يسمى بالمأوى السردي السري للحياة في بغداد ،  هي رواية برهان شاوي التي تتبنى إتجاهات تصييغ الشخصية ورفع الحدث اليومي لمرتبة السديمي ،  وما يلحق هذه من تبئيرات ثيمية وفنية ،  حيث أن النمو الإجتماعي لذاتية الأبطال يتصيّر مراقبة ونقلاً وفعلاً وتقمصاً لوعي الفرد الجمعي دونما ضغوطات خارج الذاتية . أن النمو السردي للأحداث بطريقة التحولات التدريجية ترفعها الى مستوى الحدث الغرائبي،  بإشراك قوى اللامعقول ليصير الحدث ،  فيمابعد ،  حدثاً شبه واقعي تخيلي . لنا ان نهتم بتوظيب العمل للحالات تلك بحسب الآتي :

أولا : تصيير الشخصية

1 ـ يبدأ نمو الشخصية للصوغ التعاقبي على مراحل تخص شخصية حارس المشرحة آدم بالدرجة الأولى ،  والذي يدَّعي بأنه حارس الموتى ،  الذي تعيّن موظفا حارساً في مشرحة بغداد للجثث المغدورة .

هذه المشرحة تصير وكأنها بوابة الدخول الى بغداد كلها ،  أو الى البلاد أجمعها! يحاول الروائي برهان شاوي إيجاد نافذه أولية للدخول عند قوله :

[الساعة الآن قد تجاوزت منتصف الليل . مشرحة بغداد قد أوصدت أبوابها . ليس هناك سوى الطبيب الخفر ومساعده والحارس الخفير ،  المنطقة التي فيها المشرحة ،  والشوارع المؤدية ،  والأزقة التي تحيطها ،  بل وبغداد كلها غارقة في ظلام ]   . العزلة الموحشة ،  يرسمها الروائي كأنها ليس لمشرحة جثث الموتى ،  إنما هي ظرف ،  بل هو الظرف الذي سيجعل من الحارس آدم قناة ترشيح وترشيق الوعي الإجتماعي ،  بل أن ذاتية آدم ستأخذ صُغارها أو كُبارها ،  من هذا الموضع .

إذاً مرحلة الذات الأولية لصوغ الشخصية يبدأ من التحديد المكاني .

2 ـ يهيء الراوي القولَ ليعطي شيئاً بنائياً لشخصية الحارس آدم ،  رابطاً بين بيئتين هما ،  بيئة الأقراص المدمجة وعوالمها في الباب الشرقي ،  وبيئة العزلة المشرحة لما سوف يؤول اليه التركيب الخاص لمزاج الحارس آدم .

[الخفير آدم كان على غير عادته ،  فثمة هاجس خفي يدفعه لإنهاء جولته الليلية الإعتيادية ،  والتوجه الى غرفته في الطابق تحت الأرضي،  لمشاهدة الأقراص المدمجة التي إشتراها نهاراً من الباب الشرقي وسط بغداد] .

إذا علمنا أن الأقراص المدمجة هي لأفلام أجنبية معظمها جنسية ،  يحاول التلهي بها رجل شاب ،  حارس للموتى ،  تحت الطابق الأرضي ،  لعرفنا أن الراوي يحاول تقريب الشخصية من حالة الهوَس لفرد في عمق الأرض ،  تشبهاً بالقبر .

من هذا التقريب ندرك أن الصوغ في المرحلة الثانية ليس للتصيير التعاقبي ،  إنما للتصيير البنائي النفسي والعقلي للشخصية ،  البناء الذي سيتدخل في مفاصل التطور الفكري والفني لها ،  إذ ان :

آدم حارس مشرحة بغداد : هو الشخصية المركبة المعقدة الموحية بالإضطراب . بمعنى أن آدم قد إستعاض ـ بحسب المشـهد أعلاه ـ عن الذات الإجتماعية للآخرين بأن وضعها ندّاً تربوياً له عن طريق الأقراص المدمجة .

3 ـ تبدأ مرحلة بنائية أخرى لآدم حين الكشف عن عمره البالغ22عاماً ،  حيث تعطى له صفات مظهرية ،  طبعاً هي صفات مراوغة ،  حيث / [ يبلغ الثانية والعشرين من العمر .. يبدو أكبر سنّاً .. شخصيته ملفتة للنظر .. لاسيما العينين الواسعتين والنظرة المتقدة ،  كان شاحب الوجه ،  ناحل الجسم ،  كث الشعر ،  طويل القامة .. يلبس بنطلوناً أسود وقميصاً أحمر. فوقهما قميص طويل أزرق يميّزه بأنه ينتسب الى المكان .. يبدو أنيقا ]   .

