الحكاية ومهمة السرد

الحكاية ومهمة السرد

لوحات متصوفة أنموذجاً

علي لفته سعيد

تنقسم مجموعة القاص علاء مشذوب ( لوحات متصوفة ) الصادرة عن دار تموز السورية عام 2017 الى قسمين رئيسيين يتفرع كل قسم الى فرعين آخرين في طريقة الكتابة والمنهج والتدوين وحتى على صعيد الفكرة وبناء السرد.

وهذان القسمان هما قصص قصيرة جدا التي تتفرع الى قصص الومضة وقصص قصيرة جدا بأحكامٍ مختلفة في سياق الترتيب الدلالي والظاهراتي وكذلك قصص قصيرة التي تنقسم بدورها الى قسمين: الأول قصص الحكايا التي تعتمد على مفعول وقوة وواقعية الحكاية الواقعية بفكرتها، وقصص المخيّلة السردية التي انطلقت من مفعول المخيّلة وسعيها للربط مع الواقع.. وما يجمع القسمين من أفكارٍ هو الحلقة المهمة التي يمكن ملاحظتها على مجمل قصص المجموعة.

العنوان الرئيس والغلاف

قصص المجموعة تقع تحت لافتة عنوان عريض له إزاحات عديدة ( لوحات متصوفة) وهو ما يمكن ربط الكلمة الأولى بما توصّلنا إليه من انقسام النصوص الى قسمين.. والقسمان ينقسمان الى فرعين آخرين، وهذه اللوحات هي تعدّد النصوص وتعدد الحكايا وثيماتها وتعدّد المستويات السردية وطرقها، مثلما هو تعدّد المعاني والأفكار.. وإذا ما أخذنا الكلمة الثانية من جملة العنونة (متصوفة) فهنا يكمن المعنى المزاح بتأويلات الفلسفة، والتأويل والجنوح نحو انفعالات أخرى تأخذ من جانب التصوف معياراً مهما، رغم إن العنوان هو عنوان لقصةٍ قصيرة من قصص المجموعة التي كان بالإمكان اختيار عنوانٍ آخر للمجموعة خارج عناوين القصص أو تغيير عنوان القصة لكي يكون الانفعال والربط والتأويل يشمل الجميع في البحث عن خيوط الربط بين العنونة ومهمة النصوص وأفكارها وبالتالي الحصول على مهمة تأويل جمعية وشاملة لماهية التصوف في اللوحات خاصة وإن العنوان لم يكمن معرّفا بما يتيح للكلمتين من التمدّد وعدم حصرهما في تأويلٍ محدّد، لأن التعريف يجعل العنوان ما يشبه المرآة التي تحصر الصورة المقابلة له ويكون منطقة ضوءٍ كبيرة يمكن أن تسلّط على كلّ طرق القصص لرؤيتها بشكلٍ أوضح.

وهو أمر يمكن ملاحظته باختيار القاص مشذوب الى عنونة أخرى لماهية الكتابة لديه حين أرفق كلمتين جديدتين للدلالة على المحتوى أو انها طريقة ذكية لما يمكن ان يجده المتلقي من سؤال أمامه إن كان ما يقرأه قصصا أو انثيالات لواقع قد مرّ .. فوضع عنونةً أخرى (قصص وصور) في حين وضع المصمم بموافقة المؤلف، صورةً للغلاف تدلّ على لوحة فنية تظهر فرشاتين وعدد من الألوان على خشبة الألوان التي يُمسكها الرسام أثناء عملية الرسم ..لكن المجموعة خلت من الصور وهو انزياح آخر يبحث عنه المتلقّي في الدلالة ما بين القصص والصور التي أرداها القاص/ المنتج كعلامةٍ من علامات الدخول الى مفهوم النصّ لديه من جهةٍ ودلالة ما يريده من لوحاته القصصية من جهةٍ أخرى. ومن خلال جمع العنوان بفرعيه ولوحة الغلاف وحتى لونه المتدرج ما بين البياض المصفر في الأعلى الى الأصفر في الأسفل يمكن أن تكون البوابة الأولى لفهم أفكار القاص.

