
صباح إيليا القس: الديانة موجودة في مكة
الشعراء المسيحيون في العصر الجاهلي عرب
حمدي العطار
رؤيتنا عن العصر الجاهلي تفتقر الى المعلومات الدقيقة، فوجود 360 صنماً في الكعبة يعني تمثيل لهذا العدد من القبائل في ذلك العصر الوثني! ويضعنا طه حسين (في العصر الجاهلي) والكتاب الذي بين ايدينا (شعر شعراء المسيحية في العصر الجاهلي) في معطيات تثير الاهتمام التأمل ويجعلنا نتساءل هل من المعقول في ما يسمى بالعصر الجاهلي يتقبل الاخر ويؤمن بالتعددية بينما في عصر ما بعد الحداثة يجعل البعض يذبح الآخر من اجل المعتقدات الدينية ! هذا ما دفعني انكب عى قراءة رسالة الدكتواره للباحث “صباح إيليا القس” شعر شعراء المسيحية في العصر الجاهلي” وعلى الرغم من اختلافنا مع بعض التفاصيل في هذه الدراسة وكذلك الثناء للباحث وهو يختلف مع الدراسات السابقة التي تمجد الدين المسيحي بأعتباره دين التسامح فقط وفي مخيلتنا ما فعلت محاكم التفتيش وهي تسيطر برجال الدين على السلطة والنفوذ والمال ! لكننا ما يجذبنا في المؤلف المعلومات الجديدة التي تطرح كيفية دخول المسيحية الى البلاد العربية والحجاز بالذات،ومدى تأثر الشعراء مثل (أمرؤ القيس وطرفة بن العبد) وغيرهم بالدين المسيحي على الرغم من رؤيتنا بأن شعراء المعلقات جميعهم كانوا وثنيين! هذا المؤلف يستحق الدراسة والتحليل والجدل وهو مثير فعلا!
صدرت الطبعة الثانية سنة 2017 من دار تموز للنشر والتوزيع-دمشق كتاب (شعر شعراء المسيحية في العصر الجاهلي) للمؤلف (صباح إيليا القس) ويقع الكتاب في 307 صفحات من الحجم الكبير وهي رسالة دكتوراه كتب على الغلاف الداخلي (أحمد شاكر غضيب) قائلا:-“اطروحتك أمتياز متقدم في البحوث واضافة أصيلة للمكتبه العربية”
دخول المسيحية الى البلاد العربية
ضم الكتاب 6 فصول تناول الفصل الاول (المسيحية وشعراؤها في العصر الجاهلي) ويرى المؤلف ان لفظة النصارى والمقصود بها المسيحيين لها عدة تفاسير واهمها بأنه جاءت من مدينة (الناصرة) وهي احدى مدن منطقة الخليل ،وبذلك اول جماعات آمنو بالمسيح هم يهود الناصرة،كما يذهب الكاتب الى أن “تسمية نصارى بدعة يهودية لا أساس لها من الصحة ” كما بدأت المسيحية تدخل الى بلاد العرب حين فضلها بعض القبائل على ما عندهم من أصنام ،ويعد (تنوخ بن مالك) اول ملوك العرب من دخلوا دين النصرانية وسيطروا على بلاد الشام ،ثم تنصرت ((غسان فيسطرات على الشام وأعالي العراق والحجاز)) وفي العراق انتشرت المسيحية في مملكة الحيرة الخاضعة لسيطرة الفرس،وفي نجران اليمن وأرتباطاتها بالأحباش.
أنتشار المسيحية في الحجاز
الديانة في العصر الجاهلي كانت لا تستند على العقيدة بل على المصالح الاقتصادية،ول تصلح مقولة (الشعوب على دين ملوكها) تصلح كأساس لأعتناق الديانة في العصر الجاهلي،فترى العكس كان مثلا الحاكم او أصحاب المال والنفوذ والاراضي يعتنقون ديانة العاملين معهم لغرض كسب رضاهم!