التوصيف قد يكون مناسباً للوصف الخارجي لوكان في بدء الروي ،  لكنه حين إندس في حقل عنوانه الآخرون فسيصير صفات لدلالة البساطة الممنوحة لآدم كوظيفة إدارية ،  ووظيفة وجود ضمني مع الآخرين أشبه بالأشباح ،  سواء كانوا أحياء أم أمواتاً ،  لذا لابد أن تكون هيأته خارجية داخلية ،  فعالجها الروائي بإعطائها صفة ملفتة للنظر ،  ثم أن هذه الشخصية ـ على عاديتها ـ ستكون حالة روائية خاصة جداً ،  مثلما ستوضحه مفاصل الرواية لاحقاً .

4 ـ في مرحلة بناء الوعي لشخصية آدم حارس المشرحة ،  تتوجه إليه مفاعيل عدة قوية لتصير له تجربة ثرية تقنِع القارئ بإسهامه بالفعل الروائي ليسند إليه دوره الأعم ،  الأهم في الرواية كلها.

هذه التجارب تُعنى بحالات الجثث وحكايات الغدر الذي أماتهم . حكايات كثيرة وغريبة ومحزنة ،  مثلما هي حكاية الفتاة القتيلة بقضية شرف كون بطنها منفوخة ،  والذي يتبين ،  بعد قتلها ،  أنها ليست حاملاً إنما مصابة بورم في بطنها . ومثل تجربة تعامل الحارس مع ذوي الجثث الباحثين في المشرحة عن قتلاهم ،  وغيرها ،  في سلوكه مع إدارة المشرحة ،  التي يبدو أنها الطب العدلي ببغداد .

ثقافة الرهاب

نعتقد بأن الرواية تأخذ بطريقة تنامي الوعي عبر الانتقال من حالته القصوى في اللامنطقية الى الحالة المهمة ،  حجاجية الفهم . وقد تبنى الكاتب اسس التحولات بحسب الآتي :

ـ ما قبل المنطق : يصفه تزفـيتان تودوروف “بأنه ليس البدائي إنما هو الصوفي ،  حيث الإعتقاد بأن للأشياء غير المرئية وجوداً حقيقياً ”   .

في الرواية يوجد تحوّل بدئي يجعل المشرحة مكاناً اسطرياً ،  ومبعثاً لثقافة نفسية وإجتماعية موغلة في الصُغار الذاتي والعدمية ،  ثم أن الموجودات جميعها من النوع الذي يمكن ترحيله من الوجود المادي الى الوجود الذهني ،  الى اللاشيئية ،  وكل هذا يعني واحدة من مطلقات حالة الرهاب العامة في البلاد ،  وعلى مدى قرن سابق ولاحق للرواية ـ ربما!

[ـ أخذوني مباشرة الى الزنزانة ،  وهناك وجدت أربعة آخرين . بدا لي أن كل منهم لديهة قصة شبيهة بقصتي].

الراوي هنا جثة طبعاً ،  وهو ما يعني جثة موسومة بالتحول اللامنطقي لثقافة الرهاب ما قبل بدئي ،  مقارب لصوفية اللاموجودات ، على الرغم من الوجود الحقيقي للجثث ضمن بناية المشرحة .

ـ التخيلي : حالات متخيلة لتحولات الرهاب الأساسية ،  إذ يقوم التخيل بالتقصيص لحكاية جثة شبح ،  تأخذ هذه القصة بالنمو السردي ،  مثل جميع الروايات ،  بما يقابل نمو الروي الذي يسهم في تحقيق الغاية الفنية والفكرية للرواية ،  يمثل هذا ،  جميع البدايات والنهايات للمشاهد المرقمة بالأعداد الـ 12 ،  المهيكلة للرواية ،  التي هي مادة تخيل يوحي بحدة الصور المادية للرواية .

ـ التحايث : المشرحة ،  المكان الدوني ،  المكان المنعزل ،  الزمان الضائع ،  سكن الطبقات العراقية الدنيا من البشر . المشرحة هي مضمور العلاقات الثقافية والإقتصادية والإجتماعية والسياسية ،  بالدرجة الأولى إذ أن :

+ قوى الأرهاب الأشباح تتبادل الطـقوس مع قوى الإرهاب العلني ،  الحكومي والمليشياوي والدولي .

+ قوى التحكم ممثلة بالسلطة هي نوعان ،  نوع يعذب الموتى النوع الأمني الذي يحيا بالظلام ،  والنوع الرسمي الذي يأخذ الناس بالشبهة بصورة يومية دون خوف أو خفاء .

+ قوة التحكم الإقتصادي والسياسي هي هي ـ بحسب رواية مشرحة بغداد ـ سواء منها ما يحكم الموتى أو ما يحكم الأحياء .

+ ثورة الموتى الجثث هي دعوة لثورة الأحياء .

