حميد المختار شاعراً

حميد المختار شاعراً

وقع آخر لينابيع الليل

يوسف عبود جويعد

تضعنا المجموعة الشعرية (ينابيع الليل) للشاعر حميد المختار ، أمام حقيقة ، يجب ان ندركها ، ونضعها ضمن مفهومنا ،وادواتنا التحليلية النقدية، وهي ان الاديب عندما يخوض غمار تجربة الكتابة الابداعية ، وينتقل من جنس الى آخر ، ثم يمضي الزمن وتسير السنين ، لينجز اصدارات في الرواية ، والقصة، ثم يخوض تجربة الكتابة الادبية في الصحافة ، فأنه يمتلك ناصية الابداع الادبية ويحصل على خزين ثر ومهم ، وتجارب متنوعة تعمق عنده ملكة الكتابة ، تمنحه قدرة في تطويع اللغة ليجعلها وفق ما يريد ومايشاء ، فلايمكن ان يعوقه اي عائق، او يحول بينه وبين الاسترسال المطلق عنده اي حائل بحكم الخبرة المكتسبة ، فيكون عنده كل شيء طيعا مرنا ويستطيع توظيفه بشكل متقن ، وفق السياق الفني المطلوب الذي يتطلبه النص المتناول، و المخيلة تكون اكثر خصوبة ، واكبر فضاء، واوسع مساحة ، ومن هنا نكتشف ،أنه اذا اراد ان يكتب الشعر فأن نصوصه تكون طيعة مرنة ، وسوف تظهر نصوصه الشعرية ناضجة ، عميقة ، مؤثرة، واضحة ، تتنتقل في كل الازمنة ، وكل الاماكن ، وهي تستمد قوتها وتماسكها وشعريتها وشاعريتها من عالم الشعر ، فتخرج هذا المكنون الفكري لتكون قصائد لها وقع آخر ، وقع غريب إذ أنه سيضمنها تلك الرحلة اللذيذة والمؤلمة في الوقت ذاته، تبدو لنا بنية العنونة التي هي العتبة الاولى ،التي تمهد الدرب لرحلة شعرية حافلة بالحس المرهف الشفاف ، كون ينابيع الليل تمنح للمتلقي حالة تأملية مفتوحة يستشف من خلالها ، أن هذا الليل الذي يعنيه الشاعر ، هو ليله وحده ، وان تلك الينابيع هي ما تكمن في دواخله من تداعيات وهواجس ومشاعر جياشة ، تظهر من قاع الذات وكأنها ينابيع ،أراد لها الشاعر ان تتدفق بكل حرية ودون قيود، كما أننا سوف نكتشف ونحن نرحل مع تلك الينابيع المتدفقة التي استلها من مسيرة حياته ، ورحلته العميقة بكل جوانبها ، كما نرى معالم مايصبو اليه ، فهو دائم البحث عن المرأة التي افتقدها ، والتي يبحث عنها وفق مواصفاته التي رسمت ملامحها مخيلته الشعرية الخصبة ، وكذلك يريد لهذا القلب المتحجر أن يتحرك ، ينبض، ينتعش ،وليس هنالك سبيل الا تلك المرأة ، التي تربعت بين ثنايا النصوص يناجيها ، ويستحثها ، ويطلبها ، ان تأتي ،بعد ان نفذ الصبر، وطفح الكيل ،وأنه رغم أنه يعيش وسط هذه الفوضى وبين الناس ، الا أنه يجد نفسه وحيداً يسير في عمق ليل اظلم حالك السواد ، وأن كل ما حوله ، لايعني حياته ، بل انه محض حلم مرعب يريد ان يستيقظ منه ، فلم يملك الحيلة او القدرة ، فيضطر ان يسحبنا معه الى تلك الينابيع المتدفقة من اعماق الذات ،يؤججها ، يشعلها ، يضرم نيرانها ، لتظهر نصوص شعرية مفعمة بالاحاسيس التي تخرج من روح اعيتها هذه الحياة ، فبعد ان نجتاز العنوان ، نجد انفسنا امام مقولتين مهمتين ،تكون جزء مكمل لتلك الرحلة الشعرية ، واضاءة واضحة لمحتوى تلك النصوص الشعرية ، التي تنير لنا درب تلك الرحلة بضوء وهاج (ما الإنسان دون حريته يا مارينا ، قولي لي كيف استطيع أن أحبك إذا لم اكن حراً؟ لوركا)(ضيعنا الزمن في البحث عن معشوق كامل بدلاً أن نخلق حباً بالغ الكمال توم روينز) ، ثم نتقدم خطوة لنسبر اغوار قصيدة (أنا ولد سيئ) ، والتي تمنحنا بطاقة الدخول نحو هذا العالم

أنا ولد سيئ

لي قبلتان

واحدة لله

والثانية للشفاه

وهكذا تظهر لنا ملامح المحتوى المضمور داخل النصوص الشعرية ، فقد رسم لنا من خلال تلك القصيدة ملامح الشخصية التي سوف ترافقنا ، فله قبلتان لله وللشفاه ، للدين ، وللحب ، وللمرأة التي يريدها

اما قصيدة (ظلمة ) فأنها تضعنا امام ثقل حياته التي يعيشها ، مدى ظلمتها وقسوتها ، ووحشتها

لا تقل

كم هي مظلمة

هذه الغرفة

أنت لم تفتح

نافذة حتى

فهو يحتاج الى فتح نافذة نحو الحياة ، نحو الضياء، نحو الحب ، نحو الحلم ، نحو الحبيبة ، وتأتي قصيدةو (أوهام) حالة احباط كبيرة ،فهي تنقلنا الى حالة الانكسار النفسي الثقيل .