يحدد الباحث ثلاث طرائق لأنتشار المسيحية في الحجاز (1- الهجرة والتبشير2-التجارة3- العبيد) ويرى المؤلف بأن على الرغم من قساوة الظروف التي يعيشونها لكن وجدنا قوما من المكيين قد دخلوا المسيحية وليكن ورقة بن نوفل أبن عم خديجة بنت خويلد أنموذجا ،اما في يثرب فكانت هناك ثلاث كنائس فضلا عن وجود صور عيسى ابن مريم وامه على جدران الكعبة،وليس أدل على وجود المسيحية في يثرب من قول حسان بن ثابت:- فرحت نصارى يثرب ويهودها
لما توارى في الضريح الملحد
كما وصف عنترة الطواف قائلا:- تمشي النعام به خلاء حوله
مشي النصارى حول بيت الهيكل
ويصل الكاتب الى الاستنتاجات التالية:-
- ان المسيحيين (والحديث عن عرب الجزيرة) عرب لا يمكن أن ينفصلوا عن العروبة
- الإستعداد الفكري لدى العربي الجاهلي ليميز الوثنية والمسيحية وهذا ليس بالأمر السهل
ج- العقلية العربية التي استساغت المسيحية فأعتنقها تاركة الوثنية، تبرهن على حرية الفكر في العقلية العربية
د- يضيف العربي بأعتناقه المسيحية قبل الأسلام الى الحضارة العربية لونا آخر من ألوان التمدن والرقي والتطور.
*لويس شيخو ورؤيته لشعراء الجاهلية المسيحيون
الاشكالية في جعل بعض الشعراء الوثنيون بالعصر الجاهلي يرجعهم البعض كونهم شعراء مسيحيون،وتتعقد الامور اكثر حينما يستنكر المؤرخون الاسلاميون هذا التوصيف وكأنهم يرغبون ان يكونوا شعراء الجاهلية مثل أمرؤ القيس وطرفه بن العبد وثونيون على ان يكون من التوحيديون مؤمنون بالديانة المسيحية، من يطلع على ذلك العصر (الجاهلي) هو انه يمكن ان يكون ذلك الشاعر مسيحيا بينما اهله وقبيلته وثونيون! وهذا ما حدث مثلا مع الشاعر أمرؤ القيس الذي من أجل أن يسترد ملكه الضائع أستنجد بالروم ضد العرب ليساعدوه فلا ريب ان ظهر لهم انه اصبح مسيحيا! وليس كما يفسر (لويس شيخو) مسيحية هؤلاء الشعراء بسبب صلة القرابة،لأن في العصر الجاهلي هناك حرية أختيار العبادة لذلك تعددت الاصنام واسنائها وكذلك وسائل التوسط للعبادة والديانات!
يعترف الباحث بأهمية (لويس شيخو) وكتاباته عن شعراء النصرانية في عصر ما قبل الأسلام،ويذكر أن بعض الهفوات في التعصب الى المسيحية قد ظهرت في كتاباته ،وتوجه له النقد من قبل (مارون عبود) قائلا”وأذا كل ما عرفناهم من شعراء جاهلين قد خرجوا من تحت سن قلمه نصارى، كان التعميد بالماء فإذا به قد صار بالحبر” ويعترض الباحث غلى كتاب شيخو عن شعراء النصرانية وسبب تنصير كل الشعراء الذين ضمهم كتابه، فيقول مثلا “أن من قبائل العرب المنتصرة بكر وتغلب ولخم وبهراء وتنوخ وجذام وكلهم من ربيعة… وما يجدر بالأعتبار أن بين هؤلاء الشعراء قرابة يستدل بها على وحدة دينهم فإن كليبا والمهلهل كانا خالي أمريء القيس بن حجر الكندي وأمه فاطمة أختهما،وكان المرقش الأكبر عوف بن سعد عم المرقش الأصغر عمرو بن حرملة وكان هذا عم طرفة بن العبد وكانت أم طرفة وردة هي أخت المتلمس جرير بن عبد المسيح” ويذكر شيخو بينات أخرى على نصرانية الشعراء الذين ذكرهم! ويرى المؤلف ((بعد مضي أكثر من قرن على تأليف كتاب شعراء النصرانية قبل الإسلام أن يعهد الأمر الى أحد الباحثين المقتدرين لإعادة تحقيقه كأطروحة دكتواره))
