
غريــب المعاني .. في شعر منتجب الدين العاني
فـــــلاح المــرســـــومي
لا شــك أن الشـــعر لــم يكـــن إلا تعبيــراً عــن الــوجــدان والجــوارح والمشـــاعر ومكونات الــذات حينما تضبط آثــار هـــذه المــؤشـــرات ، بالمقابل تأتي القراءات في عــالم الشــعر وهي بحاجة الى معــالم ومعــارف وثقــافات تلائم أو تضاد فكر وعقل الشـــخصية الأدبية موضــوعة القــراءة لأن هنــــاك دائمــاً من الصعــوبة ســبرأغــوار النفـــس الإنســانية وإقامتهــا وخبــاياها المســـتوره في أعمــاقها وخاصــة في نفــس الشـــاعر فتكـــون هــي الأصعــب في البحــث وفي تجلياته لتكــون القــراءة بحقـــه نابعــة عن مهنيــة صــادقة وهـــذا ما يمليــه الواجــب الأدبي والأخــلاقي في أن يخضــع القــلم الذي تُدّون به حقائق القــراءة الى الحــرية المطلقـــة المعبّــرة عن الحقيقـــه أي كــان شــكلها ونوعهــا.
توجه باحث
نســتخلص بما ذهبنــا إليــه في توجــه الباحث ( عبد القادر رحيــم العــاني ) واختيار الأسلوب الذي وجده مناسباً وملائماً للغوص في أعماق حركــة الشــعر أبان العصر العباســي دون غيــره وبالـــذات في كتابه مدار قراءتنا هذه ” غريب المعاني .. في شــعر منتجب الدين العاني ” معزيّاً الأســباب في ســبر الغــوص بهـــذا لنضوج حركة الأدب في هــذا العصر بشــكل عام والشعــر بشــكل خاص ولأجل تسليط الأضواء والكشف عن الهــوية وإغناء الفكر الإنســاني ولاهتمام الشعراء بالأوزان الخفيفة والمجزوءة وظهور علم العروض ، وكذا في محاولات التجديد والخروج عن المألوف والنسيب كدعوة ( أبو نؤاس ) و (أبي الطيب المتنبي ) وفي حركة ازدهار حركة الترجمة وشيوع الفلســفة الأجنبية ( اليونانية والفارسية والهندية ) ولاتساع وظهور أغراض جديدة في الشعر فرزها الواقع العباسي الجديد لتبزغ كواكب لامعة في ســـماء الشــعر تركت بصماتها وآثارها التاريخية في الأدب العربي ، ونشـــوء الزهــد كرد فعل على حالة الترف والمجون الناتج عن الانفتاح الحضــاري وأيضاً في نشـــوء التصـــوف الإسلامي وما تضمنه من مفــردات ومســـالك صوفية ، من هــــذا جاء بحــث الكاتب عبد القادر رحيم العاني عن الشــاعر العراقي الفيلســـوف الصوفي ” منتجب الدين العاني “وهو من أعلام العصر العباسي للوقوف على ما تركه من إرث شعري توجب الوقوف عنده لمعرفة خصائص ومميزات هذا العصر ولغاية في نفس الباحث هي الأكثر من أي شيء آخر ألا وهي تحقيق المتعة والمنفعة في دراسته البحثية عن هذا الشاعر ( المنسي ) إن صح القول ليأتي بطروحات من مضامين فلسفية وصوفية وعرفان وجد أن ( منتجب الدين العاني ) قد جسّــدها في شــعره بعيداً كل البعد عن المؤثرات الجانبية والنزاعات الفردية والمذهبية ، وإن اهتمامه بشخصيته الأدبية جاء من كونه شاعراً عراقياً أولاً ، ولإزالة الغبار