قصص التأويل

احتوت المجموعة على عدد من القصص القصيرة جدا في القسم الأول.. وهي قصص لا تملك طريقة بنائية واحدة، فكان الفرع الأول منها هي قصص الومضة أو اللمحة القصيرة التي تعتمد على انسكاب الفكرة في بوتقة التحليل التي تنتج بعداً فلسفياً في أغلبها.. بعداً أراده مغايراً ما بين البداية والنهاية لإنتاج فعل الصدمة من جهةٍ وفعل التأويل من جهةٍ أخرى.. وهو الأمر ينطبق ذاته على الفرع الثاني من القصص القصيرة جدا خارج الومضة والتي تحمل بعداً سردياً مبنيا على وضوح الرؤية واختفاء التأويل.. وهي أي القصص الثانية لا تخلو من هذا البعد رغم إن الفكرة في الفرعين هي المسيطرة على كيفية التدوين وما يمكن أن تنتجه من قصديات.. فإن التفكير بها أضحى مهمة القاص، مثلما هي ملهمته في التدوين. وهي نصوص قصصٍ لا تخلو من الواقعية ولا تبتعد عن المخيّلة، وقد وحاول القاص أن يشدهما بحبلٍ من السرد: (اعتلى الشاعر المنصة منشدا للوطن.. فأنبرت الأكف بالتصفيق، عند مقعده جاءه اتصال يخبره أن بيته في حي التجاوز قد أزيل) ص7. (ترك الباب مواربا فدخل عليه الواقع بكل قيحه ) ص8.

اهمية تدوين

والملاحظ في نصوص القسم الأول المتعلّق بالقصيرة جدا، إنها تخضع في أهمية تدوينها وفعله الى الاستهجان أو السخرية أو النقد اللاذع وحتى الانتقاص من الواقع ذاته، رغم إن هناك محاولات رسم الصورة من الواقع الى المخيلة وبالعكس كونها هي التي تحتكم الى مستوى التفعيل التدويني، إلّا إن هذه القصص سقطت في التأويل المباشر من التوقع لأنها أي المنتج/ القاص أرادها إدانة: (وسط فوضى الوطن وقف ينظم سير المرور، فانفجرت عليه سيارة مفخخة ) ص9.

لكن على الجهة الثانية ثمة نصوص مبتكرة ليس على مستوى التدوين بل على مستوى الفكرة التي تبقي المتلقّي في حالة من البحث عن تأويل مناسب لأنها نصوص خارج النقد او السخرية او الاستهجان (لأني لا أفقه شيئا في النساء .. مررت عابرا) ص11. (أراد أن يضع همومه على الورق.. فتفسخ من ثقلها ) ص12 .

وما بين السخرية والنص المفتوح على تأويلات أخرى ثمة نصوصٌ تخرج من كونها سرداً الى نصٍّ وعظيٍّ أو تحليلٍ للواقع أو مشاكسةٍ لحالةٍ ارّقت الراوي: (في القارب الواحد، وعلى مساحة شاسعة من المياه، لا فضل لأحد على آخر، ينجو او يموت) ص19 .

وهناك نصوصٌ أخرى مثل النصوص التي تأخذ من المعلم والتلميذ أو نصوص الحرب وغيرها.. إن هذه النصوص بفرعيها الومضة والقصيرة جدا في القسيم الأول كانت تحمل هموماً أراد من خلالها أن تحمل أسئلتها معها.. أسئلة الوجود والحرب، وأسئلة المكوث والموت.