شعراء المسيحية وفرضية البحث
لو تصفحنا الكتاب للتعرف على فرضية البحث فهل نتوصل الى هذه الفرضية (أن الدين المسيحي الذي يعتقد الباحث بأن بعض شعراء الجاهلية ينتسبون اليه) قد أثر على حكمة ووصف وقوة أشعارهم! لا أظن أن هذه الفرضية فيها من المنطق الشيء الكثير!لأن الدين ليس دائما أختيار بل هو (فرض واقع) عائلي بيئي!وقد تدفعنا الفرضية الى التساؤل عن سبب أختلاف الشعراء على رغم من تطابق دياناتهم؟
يذكر في هذا المبحث مجموعة من شعراء المسيحية في الجاهلية وهم
*(عدي بن زيد العبادي) وهو كان قرويا من اهل الحيرة فصيحا يحسن العربية والفارسية،يمكن ايجاز حياة عدي بأربع محطات:-
- العشق واللهوة الخمر 2-مجالسة الملوك والسجن3- الإنتقال من الذات الى المناجاة4-الإفادة من ثقافته الدينية والتأريخية في صياغات العبر والتجارب والحكمة.(هنا أشارة الى تأثير الثقافة الدينية على طبيعة شعر عدي) وهو الذي لا نتفق عليه مع الباحث
*(المتلمس)هو ((جرير بن عبد المسيح الضبعي)) ويكفي أسمه دلالة على مسيحيته بالولادة،وعرف عنه بأنه اول من حث على البخل مشيرا الى قوله :-
لحفظ المال أيسر من بغاه / وسير في البلاد بغير زاد
*(ورقة بن نوفل) هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو أبن عم خديجة ،كان منصرفا
للتعبد اكثر مما ينصرف الى الشعر،وله في شعر الحكمة والرثاء
*الفنون الشعرية المؤتلفة
أولا:- الغزل – اشتهر الشعر في العصر الجاهلي بالغزل حتى أن أكثر الشعراء في قصائدهم يستخدمون التشبيه بجمال المرأة وصفاتها الانثوية،وما اكثر افتتاحيات القصائد الا ابيات من الغزل،وما الوصال والاشتياق والحرمان والظفر بالمرأة ألا وتراها في اكثر القصائد،وكان شاعر مثل عنتر في قصائده يشبه ثغر عبلة ببياض السيف، ولو لا عبلة لما فكر عنتر بالتخلص من العبودية وهو اقدم محاولة ثورية لعبد على سيده وما بالكم أذا كان سيده أبوه (شداد) ! ويعد شاعر الجاهلية الحب حاجة أنسانية وليس رغبة جنسية!
ذكر الباحث في باب الغزل شاعران مسيحيان الاول (عدي بن زيد) ويعزو شعر الغزل عنده الى (المناخ الملائم للتغزل)- الحيرة- ومجالس اللهو،والشراب ،والطبيعة التي تزهو بالخضرة والمياه) ويستنتج الباحث من خلال بعض الابيات من اشعاره بأنه (لم يلتزم حبيبة واحدة) بدليل أنه أكثر من ذكر اسماء الحبيبات،”فهو يلعب ولا يخون، لأنه مسيحي” هذه العبارة غير دقيقة وهي تعني أن غير المسيحي هو الذي يخون! كان يمكن للباحث ان يقوم بصياغة العبارة بالشكل التالي (هو يخون ولكنه لا يستطيع أن يتزوج أكثر من أمرأة لأنه مسيحي”!
