
إتجاهات جديدة في براكماتية التداول المعرفي للرواية 1-2
الحكايات تبشّر بالطبيعة والسجية المطبوعة
اسماعيل ابراهيم عبد
ترتبط فكرة البراكماتية للرواية بعملية التسويق والتبادل النفعي بين القراء والكُتاب , ونتيجة للك تتجه الرواية في العديد من البلدان نحو طرق باب الحقول المعرفية التقنية والاجتماعية التخصصية , تمزج بين ثقافة المكان والزمان والسلوك النفسي والمظهري والنفعي .
لعل أقرب الاتجاهات الروائية لفكرة البراجماتية اتجاه سردية الانثربولوجيا , إذ هي علائق متشعبة حاوية ولامة على قدر كبير من اللذة والمتعة العلمية والادبية . من بين هذه الحقول ما هو فروع للانثروبولوجيا ومنها ما يجاورها , ولقد استجابت الرواية العراقية لصديات هذه المعاف فيها , ومعها سيتجه النقد , لذا فاني سأتقدم الى بعضها كونها الاقرب الى التأثيث الروائي الجديد في العالم .
النماذج التي سأتناولها لها مسوغات آلية في الاشتغال , توجّه النقد الى حرية المتابعة وحرية الجمع بين عدة اتجاهات تقنية ـ جمالية , وثقافية .
لعل من المفيد ان نذكر مسبقا بأن دراساتنا ستخص الشأن الروائي ما هو تقني / ثقافي , وما هو ثقافي تداولي براجماتي مع التحفظ على الشكل السوقي في هذا المجال.
الروايات قيد المتابعة فيها من التنوع التقني ما يستدعي ان أركز على التضافر التقني وما فيه من قدرة تداولية.
نحتاج اليوم , كنقاد , أن نضع منافذ أمام النقدية لرصد التحولات الاجتماعية والنفسية والتقنية والاقتصادية عبر الآليات والقيم الحضارية الذوقية , للرواية لتنهل , من السرد والرؤى الاجتماعية والثقافية والمثيولوجية والانثربولوجيا الحضارية , بمصادرها الجمالية والثيمية والاسلوبية .
من بين اتجاهات الرواية والنقد الحديثين ستة مناهل حضارية للفن الروائي . سنتابعها بحسب الأتي :
1 ـ اتجاه
انثروبولوجيا السرد النفسي
” الرواية النفسية هي رواية تكون فيها الأحداث مسجَّلةً ، على نحو ذاتيّ ، في ذهن واحد أو أكثر من شخصية ، وتؤدي فيها عمليات الوعي دوراً مشوِّقاً يعادل دور الأحداث الخارجية أو يفوقها أهمية ، الرواية النفسيّة تقدَّم الأحداث ، لا وفقاً لتسلسلها الزمنيّ ، ولكنْ كما تتداعى في ذهن البطل أو غيره من شخصيات الرواية ، نشأت في الفترة التي طلع خلالها فرويد بأبرز نظرياته النفسية ، ولكنها لم تكن بالضرورة نتيجةً لذلك ، ثم بلغت أشُدَّها في القرن العشرين ، من ممثليها مارسيل بروست وجيمس جويس وفرانز كافكا كما جاء في موسوعة المورد ، منير البعلبكي ، 1991 , مثبت في الويكيبيديا بزيارتنا ليوم 29/5/2017.
ومن البدهي ان الرواية هذه ستخضع لوضع الاحداث بموضع السلوك المنعكس عن محفزات وميول واستجابات قصدية ولاقصدية , ستكون بمثابة قوى موجهة للقول الروائي معتنية باللعب الاسلوبي على القيمة الجمعية والزمن .
المهاد المتقدم يحتاز على موضوعتين مهمتين هما : التأكيد على الثيمة القيمية من جانب الوعي , ثم اللعب الزمني بما يُمَكِّن القائل او الفاعل من ابراز حالاته او حالات الآخرين وفقاً لما عليه الفكرة في الذهن أولاُ , من ثم عند تحولها سلوكاً .
مثلما تعبر عنه رواية ” آلام السيد معروف” للكاتب العراقي غائب طعمة فرمان .