+ تطور وعي شخصيتي الطفل وآدم الشامل هو تطور بإتجاه نبوءة المستقبل بإنسانية سليمة معافاة بالأمن والتآخي .

5ـ اتجاه

الرواية الإيكولوجية

” النقد البيئي منهج جديد في القراءة والتحليل والتقويم ،  فهو يهتم بدراسة البيئة والطبيعة والمكان في الإبداع والأدب ،  بمعنى أن هذا النقد يتخذ بُعْدًا موضوعيًّا وثقافيًّا وتفكيكيًّا ،  لا سيما إذا تسلَّح النقاد بمجموعة من المناهج الحَدَاثية وما بعد الحَدَاثية لمقاربة الظواهر البيئية في النصوص والخطابات ،  انطلاقًا من الداخل النصي والسياق الخارجي ؛ بُغْيَة تأويل النــــــــص ثقافيًّا وبيئيًّا وإعلاميًّا “.

” النقد الإيكولوجي؛ منهج نقدي يهتم بدراسة علاقة الإنسان بالبيئة والمكان ؛ وأثر الأرض والطبيعة في الكتابات الأدبية ؛ أي استكشاف معاني البيئة في النصوص الأدبية ؛ وهي مقاربة تُخضِع سيادةَ التصورات المتمركزة بشريًّا عن البيئة للدرس والتحليل ؛ على اعتبار أن مصدر إلهام الأدباء هو انخراطهم في المخطط الكوني الذي تشاركهم فيه جميع الكائنات الحيوانية والطبيعية ”  .

هذان الرأيان يخصان النقد ،  ومن بدهيات القياس ان تكون مادة النقد موجِهة لصفته ،  بمعنى ان النقد الايكلوجي في الرواية مثلا ،  تكون مادته هي الرواية الايكولوجية . نرى الرواية الايكولوجية مثلما يراها عبد الماجد عبد الرحمن الحبوب بدراسته ” الروائي إبراهيم اسحق..وبال في كليمندو” : نموذج لإيكولوجيا الرواية:

” الحياة في الرواية تعتمل وتشتغل كلها ،  في الواقع ،  من خلال دينميات الحوار البيئي- الإيكولوجي الفعّال .

حوار مكونات البيئة المادي والاجتماعي والعاطفي – الوجداني يتجسم ويتعيّن بشدة في هذه الراوية . وهو حوار لا يأخذ شكل الرصد الفوتوغرافي التقليدي ،  بقدر ما يأخذ شكل التفاعل الايكولوجي الفعال ،  هذا الرصد البيئي الفعّال الشامل في كتابات اسحق مما رصده أيضا نقاد آخرون كلمياء شمت ”  .

” النقد الإيكولوجي بسبب جِدَّته وحَدَاثته في الدراسات النقدية ونظرية النقد الأدبي تحديدا؛ فهو منهج غير معروف في العالم العربي إلا على نحوٍ ضئيلٍ للغاية “

والى فترة ورود موضوعنا المبحوث فيه تعدُّ النصوص والدراسات بخصوص ايكلوجيا الادب الروائي ،  حديثة وتأسسية تنتظر المزيد من البحث والتقصي لتثبيت هويتها العربية ،  بمعنى ان كل دراسة متزنة في هذا الاتجاه سيكون لها دور مهم في ارساء وتطوير البنى الارتكازية لأدبية ايكولوجية بمتصفات عربية ،  على الرغم من أن فلسفة الثقافة الايكولوجية راكزة في البلدان الاوربية وامريكا ،  ومن ثم فالادب الايكلوجي له ساحة اعلامية وثقافية واضحة الهوية بالغة التأثير على القراء والمؤسسات الاجتماعية ،  همنا ان نضع متصفات حاجتنا وهويتنا وشجن بيئتنا في النص والنقد الروائي الايكولوجي تنانسقا واتساقا مع التداول والتــــواصل الانساني الاقليمي والعالمي.

عبر ثلاثة نماذج روائية للكتاب هيثم بهنام بردى ،  نزار عبد الستار ،  حسين محمد شريف .

قمنا بتشخيص بعض الملامح العربية للرواية الايكولوجية ،  نعتقد بجدواها لتمييزها عن غيرها من الروايات المحلية والعالمية. تلك المتصفات هي :

1 ـ تهتم بموضوع البيئة ،  المناخية والتضاريسية ،  كمعامل موضوعي اول في الاشتغال.

 2 ـ تنمي الرواية بيئة فطرية تجمع بين بيئة الحضارة الفطرية للانسان والفطرة الحامية لمكونات البيئة غير العاقلة .

3 ـ غالبا ماتنتمي الى موضوعة الطفولة والحكايات الرهينة بها دون الاعمار الاخرى .

4 ـ تعتمد على الغرابة التي تتأتي من أسطرة موجودات البيئة المكانية المحلية بمضافات التفخيم والا.