الشاعر المسيحي الثاني في الغزل هو (المتلمس ) ويستشهد الباحث بهذه الابيات:-
إن الحبيبة حبها لم ينفذ
واليأس يسلي لو سلوت أخادد
وهو يعيب على هذا البيت ويعده (صورة تقريرية) وليس فيه أبداع
فلو أن محموما بخيبر مدنفا
تنشق رياها لأقلع صالبه
وهنا الحمى نفسية وليست مرضية هي تصيب العشاق المتيمين وليس من علاج لهذه الحمى سوى لقاء الحبيبة،فإذا تحقق اللقاء بين الحبيبين ذهبت الحمى وعادت العافية
الفخر يحتل مساحة واسعة من القصائد
يفتخر كثيرا الشعراء بأنفسهم أولا ومن ثم بقيبلتهم،وتحتل الأنساب والشجاعة والكرم من الصفات التي تحتل مساحة كبيرة من قصائد العصر الجاهلي،ولا يخلو الفخر من المبالغة ويرى الباحث بأن المناسبات التي لا يمكن أن تمر من دون قصائد الفخر هي (غلام يولد لأنه أداة للحرب،شاعر ينبغ لأنه لسان الحرب،وفرس ينتج لأنه وسيلة للحرب) من هنا كانت القبائل تعتم بالقوة والنفوذ ولا ترضها الضعف والهوان ولا الليونة،وقد يكون هذا أحد أسباب عدم أنتشار المسيحية بشكل واسع لدى القبائل العربية في العصر الجاهلي فقصة المسيح (حتى لوكان يمثل الرب) وهو يصلب وتدق في يديه المسامير لا تعبر من وجهة نظرهم عن القوة التي يفتخرون بها، يرجع الباحث عنصر الفخر في شعر شعراء المسيحية بالعصر الجاهلي الى “عدي بن زيد” والفخر عنده فيه ليونة بسبب عيشه في حاضرة الحيرة وكذلك تأثير التسامح الديني المسيحي
بيض مطاعيم في الشتاء وإن
أخلف نوء عن ويله ويلوا
لا يتارون في المضيق وإن
نادى المنادى أن أنزلوا نزلو
“الشطر الاول واضح الدلالة على الفخر بالكرم،وكلمة مطاعيم هي صيغة بالغة تدل على كثرة الإطعام، أما الشطر الثاني فإن قومه أذا أنعدم الويل أي المطر أمطروا على الناس بما يعوضهم عن الجدب والقحط”
حفظ الامانة عند العرب من طيب الخصال أذ يقول “ورقة بن نوفل”
وأنا لنعطي المشرفية حقها
فتقطع في إيماننا ونقطع
ويقول أيضا:-
فما نفرت جني ولا فل ميردي
ولا أصبحت طيري من الخوف وقعا
كما يستشهد الباحث بشعر الفخر للشاعر حنظلة الطائي:-
إني امرؤ من الوفاء سجية
وجزاء كل مكارم بذال
ويفتخر (المتلمس) بنسبه الى أمه قائلا:-
وهل لي أم غيرها إن تركتها
أبى الله إلا أن أكون لها أبنا
وفي أخواله يقول:-
وقد كان أخوالي كريما جوارهم
ولكن أصل العود من حيث ينزع
“وقلما نجد شاعرا من شعراء الجاهلية لم تتدفق مشاعره حيال نفسه اولا،وقومه ثانيا.
المدح جعل الشعر بضاعة للمتاجرة
لا نعرف متى تحول الشاعر الجاهلي من الفخر الى المدح! وأذا كان هناك مؤشر على أن قصائد الفخر بالنفس والقبيلة والأنساب شيئا من البالغة فقد يتهم المدح أخلاقيا بالنفاق والتملق! ويسقط في نظر الناس الشاعر وقيمته الرمزية ومصداقيته حينما يكون الممدوح حاكما او سلطانا جائرا كاذبا قاسيا فاسدا بخيلا لا يتناغم مع ما يذكره الشاعر من صفات تعظيمية تقترب من التشبيه الالهي بهذا الحاكم!
والى يومنا هذا يفتخر بعض الشعراء بأنه لم يكتبوا قصيدة مدح (مثلا) الى حاكم ظالم كصدام حسين! ونرى الشعراء الكبار يتجنبون الانزلاق في هذا المنحى ويعدون قصيدة المدح أن وجدت في مسيرتهم الشعرية فهي نقطة سوداء تعبر اما عن ضعفهم تجنبا لبطش الحاكم او لحاجتهم الماسة لأغراءات مادية من الحاكم!