نموذج
هذيانات السيد معروف
لأجل التمكن من رصد متصفات الاشتغال الروائي علينا توجيه العناية الى الرواية من عدة زوايا , منها :
أولاً : هذيان الإنشاء المجازي
يعتمد التأثيث الإنشائي النفسي , قبل أي شيء , على الوصف المجازي غير المباشر لإستعمالات الأشياء لا الاشياء ليؤلف صيغة بناء من جمل معنى تفيض بمبدأ فلسفة التحول النفسي والجسدي.
ـ ابتسامة حلوة , وعينين حدوبتين.
ـ هي التي لعبتْ بعقلكَ وحوَّلتْ تفكيركَ ؟ لا تنس أنك موظف دولة.
إرتدَّ السيد معروف , وأرخى شيطان العناد سيطرته على لسانه.
ـ عقلي ليس كرة يُلعب بها . …
ـ كرة او دعبلة .. هذا لا يهمني … يهمني التخريب الحاصل في تفكيرك ..
هذا الذي يحول تفكيرك الى جهة غير مأمونة .
ـ لا أحد .
ـ عندي … مستمسك .
ـ وهل يلمس الخيال … ويتحول الى واقع .. ليته .
يتضح الفعل الإنشائي عبر آلية إستعمال الأشياء بطبيعتها الجملية كونها لغة لا لكونها وظائف مباشرة
ثانياً : هذيان الوصف التراكمي
يتراكم الوصف في عملية تدوين الروي بوصفه فعالية من طبقات سردية , منها ما هو عيني ومنها ما هو غير مادي .. ومن طبيعة هذه الفعالية أنها تراكم المعنى بطبقاتها المادية والمعنوية تجمع ما بين التشكل الانشائي والتركيب المادي .
لنهتدي ببعض ما نراه مناسباً.
كان يغيظه أن يلمّح موفق دائما الى ما في قلبه او فكره , يعرف مطوى أسراره . كأن موفقا كان ينظر إليه من خلال نور , كما تنظر الى صورة أشعة . وكان يرد على ” لماذا “المتكررة على لسان السيد معروف ردا جسورا يقلب فيه مقاييس الساعة . مما يلاحظ على المقطع المنصص أنه يستثمر طبقتين من الفعل , اللغوي والتعييني .. مثل هذا التوجه يمكن ادراجه ضمن جهد الكاتب في خلق شخصية لا نمطية تتوازن بها القيم الفنية اللغوية والاستعمالية , العامة والذاتية “
ثالثاُ : هذيان فتنة الأثر
الفن او فتنة الأثر يرتب لحسن صوغ مآوىَ لتأثيث حالات ودلالات نفسية جمالية عدة , منها ما تصف ومنها ما تقوم بترتيب القول على وفق اشارات تستعيض عن الحياة بمماثلات حيوية . مثلما هو في القول الآتي :
سيمر غروب آخر دون ان يغمر روحه , ستطوف الابتسامة الحلوة والعينان الحدوبتان على الشاطيء تفتش عنه ولا تراه . وانتفض مطعوناً , شعر بألم شديد في معدته يفوق الألم المعتاد الذي يحمله معه صباح مساء .
رابعا :هذيان المسجوعات
ان الهذيانات اللغوية ميزت السرد ودمغته بطابع الانتماء الطبقي ليتماثل مع البيئة المخلقة للهوامش الاجتماعية. وتلك الهذيانات مدركات عن فهم ثقافي يقع بثلاث بُنى هي التراثية , الشعبية , الغمغمة الحروفية.
أ ـ لغة الهوامش الهذيانية
* لغة الهذيان التراثي : وقد إتكأت على التراث العربي الوسيط والقرآن والحكايا الشعبية , وكلها منحرفة عن الاصل . مثالها :
*ولكم في الغروب حياة يأولي الألباب . ـ رواية آلام السيد معروف ص7 ـ النص استثمار قرآني محرف .
*طنجة , سبتة , سرقسطة , باجة , ويبحرون فرارا من الليل . البحر من ورائكم والعدو أمامكم , وليس لكم والله الا الصدق والصبر , في شبه جزيرة الاندلس , المليئة بالحور الحسان ,من بنات اليونان , الافلات بالدر والمرجان . الله ينصر السلطان . رواية آلام السيد معروف , ص30
ـ النص يستثمر التراث الوسيط والحكاية والتراث الشعبي الحديث واغنيات الاطفال في خليط هذياني كخصيصة نفسية واجتماعية ذاتية وعامة.