صراع السرد والحكاية

في قصص القسم الثاني ظلّت الفكرة مهيمنة هي الأخرى لكنها فكرةٌ بقامةٍ طويلة.. فكرةٌ يريد استنطاق أسئلتها ليجعل المتلقّي يبحث عن أجوبتها.. وهذا القسم ينقسم هو الآخر الى فرعين متشابهين في البنية الكتابية ومختلفين في روحية التدوين، بمعنى إنهما متجاوران ومختلفان وربما يلتقيان في الكثير من المفاصل.. وما يميّز هذا القسم بفرعيه هو الحكاية التي يسعى لجعل قوامها مقبولاً في اللغة ومقبولاً في الاستطراد ومحمولاً في الدلالة ومتنوعاً في الفعل المحكي، لكنه ظلّ قصير اليد في أغلب القصص في قيادة كلّ ما ذكر الى بساتين السرد، وتأمّل الصراع بلغةٍ أخرى واصطياد القصد من بحر التأمل.. بمعنى إن الحكاية قائمة تبحث عن فعل العاطفة، فيغيب فعل التأمل والتأثير.. وهو أمر تقع فيه أغلب قصص هذا القسم باستثناء بعض القصص (ذباب وبطل) و (لوحات متصوفة) و(وسواس) وكذلك (الدمية والماخور) فضلا عن قصة (مجزرة العصر الحديث) التي ظلت تعاني من بساطة عنوانها الذي لا يتلاءم مع السرد، لكنه يتقرّب من الحكي.. وهذه القصص انتصر فيه السرد على الحكاية واقتربت من صناعة القصديات المتعدّدة وملاح التأويل العديدة.

في هذا القسم من القصص التي بلغ عددها (12 ) قصةً قصيرة، سعت البنية الكتابية الى تحويل الحكاية الى سردٍ، والقصة الى فعلٍ درامي، ودمج الحالتين يحصل على صراع تفكيري تأمّلي في تقشير الحكاية الى مجموعة قنواتٍ فرعيةٍ يحاول فيها المنتج ضخ أكبر كميةٍ من المعلومات المستخلصة من واقعها أو مبثوثة في متخيلها.. ولهذا نرى إن المنتج يهتم كثيراً بالمستوى الإخباري لنسج خيوط متنه اللغوي الذي يتراوح ما بين متن الحكاية ومتن السرد بحسب الموضوعة والقصة والعنوان.. وهو ما يمكن أن يعطي دلالة مفادها إن الاهتمام بالحكاية هو الإطار العام لفعل القوّة التي يبحث عنها، لتتويجها فعل النهاية المرتبط بردّة فعل النهاية الدرامية ذاتها، والتي تعتمد بدورها على الجملة القصصية التي يتداخل معها المستوى التصويري والسائر مع المستوى الإخباري بالتوازي في أغلب الاحيان.

العناوين والاستهلال

القصص في أغلبها تكون فيها الحكاية مترامية الأطراف، وفيها سعيٌ حثيثٌ لجعلها قوّةً صادمةً في بثّ المعلومات عبر المفردة التي تقترب في الكثير من الاستهلالات الى روح السرد وقوته.. وما بين عنوان القصة واستهلالها، ثمة صراعٌ جميلٌ ينبني حوله ما سيأتي من بلاغات لفظية ولحظات لتبئير المنطقة التي يريد الوقوف فوقها، ليرى ما يمكن رؤيته من أصول الحكاية وتفرعاتها.. هنا في هذه المنطقة يمكن للدليل للوصول الى المدلول في روح القصة المختارة..