عشق وهم

العشق وهم

والحبيبة

سرب طيور

تغرق في ضوء المغيب

الغرقى أمثالي

يلوحون للسراب

معتقدين أنه اشرعة

وبالرغم من أنه تواق للعشق ، والى الحياة الوردية الساحرة الخلابة ، الا انه يجد كل ذلك محض اوهام ،لما يعانيه ويعيشه ويحسه ،هواجس تحيل كل شيء الى سراب ، ومن هنا نعرف ان الشاعر يعيش بين حياتين مختلفتين ، بين الواقع المزري المتردي ، والحياة التي وضعها مضمرة بين ثنايا النصوص ،فالاحساس بالاحباط ، والانكسار النفسي ، يغلق عليه السبيل للوصول الى ما يتمنى ويريد ،ثم تأتي الحياة التي وضعها في مواجهة هذا الكم من الاحباط والاسى والفقدان ، لتكون المتنفس الذي من خلاله يستنشق عبير الحياة ،وتأتي قصيدة (الذكريات) التي تمنحنا فرصة اكبر لمعرفة هذه الذات الحزينة ،حيث تتدفق الذكريات ، لكنها ذكريات حزينة

الذكريات الحزينة

قادمة

يا إلهي أين اضعها

وجيوبي مثقبة ؟

السكاكين تحت

وسادتي

ونقودي

في جيوب اللصوص

وحدي

أسوق

جحافل القلق

عابراً

تخومها خطرة

ثم ننتقل الى البحر والسفن ، التي هي انعكاس ودلالة رمزية ، لما يكمن في الذات ، ومن الجدير بالذكر هناك ، بالرغم من امتلاك النصوص الشعرية انزياحية عالية ، واستعارات وصورة متنوعة ، الا أن الشاعر ، استخدم مفردات شعرية سهلة وغير معقدة وواضحة ، تشبه الى حد بعيد السهل الممتنع ، هذا ما نكتشفه ونحن نرحل مع قصيدة (سفن ) ، بل أن جميع النصوص الشعرية التي ضمتها هذه المجموعة نحت هذا المنحى .

السفينة راسية

في رأسي والقبعة

تطير في الغيوم

البحر ساكن

والنورسة التعبى

تنام على امواجه

وتاتي قصيدة ( إلى خضير ميري) ايفاء وحباً ، واستذكاراً لهذا الاديب الذي رحل عن عالمنا ، وهو احد الاصدقاء المقربين للشاعر حميد المختار ، وحياة الاديب خضير ميري ، التي عاشها قبل رحيله الى الملكوت الاعلى ، اغرب واعجب وابهر حياة يمكن ان يعيشها انسان ، ومن بينها انه تمثل الجنون ودخل مستشفى الامراض العقلية ( مستشفى المجانين) هرباً من جبروت وطغيان الحكم المباد ، وظل سنتين يدعي الجنون وهو في كامل وعيه ، وكانت اصعب فترة عاشها في حياته ، وهناك الكثير من الصفات المختلفة في هذا الاديب لا تسع الدراسة لذكرها

البلاد الذبيحة

تركها محترقة

بين أنياب وحوش

يهيئون الموائد

ويرفعون الانخاب

لأجل فراديسهم القادمة

وقد منحها الشاعر مساحة اكبر ، وضمنها احاسيس ومشاعر ، تعبر عن مدى شوقه وحبه لهذا الاديب الصديق وحزنه لفقدانه ، اما قصيدة (ينابيع الليل) التي حملت المجموعة عنوانها ،فأنها تنقلنا ، الى حيث الليل ومايحدث للشاعر ،عندما يعيش السكون والوحدة والوحشة

دائماً أعبر

ينابيع الليل

سابحاً لججه

العميقة

دائماً لأغرق فيه

بحثاً عن ضوئك

***

أنا

الشبح

الوحيد

على هذه الارض

***

كصنبور مزكوم

انزف

امامك

المي

ثم يظهر لنا هذا الصوت اسى الممتلئ ، وشوق لرؤية المحبوبة ، رؤية المرأة التي يريدها ان تأتي من اجل انعاش هذا القلب ، نجد ذلك في قصيدة (تأملات)

أراقب وجوه النساء

علني أراها

ونسيت إنها

مختبئة

في حقائبي

الطريق الى الوطن

يعني

العودة اليك

ويظل الشاعر يطوف بنا من خلال تلك النصوص الشعرية ، التي انعكست فيها تجربته الطويلة في مجال الكتابة الادبية المتنوعة ، وخبرته في مجال صناعة القصيدة الناضجة ، وهي غزيرة وتتنـاول ثيماً وافكاراً ومواضيع ، تعبر عن واقع الحياة التي نعيشها ، والتي يغلب عليها الحزن والالم والظلمة ، والتي سوف نكتشف قوة هذه التداعيات في ثنايا النصوص الشعرية ، ونرى ملامح الشاعر الذي يبحث عن ضالته المنشودة في الحياة والمرأة التي يريدها ان تحرقه حباً وشوقاً ، بعد ان احس ان القلب تواق لذلك .

(ينابيع الليل) مجموعة شعرية ، كتبت بعد ان ضمنت تجربة طويلة من الكتابة ، فأضحت لوحة شعرية تنساب الى روح المتلقي ، وتسحبه عنوة لتهيمن على هواجسه وحواسه ، الى واحة غناء زاخرة بالخيال الخصب .