ب ـ هذيان هيئات المقام الذهالي
تلك هذيانات تأخذ مبررها من ذهالية هيأة الاسقاط الذاتي الشكلي والسلوكي للبطل السيد معروف.. لنتفحص الآتي : ابن الرومي … متشائم يخاف من الدنيا والناس . هذا هو الإتهام القديم الذي كان المرحوم موفق ـ تصوروا المرحوم الآن ـ يوجهه له , افتح عينيك يا سيد معروف , افتح عينيك . لماذا تعلقها على الغروب الهارب , ولا تلقي نظرة على الارض التي تسير عليها , على مواقع قدميك؟ اسمع , سيد موفق: لكم دينكم ولي ديني .. من يك ذا بت فهذا بتي , مقيظ , مصيف , مشتي . تتمثل بـ
1ـ الرؤى المقامية
يصاغ من الوهم ثلاث رؤى تؤشر الى ثلاثة احداث تؤكد ثلاثة مقامات للهيأة ثورة الجزعالواحدة.
الرؤية الاولى / عزلةالعماء.
الرؤية الثانية / نقص الوعي بالمحيط /
الرؤية الثالثة / استحضار المثل اللفطي عديم
2 ـ رؤى حيوية الذهال
ما ان يمر الحدث السردي بحالة التوقف ـ للإنتشاء بالوصف مثلا ـ حتى يدرك المتابع أن شيئا جديدا سيضاف الى حركة الاحداث ليعطيها حيوية جديدة عبرعدة استثمارات سردية , منها :
ـ حركة الحدث التسبيبي
ـ تغريب وجدي ـ تنوير بدئي
ـ تقييس زمني , يرفد حالات سردية دلالية خاصة بقياس فطري حركة الشمس للزمن .
خامسا : هذيان استعارات الغروب
وردت لفظة واستعارة الغروب 72 مرة بعدة مستويات من الدلالة , تجتمع مع بعضها في تضافر اشاري يؤكد الطبيعة التركيبية الدورانية للاضطراب النفسي الذي خلقه خلقا فنيا يكاد يبز بإقناعه حقائق علم النفس غير المؤكدة في صدقها للغروب كونه انغمارا , بل نراه الفلسفة الفنية النفسية للرواية !
2 ـ اتجاه الاسطرة الشعبية
تؤشر التعريفات والشروحات الموجزة ادناه الى عدة افكار لاروائية سنحاول استثمارها في البحث عن وشائج روائية بين الاسطورة وعلم الانسان الثقافي والحكاية الشعبية . لنستأنس بالمعلومات ادناه : ” تتركز دراسة الانثربولوجيا على المُجتمعات البدائية. ومُنذ الحرب العالمية الثانية أخذت تدرس المجتمعات الريفية والحضرية في الدول النامية والمُتقدمِة. فتدرس البناء الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية والنظم الاجتماعية مثل العائلة ، والفخذ ، والعشيرة ، والقرابة ، والزواج ، والطبقات والطوائف الاجتماعية ، والنظم الاقتصادية ، كالإنتاج ، والتوزيع ، والإستهلاك ، والمقايضة ، والنقود ، والنظم السياسية ، كالقوانين ، والعقوبات ، والسلطة والحكومة ، والنظم العقائدية ، كالسحر والدين . كما تدرس النسق الإيكولوجي… بحسب ” النظرية الوظيفية ” للعلامة “راد كليف براون “، وأساسها إن النظمَ الاجتماعية في مجتمع ما ، هي نسيجٌ متشابك العناصر – يُؤثر كل عنصر في العناصر ألاخُرى ، وتعمل تلكَ العناصر على خلق وحدة اجتماعية تسمح للمجتمع بالاستمرار والبقاء , ومن فروع علم الانسان الرئيسة الأنثروبولوجيا الحضارية أوالثقافية وتدرس مُخترعات الشعوب البدائية، وأدواتها ، وأجهزتها ، وأسلحتها ، وطرُز المساكن ، وأنواع ألالبسة ، ووسائل الزينة ، والفنون ، وألآداب ، والقصص ، والخرافات ، أي كافة إنتاج الشعب البدائي المادي والروحي . كما تركز على الإتصال الحضاري بين الشعب ومن يتصل بهِ من الشعوب . وما يقتبس منهم ، والتطور الحضاري ، والتغير الإجتماعي. بحث الأنثروبولوجيون في فنون الحياة الملائمة التي يتعلمها الناس ويشاركون فيها باعتبارهم أعضاء في مجموعات اجتماعية ، كما أنهم يقومون بفحص الخصائص التي يشترك فيها