يرى الباحث (صباح إيليا القس) بأن المدح لا يقتصر على الادب والشعر العربي بل (عرفته الأمم الأخرى من غير العرب) وعكس المدح هو الهجاء وقد حدد أبن طباطبا العلوي (المثل الاخلاقية عند العرب وبناء المدح والهجاء عليها)
ويرى الباحث أن أبو تمام هو أول من قسم الشعر على أغراضه ولم يخصص بابا للمدح لكنه جعل المديح ضمن باب الأضياف (وكانت العرب لا تتكسب بالشعر، وكان الغالب على طباعهم الأنفة من السؤال،وقلة التعرض لما في ايدي الناس) ويدحض الباحث هذا الرأي لأنه يتناقض مع الوقائع التاريخية (لما نشأ النابغة ،مدح الملوك .. ولما جاء الأعشى جعل الشعر متجرا يتجر به نحو البلدان) حتى صار الشعر عند الاعشى بضاعة يعرضها الشاعر، ويرتجيها، ويسعى إليها الممدوح وكلما زاد الشاعر في المبالغة والتعظيم كثرت الهبات والعطايا.
اختيار ورقة
يستشهد الباحث ايضا بالشاعر عدي بن زيد العبادي والشاعرالمتلمس وحنظلة وهي العينة التي أختارها الباحث معهم في بعض الاحيان ورقة بن نوفل كشعراء المسيحية في العصر الجاهلي ولم يذهب بعيدا في توسيع العينة ليرى من يراه المؤرخ المسيحي لويس شيخو بأن أمرؤ القيس وطرفه بن العبد ايضا هم من الشعراء المسيحين! يذكر الباحث “أن بعض الذين تشتمل عليهم الدراسة قد أتصلوا بالملوك لسبب أو لأخر، فمن قصيدة يمدح بها عدي بن زيد العبادي كسرى يقول:
فاشتراني وأصطفاني نعمة
مجد الهنئ وأعطاني الثمن
لا يظن أحد أن كلمة اشتراني تعني استعبدني مقابل ثمن،فهي جاءت بمعنى ميزني بدليل الكلمة المعطوفة عليها وهي (اصطفاني) ،فضلا عن الصفات اللاحقة (مجد الهنئ) بمعنى هنأي وأكرمني بالعطية!
كما مدح الشاعر النعمان على الرغم ما بينهما من جفاء فيقول:
ولن أذكر النعمان إلا بصالح /فأن له عندي يديا وأنعما
كما قال في النعمان ايضا :- ولك المال والبلاد وما يمــ
لك من ثابت ومن مستاق
ويرى الباحث بأن عدي يوصف الملك يأن له كل المال،والبلاد، وكل الذي يمكن أن يملك من ساكن،ومتحرك،ويلاحظ أن عديا استثنى الناس من هذا،لأنهم خليقة الله بحسب المعتقد المسيحي الذي كان عليه النعمان وعدي.
شاعر مسيحي أخر استخدم المدح في بعض قصائده هو المتلمس فقد مدح أبا قابوس :-
إني كساني أبو قابوس مرفلة
كأنها سلخ أبكار المخاريط
وكانت الكسوة الملكية جزءا من الكرم لما يميزها من ملبوسات العامة،وهنا اراد المتلمس أن يضفي على هذه الكسوة شيئا جديدا،فجعلها ناعمة كجلد الحيات المعروف بالملاسة والنعومة، وقد يكون قد اضمر في الحيات شيئا سلبيا فأظهر النعومة وأخفى الخطورة الكامنة في سمها!