في الاستهلالات نجد ثمة سرداً محبّبا ولغةً رائقةً ودبيباً يمشي بهدوءٍ الى المنطقة الوسطى من القصة: في قصة ذباب وبطل (كان الدبيب الذي يتركه الذباب وهو يقف على أحد ساقيه أو كليهما، يثيره، بل يجعله متوترا بشكل غير معقول ) ص27. وفي قصة سوء حظ (ضاحي ساهي عبيد، سليل الاسلاف الذين رفضوا أن تعفر جباهها بالأرض كل يوم خمس مرات طوعا، وحتى بعد أن مضى على تلك الدعوة أكثر من اربعة عشر قرنا) ص32. وفي قصة قطرات دم ثمن الحرية (بصبر صياد، وعسر حقيبة، وأناة بدوي، دخلت معه غرفة الزوجية، كانت الضواء حمراء تشي بلون الهتك المقدس المشرعن ) ص49. وفي قصة لوحات متصوفة (أمام واجهة مطعم فخم/، كان هناك كلب يلق الماء، وقطة على مقربة من منقلة شواء اللحم تشبع بطنها من رائحته، آملة أن يرمي لها مسؤول الشواء قطعة لحم وقعت على الفحم ) ص59. وفي قصة وسواس (بملابس انيقة بسيطة، كنت أمرح في الشوارع حتى يحين موعد الغداء أو العشاء، لأعود الى المنصحة النفسية وانا ممسك قارضة الاظافر أقلم زوائدها ) ص71.

في هذه الاستهلالات لا نجد مباشرةً في الروي لتكون حكاية، بل نجد سرداً يقودنا الى الحكاية.. وهذه هي إحدى علامات القصّة وساعة قبولها وسيرها الى النهاية.. وهي استهلالات تبدو لنا متشابهةً في طريقة سكبها اللغوية وهادئة في طريقة بثّها الحكائي ومنتظرةً ومراقبةً لما سيأتي، ومعلنةً عن فحوى المهمّة القادمة للفعل الدرامي، ومكيفةً ومرتبطةً بماهية العنوان الذي يكون في أغلب القصص ملائماً الى حدٍّ كبيرٍ مع الموضوعة والمهمة التي يمنحها العنوان: (ذباب وبطل، سوء حظ، قطرات دم ثمن الحرة، لوحات متصوفة، الدمية والماخور، عزف منفرد على أوتار الخيبة، مثل هذه المدن لا تموت، الفجيعة).

عناصر وحكاية

إن الرابط بين العنوان والاستهلال هو أحد أهم العناصر المعوّلة على اتّباع السرد في الحكاية وليس العكس، رغم إن بعض القصص سرعان ما تأخذ طريق الروي الحكائي حيث ينزلق الروي الى الحكاية فتتحوّل اللغة الى مرافقةٍ لوجهة نظر الراوي، حيث يستعجل الوصول الى لحظة ربط العنوان بالسرد ومن ثم التحوّل الى الحكاية، فيجعل المفردة تبحث عن مكانها التأمّلي، وهو ما يمكن رؤيته بوضوح، حين تعود المفردة الى مخيّلتها وتمسك بتلابيب السرد مما يعطي القدرة على جعل المتلقّي يبحث عن قصديته المتاخمة لموضوعة القصّة التي يصطادها من مربع الفكرة.

إن قصص المجموعة تتبع طريقة كتابية متشابهة وإدارة تحاول مسك الخيوط المتعدّدة التي تتمحور ما بين الحكاية والسرد لنسج الخيوط المتقاطعة التي تريد من المتلقّي متابعة أثرها ومنابعها، لعلّه يصل الى مصبٍّ واحد.. هو ما يعطي أن مستويات البنية الكتابية لديه وإن تشابهت في خيطوها، لكنها في بعض المفاصل تصعد الى قمة الوعي بالكتابة، وتكون اللغة غير عابثةٍ أو قادرةٍ على لملمة التعاضدات والتقاطعات التي تفرضها طريقة السرد في الذهاب والإياب، والتقاطع والتلاقي، والقفز والعودة الى الثبات، كما في قصته الرائعة وهي الأولى في المجموعة (ذباب وبطل) حيث يكمن فيها قوة السرد والتلاعب المحكم بآلية القصة للوصول الى الكثير من الأماكن التأملية، وقصص أخرى تم ذكرها على العكس من بعض القصص التي أخذت في استطالاتها طريقةً لضياع الخيوط وتيه المتلقّي في متابعة طريقة النسج، لكنه يعود في أغلبها الى مسك رأس الخيط من جديدٍ، للوصول الى النهاية التي تبقى واحدةً من تأويلات النصّ القصصي.