البشر باعتبارهم أعضاء من نوع واحد في الطرق والعادات المنوعة التي يعيشون بها في البيئات المختلفة. إنهم يحللون أيضًا منتجات الجماعات الاجتماعية الأشياء المادية والمبتكرات الأقل مادية مثل القيم والاعتقادات . الموقع العربي : ادب وثقافة ,تاريخ الزيارة 2/6/2017 اما الميثولوجيا علم الاساطير : فهو أيضا فرع من العلوم التي تتناول جمع ودراسة وتفسير الأساطير. الأسطورة حكاية ذات أحداث عجيبة خارقة للعادة أو عن وقائع تاريخية قامت الذاكرة الجماعية بتغييرها وتحويلها وتزيينها. يقول كل من لابيير وفارنزورث ” الأسطورة عبارة عن شائعة أصبحت جزءاً من تراث الشعب الشفهي .. المنهج اليوهيمري الذي يُعّدُّ من أقدم تلك المناهج ، ويرى في الأسطورة قصة لأمجاد أبطال وفضلاء غابرين . المنهج الطبيعي الذي يعتبر أبطال الأساطير ظواهر طبيعية ، ثم تشخيصها في أسطورة ، اعتبرت بعد ذلك قصة لشخصيات مقدسة ” الاسطورة , الويكيبيديا , تاريخ الزيـــــــارة 2/6/ 2017 وهناك الحكاية الشعبية التي يميزها هاجسها الاجتماعي بشكل رئيسي عن الحكاية الخرافية والحكاية البطولية ، فموضوعاتها تكاد تقتصر على مسائل العلاقات الاجتماعية والأسرية منها خاصة ، مثل زوجة الأب وحقدها ، وغيرة الاخوات في الأُسرة من البنت الصغرى التي تكاد تكون في العادة الأجمل والأحب…الخ . الحكاية الشعبية واقعية إلى أبعد حد وتخلو من التأملات الفلسفية والميتافيزيقية ، مركزة على أدق تفاصيل هموم الحياة اليومية ، وهي على الرغم من استخدامها لعناصر التشويق ، إلا أنها لا تقصد إلى إبهار السامع بالأجواء الغريبة ، أو الأعمال المستحيلة ، ويبقى أبطالها أقرب إلى الناس العاديين الذين نصادفهم في سعينا اليومي ، وأن البطل فيها يلجأ إلى الحيلة والفطنة والشطارة للخروج من المأزق. إن استخدام العناصر الخيالية – في بعض الأحيان – يهدف إلى التشويق والإثارة . أما بنيتها فتمتاز بالبساطة ، فهي تسير في اتجاه خطي واحد وتحافظ على تسلسل منطقي ، ينساب في زمان ومكان حقيقي ، ولها رسالة تعليمية ، تهذيبية ، تتضمن رموزًا تتطلب التفسير ، ومن المؤكد أن هذه الأساطير قد ألفت في مرحلة فكرية أكثر نضجًا ورقيًا . الحكاية الشعبية , الويكيبيديا في 1/6/2017 عند فحص المقولات المتقدمة التعريفات والشروحات الموجزة يمكن أن نجد بينها خمسة مشتركات معرفية أو أكثر , عبر التطبيقات العملية والاستعمالية والدراسية لتلك الحقول الثلاثة الأُسطورة , الانثربولوجيا الحضارية , الحكاية الشعبية , من بينها :
1 ـ انها من صلب حقل معرفي واحد هو علم الأنسان وحضارته وما يترتب عليها من نشاط فكري وجسدي ونفسي .
2 ـ أن الحقول المعرفية الثلاثة تهتم بالمميز والبطولي من الاحداث والشخوص الابطال .
3 ـ ان التعبير الطقوسي بالممارسة الاجتماعية يكاد يغطي معظم مجالات النشاط الانساني المسبب والمحفز والمنتج لها .
4 ـ الاحداث الاكثر حيوية لتلك الحقول هي التي نقلت الفرد اولا ثم المجموعات ثانيا من مرحلة تاريخية نحو أخرى زمنا وحضارة. 5 ـ اللغة التي تتمثل بها رموزها وتعابيرها المادية تنحت من الواقع العملي المادي ثم تنحو جهة , الاسطرة , والخرق الحدثي . الارث المثيولوجي يعدُّ اليوم عملا يتناسل عن الاصلاب الجسدية والسلوكية والنفسية والفكرية للمواطن المتوطن عبر مراحل التشكل الحضاري كلها في مكانه هذا الذي بنى فيه وعليه وبواسطته اساطيره وحكاياه وقيمه الروائية الجديدة .