ويذكر الباحث القصة المثيرة للشاعر المسيحي ” حنظلة الطائي” مع النعمان بن المنذر “حينما زاره يوم بؤسه ولم يكن النعمان يرغب في قتله بعد أن طلب حنظلة أمهاله سنة لكي يرتب اموره فأحتاج الأمر كفيل ،فكفله (قراد بن أجدع) وفي حال أخلف حنظلة الموعد فسيضرب الملك عنقه،ولكن حنظلة وفي لصاحبه،وجاء في اليوم المعين فأعجب النعمان بوفائه فقال حنظلة مفتخرا :-
ما كنت أخلف ظنه بعد الذي
أسدى إلي من الفعال الخالي
ثم قال مادحا قراد بن أجدع
انا إنما يسمو الى المجد والعلا
مخاريق أمثال القراد بن أجدعا
مخاريق أمثال القراد وأهله
فإنهم الاخيار من رهط تبعا
ويرى الباحث أن وفاء حنظلة كان مثالا للوفاء العربي ما دفع النعمان لسؤاله عن سبب هذا الوفاء؟ فقال : ديني ،قال النعمان وما دينك؟قال : النصرانية،قال النعمان :فاعرضها علي، فعرضها عليه،فتنصر النعمان واهل بيته ثم أنتشرت المسيحية في الحيرة.
الرثاء والروح الايماني المسيحي
مما لا شك فيه بأن شعراء الجاهلية كما هي طبيعة العرب يبدعون بالحزن والالم أكثر مما يبدعون بالفرح والسعادة “ويعد الرثاء من أصدق الشعر العربي لما يشتمل عليه من صدق شعوري – قال الباهلي : قيل لاعرابي ما بال المراثي أجود اشعاركم؟ قال:- لأننا نقول واكبادنا تحترق” ويرى الباحث بأن الرثاء في الموتى كالمدح في الأحياء،وتكمن في الرثاء ثلاثة محاور هي :إظهار الأسف والجزع أولا ،والتأبين في الكشف عن المحاسن ثانيا، والعزاء في نظرات الحكمة والتفلسف في الموت والحياة والخلود ثالثا”
ويعطي الباحث نماذج من الرثاء عند الشعراء المسيحين،رثاء عدي بن زيد لعلقمة بن عدي بن كعب :-
تعرف أمس من لميس الطلل
مثل الكتاب الدارس الأحول
أنعم صباحا علقم بن عدي
أثويت اليوم أم ترحـــــــــل
وفي قصيدة رثاء لكسرى :-
قتلوا كسرى بليل محرما
فتولى لم يمتع بكفن
طاهر الأثواب يحمي عرضه
من خنى الذمة أو طمث العطن
اما المتلمس فيذكر نوع آخر من رثاء نفسه فيقول :-
خليلي إما مت يوما وزحزحت
منايا كما فيما يزحزحه الدهر
فمرا على قبري فقوما فسلما
وقلا :سقاك الغيث والقطر يا قبر
ويرى الباحث الرثاء المتمكن في مرثية ورقة بن نوفل لزيد بن عمرو بن نفيل بعد أن قتل في بلاد لخم فيقول ورقة:- رشدت وأنعمت أبن عمرو وإنما
تجنبت تنورا من النار حاميا
يدينك ربا ليس رب كمثلــــــــه
وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وإدراكك الدين الذي قد طلبتـــــه
ولم تك عن توحيد ربك ساهيا
فأصبحت في دار كريم مقامهـــــا
تعلل فيها بالكرامة لاهيــــــا
ومن خلال ما تقدم يجد الباحث ان رثاء شعراء المسيحية فيه شيء من الخصوصية والتميز ولا سيما ما يخص الروح الايماني فضلا عن التبشير بالقيامة والآخرة،ومن خلال هذه المعطيات فإن فكرة الموت اختلفت، فهؤلاء يبشـــرون بالحياة الثانية وغيرهم ينكفئ ويرضى بالفناء والإنتهاء.