نموذجمثيو ـ لامات اليشن والتناسل الحكائي للتناسل الحكائي في رواية اليشنييون لجمعة اللامي ثلاثة انماط هي :
اولا : التوالد الاساسي
الحق تلك هي من أعقد المشاكل او المشاغل الروائية في مدونة اليشنيين , فقد احتوت المدونة الروائية على 259 حكاية قصة قصيرة , منها 50 خمسون قصة , او حكاية , رئيسة والمتبقي حكايات فرعية . اي بمعدل أقل من 6 قصص لكل حكاية رئيسة. هذا التوزع والتشتت يربك المتابعة بشكل كبير لكن طبيعة الحكايات , القصص , الجزئيات الروائية المسلية ذات اللغة الأنيقة يتغلب على صعوبة القراءة . كأن جمعة اللامي يتقيد بمقولة محمد خضير الشهيرة : القصص الجزئية للرواية تنصرف الى فروع , منها مستقلة , ومنها مكملة , ومنها متفرغة الى تشجير قولي. يبدو أن اللامي مؤمن بمقولة محمد خضير المشهورة التي فحواها : ما يكتب بجهد يجب أن يقرأ بجهد !.
لمتابعة القصص المتنوعة الاسلوب سنلجأ الى التمثيل من على صفحة 40 إذ يرد العنوان مقاصة عفران واختاها والطبري … نأخذ من المقاصة الاسطر المنتقاة الآتية / …… فهذه نكتة في القول والكتابة أملاها عليَّ , في سنة من برزخ نومي , … الشيخ الطبري … قال السشخ الجليل :
أصبحت الدسكرة على صوت منادي محتسب شيخ بازار التجار يسقط على آذان الناس مثل الرصاص:
“يا أهالي عفران لقد جاءت الآلهة برحمائها علينا ومنحتنا بركة منها وتسمّى أحد أبنائنا راويا: لقد توصلنا الى معرفة كلمة .. جدل …”
رجعتُ الى تصفح مجلدات ” أخبار الامم والملوك ” بعد يقظتي فلم أجد من أخبار محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري … ما يسر الخاطر في شأن دسكرة عفران … اقول : لم أجد ذكراً او خبراً لهذه الدسكرة …
وأنا الآن أتوجه الى العقل … الذي توجه اليه ” التوحيدي ” …
وهكذا قادني عقلي , وانا اديم النظر في اعادة رسم الكائنات التي ذكر أنها كانت موجودة على الارض قبل خلق الانسان , أن عفران ربما كانت موطنا لهذه المخلوقات العجائبية… ليقودني هذا بعد ذلك الى اكتشاف اختيها نفران وزفران…
المختصون المتابعون … لعلهم عرفوا الآونة ان عفران ونفران وزفران , هي ثلاث قرى مخترعة على الورق فقط . .
في النص المطوّل اعلاه عدة قصص حكايات .. انها اربع :
1 ـ الحكاية الأصل
2 ـ الحكاية المتناسلة المستقلة
3 ـ الحكاية المتناسلة المكملة
4 ـ القصص المتفرعة الى تشجيرات قولية سردية.
ثانيا : الاستعارة المتناسلة
أ ـ الاستعارات السردية
الاستعارة إشتغال بلاغي له اصوله اللغوية والاستعمالية عند جميع لغات العالم .. وأرى بأنه يمكن التصرف قليلا بوظيفته لتتكون له وظيفة عملية مكملة لوظيفته الاولية المعروفة.. أي ان يتم تحوير الاطار العام للإستعمال البلاغي وإعتباره مجالاً للاستثمار السردي .. ثم العبور به نحو اشتقاق سردي أسميه الإستعارة السردية والتي يمكنني تتبع ملامحها بالآتي:
أحبتْ شابة لامية اسمها : فليفلة , شابا آخر من غير أبناء قبيلتها اسمه : السروط , حتى دنفت به , وجُنّ هو بها , ثم أنهما اتفقا على الزواج , وأشهدا على ذلك نهر دجلة … وقالت فليفلة : “… الموت مصيري ان لم أكن حليلتكِ على شرع الله ومحبة أهل بيته ” واختنقت بعبرتها ثم قالت للسروط : “حتى لو حفر دجلة قبري في اعماقه ” .. ومدت يدها اليمنى الى حزامه وسحبت خنجره من عند وسطه , وجزت خصلة من شعرها وقالت … : ” هذه شهادتي . خلها معك…”… وهكذا صنع بنو لام , من بين أساطيرهم الأخرى , إسطورة جديدة خاصة بهم ….