الحكم كانت من التأمل والابداع
الشاعر أذا لن يتضمن شعره على الحكمة فهو ليس شاعر من العصر الجاهلي (لا يكاد يخلو شعر شاعر جاهلي من نظر أو نظرات فكرية في الحياة) ويرى الباحث أن الحكمة تقوم على التأمل،ويقصد بالتأمل الإبداع العقلي ثم،ثقافة الشاعر المتحصلة من إرث المجالس بما فيه من تاريخ،وأشعار،وأيام وقد يعززها الجانب الديني)من اهم الشعراء المسيحين الحكماء هو ورقة بن نوفل:-
ياللرجال وصرف الدهر والقدر
وما لشيء قضاه الله من غير
كما يقول:
حوض هناك مورود بلا كذب
لا بد من ورده يوما كما وردوا
أما موسى بن جابر فيقول في أقرار حقيقة الموت:-
وما للمك في الدنيا بقاء
وكيف بقاء ملك فيه موت
اما عدي فيقول:-
فدع الباطل وأعمد للتقى
وتقى ربك رهن للرشد
ويرى الباحث “أن توفر الحكمة مادة غنية تفيد في إثراء التجربة الأنسانية أيا كان غرضها ودافعها،لكنها على العموم مستمدة من الواقع البيئي وطبيعة المجتمع الجاهلي”
* الفصل الثالث يتناول /الفنون الشعرية المختلفة وهي :- (الرحلة- الهجاء- الوصف والخمر)
الرحلة :- يرى الباحث أن الشاعر من خلال الرحلة كان يبحث عن غايات،منها أنه يتخذ شعر الرحلة أو الغناء الشعري للتنفيس عن الضجر والرتابة والسكون أو للتعبير عن عواطف مخزونة يجد في سكون الصحراء ما يسمح بأطلاقها أو يجعلها فرصة لوصف هذا المكان لأغراض أخرى.
– الهجاء:- كان الدكتور محمود جابر يرى إن نموذج الهجاء الجاهلي انبثق من ممارسة وثنية قديمة كان أصحابها يعمدون إلى إنزال نقمة الهة ولعناتها على خصومهم،ويرى الباحث أن ليس كل لشعراء يجيدون الهجاء ولا نكاد نجد للهجاء في المعلقات موضعا متميزا،ولم يخرج شعراء المسيحية في هجائهم عن المعروف من القيم والعادات الاجتماعية عند العرب وما أورثتهم اياه الحياة العربية في الصحراء .
– الوصف :- الوصف من المنظور الادبي يعني التصوير بالكلمات،ولا يكون شعر من غير وصف،ويرى الباحث سيادة الوصف وطغيانه في الشعر الجاهلي لأن البدوي ملتصق ببيئته فضلا عن ذكاء فطري وحاسة دقيقة،وحصر الباحث الوصف على (الطلل) – الاطلال-الوقوف على الاطلال بعد عودة إلى الزمن الماضي وإسترجاع احداثه واستذكار أهلهواستنطاق المخلفات عن المعاناة وشدة العاطفة التي تثيرها هذه المواقف. (الطبيعة)الطبيعة بالنسبة للشعراء تعد ثروة معنوية ومثيرات إنسانية ولا سيما ذا تعلق الأمر بالحبيبة فضلا عن الغزوات أو المغامرات في اللهو والطرديات
(الخيل) بما ان للخيل كل التقدير والاهتمام فأن الشعراء عكفوا على وصف تفصيلاتها يعلون من شأنها ويفتخرون بأنسابها فضلا عن القوة والصلابة والسرعة والانقياد اضف الى ذلك الأوصاف الحسية .