كان جمعة اللامي يهذي طوال ست ليالي …. وكنتُ استمع إليه مأخوذا بإسلوبه في إنشاد حكاية فليفلة والسروط … واعترف … أن هذه اللغة التي أكتب بها الآن ليست لغة اللامي…إنه اسلوبي . والرجل اسلوبه ,كما أخبرني اللامي ذات يوم .
ولكل مجتهد نصيب .
سِلْمُ بن يوسف……
المقتطعات اعلاه هي مختارات منتقيات من حكاية طويلة متعددة القصص … نود تسليط الضوء على المجال التطبيقي لها . إنها :
1 ـ مشاهد حكائية متنوعة الاساليب تعطي مضمرات لعدد كبير من التأويلات , ندرج ثلاثة منها .. هي :
ـ ان الحكايات تبشر بالطبيعة والسجية المطبوعة على الحب النظيف والتضحية في سبيل حفظ المروءة الانسانية للأنثى والذكر .
ـ تعتد الحكايات بالقول كأنه حياة حقيقية وليس فنا فقط .
ـ أن لبني لام أساطير تخص البطولة والخُلُق المستقيم والتضحية من أجل المبدأ , وأنها ليست اساطير بقدر كونها مصائر مستمرة العطاء والانتخاء .
2 ـ الحكاية في أصلها متناسلة عن حكاية سابقة فهي , حكاية مكملة اولا , لكنها تتناسل أيضا الى حكايات عدة منها :
ـ الاساطير اللامية المخمنة التي سبقت اسطرة حكاية فليفلة والسروط .
ـ حكاية فليفلة والسروط المكملة للأصل .
ـ حكاية مرض اللامي التي تتعارض مع مبدأ الحكي الحكيم كون اللامي كان يهذي . ـ حكاية السارد المنشطر عن اللامي الذي يعترف بالفرق بينه وبين اللامي في الاسلوب واللغة. ـ حكاية سلم بن يوسف الموجه للخطاب كونه صديق اللامي الذي يدون له قصصه .. وهي إشارة الى القصص الأخرى للرواية التي قيلت وستقال , منها ما يسند الحكي بالتأريخ ومنها مايفند الحكي بالحوادث , ومنها ما يصطنع الفن الروائي بالانشاء والوثيقة.
3 ـ في القصة الأصلية حفريات شخصية فليفلة والسروط , قصة حب ميسانية راوي أساسي مضلل هو سلم بن يوسف , يتفرع منه راوي إمرأة هي العابدة ام المشوفة , يتفرع عنهما والدة اللامي , ثم الطبيب اليهودي الحاج داوود كباية , ثم الوجيه الحاج عباس المحمداوي , ثم الزاير علي بن مريود السوداني , ثم راوي غير مسمى واحد من أقنعة اللامي , ثم يعود الروي أخيرا الى اللامي كونه سادن تأريخ اليشن الميساني . مبرر هذا الاشتغال هو : أن كل راو يطرح قضية ما ترتبط بالحكاية الاصل وتغيّر في مضمونها , وهكذا تصبح الحكاية متسعا لروايات عدة بسبب هذا التعدد , للرواة وفروعهم.
4 ـ جميع الرواة هم شخوص مشتركون في السرد وتفعيل الحدث , وهذه سمة خاصة باللامي, في هذه الرواية تحديدا , من بين الكثرة الكاثرة من الروائيين عراقيا واقليميا وعالميا , لأن الرواة الابطال لهم فعل روائي سلبي إن لم تتقن فنية السرد بإتخاذ الطريق غير المباشر في صنع الحدث والهدف . وبالطبع هناك شخوص ليسوا رواة !
5 ـ المفتتحات والخواتيم والهوامش هي مكملات شبه مستقلة لها فعل سردي يتخذ الاسم رمزا استعاريا كما هو حال .
