(الكلب) اتخذ العرب الكلب وسيلة للفخر والكرم،فنباح البعيد يعني الكرم ونباح القريب يعني البخل،والكلب اذا كان هاشا باشا أذا رأى صاحبه يستقبل الناس فهذا يعني الكرم بمعنى انه اعتاد زيارة الضيوف وإلهاء الكلب عن النباح واسكاته يعد مذمة بسبب بخل صاحبه
– الخمر:- يشر الباحث الى ان المسيحين استغلوا حاجتهم الى الخمرة في القداديس فقاموا بتصنيعها ولا سيما في أديرتهم،وأصبحت لا حقا وسيلة يستفيد من وارداتها سكان الأديرة( وقد لجأ الى هذه الديارات الكثير من الشعراء الباحثين عن اللذة، فذكروها ووصفوا جلسات اللهو ،ويقول عدي بن زيد :-
نادمت في الدير بني علقما
عاطيتهم مشمولة عندما
ويطرح الباحث اشكالية هل الدين المسيحي يحلل الخمر أو يحرمها؟ يتوصل الى ان الخمرة المقدسة ليست حراما ويجب أن يعلم الجميع أن الخمر المقدسة خالية من الكحول وليس فيها مسكر وتوخذ في الطقوس الدينية حصرا،وان تكون معصورة من العنب حصرا نقية خالية من اية مادة غريبة عدا كمية من الماء تكاد تسويها أوأقل هذا من الناحية الدينية ،ويرى الباحث بأنه يمكن الافادة من الخمر بوصفها وسيلة علاجية ويجب ان يكون تناولها (قليلا) وهذا القليل لا يوحي بتحليل الخمر،وعليه فأن الخمر ليست حلالا مطقا وليست حراما مطلقا ولكن يكون تحليلها وتحريمها بحسب درجة تعاطيها فمن أتخذها للعلاج ولأسعاد نفسه وراحتها وفرحها فهي حلال ومن أتخذها وسيلة للسكر والتهتك والخلاعة وفقدان العقل فهي حرام قطعا وعدي بن زيد أول من استعمل من الشعراء العرب في وصفه للخمرة تعابير ورموزا دينية فيقول:-
بزجاجة ملء اليدين كأنها
قنديل فصح في كنيسة راهب
قيل للاحنف بن قيس :- أي الشراب أطيب؟ فقال : الخمر قيل له :وكيف علمت ذلك وأنك لم تشربها؟ قال:- إني رأيت من أحلت له لا يتعداها ،ومن حرمت عليه إنما يدور حولها
*الكتاب لا يمكن الاستغناء عنه خاصة في الفصل الرابع الذي يتناول (القيم الخلقية عند شعراء النصرانية)
والفصل الخامس الذي يتطرق الى (الألفاظ والرموز الدينية) والفصل السادس (المعاني البلاغية)
الخاتمة
تضمن الكتاب في الخاتمة نتائج البحث:
– حقيقة انتشار المسيحية في مكة / الشعراء المسيحيون الذين اعتمدهم الباحث في الدراسة شعراء عرب من اصول عربية ولا غبار على انسابهم وعراقتها / بعض القصائد تشير الى التزام البناء الفني في القصيدة الجاهلية من غزل وطلل ورحلة وحسن تخلص /اجاب البحث في موضوع الخمرة حول هل الدين المسيحي يحلل الخمرة او يحرمها؟/ عالج البحث القيم الخلقية عند شعراء المسيحية ضمن محاو الشجاعة والكرم والعقل والعدل والمرأة/ درس الباحث هذه القيم من منظور مسيحي /يعد اول من عالج مسألة الرموز المسيحية في الشعر العربي ولا سيما الجاهلي منه/ اشار الباحث الى أن عدي بن زيد اعتمد البيت المدور / فرز الشاعر عدي بن زيد بوصفه متميزا في صورة العاذلة وانه جاء بثمانية ابيات للعاذلة في قصيدة واحدة/عد النقاد صور المستنجات عند التلمس من اجمل ما قيل في هذا الجانب .
اظهر البحث أن هناك علاقة دالة على شعر كل شاعر من شعراء المسيحية فعدي في تجربة السجن والاعتذار والعاذلة والمتلمس في تجربة الصيفة والمستنبحات وورقة بن نوفل في تجربة التوحيد وحنظلة في تجربة الوفاء وموسى في تجربة العقوق/
ظهرت هناك قصص دينية ورموز تأريخية تشير الى أثر الكتاب المقدس في الحافظة المعرفية لشعراء المسيحية ولا سيما عند عدي وورقة/كان من المفترض أن تكون عصيبتهم الى دينهم وأن ينعكس ذلك على شعرهم لكنها بقيت عصبية خجولة ازاء العصبية القبلية لا سيما في اتحاد الفخر الذاتي بالقبلي.
