والعتمة التي غيبّته عن الساحة العراقية وللحفاظ ولإظهار مكانته الأدبية والصوفية ثانياً ، مبتدئاً بولادته التي كانت على أغلب الظن والراجح ســـنة 330 )) للهجرة في المدينة التي نسب اليها ( عنه ) وحين شّب حزم أمتعته قاصداً أميرة الشعراء وحاضرة الدنيا ( بغــداد ) الحب والأمل والثقافة ليسكن فيها بعضاً من السنين لينتقل الى (حلب ) ثم بعدها الى مدينة اللاذقية ليسكنها وينتهل منها ومن معين ( حسين بن حمدان الحصيبي ) المعتقدات الدينية والعلوم الباطنية والمجاهدات الصوفية ، لقد صار الشاعر (منتجب العاني ) مرآة عاكسة ولساناً ناطقاً لمضامين شعره الذي ســـخّره لإصـــول عقيدته الباطنيــة وفيها أي في ( بلاد الشــام ) نظّم الكثير من القصائد في واحدة منها بذكر أيام شهر رمضان يقول في النبي واله (فالسيدُ القاسمُ المفضالُ أولهمْ .. وصنوهُ الطاهرُ الميمــونُ ثانيه ِ / وطالبٌ وعقيلٌ صنوهُ وكــذا .. أخوهُ جعفــرٌ بالتقـوى يحاذيهِ / بنو أبي طالب عمّ النبيّ ومن .. في طاعة الله قد كانت مســاعيهِ ) وفي أخرى يذكر سبعة عشر من القوم يسميهم أنبياء فيقول عن الثالث عشر ( والثالث عشر عمار بن ياسر .. لا ينال الشفاعة قوم دمهُ ســكبوا ) وفي تنزيه الله سبحانه يقول ( ولا أقولُ كما قالت مضللةٌ .. من النصارى بتبعيصٍ وتجسيد ِ / ولا أقول بفرعونٍ وصاحبهِ .. ولا النســاءِ ولا بالخصيـة الســودِ ) أما في التوحيد فيقول في احدى قصائده ( حتَّام َ دمعك في الأطــلال ينسـكبُ.. ونار وجــدِك َ في الأحشـــاء تلتهـــبُ ) وبالتقوى يقول ( واشكر لمن خصَّك َ بالأنعامِ.. وزاد في التشـــريفِ والإكــرامِ ) وله في الصبر ( لا تجــزعنّ إن ضــاقَ يـوماً أمــرُ .. لعلّ يأتي بعــد عســـرٍ يســـرُ ) وعشرات من روائع القصائد في كل موصوفات التصوف والتعبد والتزهد والتسامح ، لا يعرف بالضبط سنة عودة الشاعر الى بغداد ليطوي الزمن صفحة مهمة من حياته غاضّاً البصر عنها وأسبابها محصورة بنقطتين الأولى ذاتية وهي الحنين والشوق الذين أضرما نار العودة في ثنايا صدره والأخرى موضوعية بكون مدينته ( عنه ) تقطنها فئة قليلة من الطائفة النصيرية التي ينتمي اليها وهي إحدى معاقل شيوخ الطائفة وأرادوا تركيز دعائمها من جديد لنشر مبادئها وعقيدتها وكانوا قد أوكلوا الرئاسة الى الشاعر منتجب العاني وهذا في الغالب كان سبباً رئيسياً لعودته ليكون الناشط المعّول عليه في مركز النصيرية الذي أسسه ( حسين الحمصي ) في اللاذقية وجعل له فرعاً في (عنه ) والذي لم يدم طويلاً فيها حيث أغلق المركز على أثر الهجمة الشرســة التي قادها هولاكــو على المدينة ، ليعود مرة أخرى الى حلب واللاذقية .
سيرة حياته
لقد خلا شعره ورغم سيرة حياته الطويلة من تدوين هذه السيرة بما فيها لفقدان ملفات كثيرة من تركيبته الاجتماعية ووسطه الديني وتاريخ هجرته واسبابها بشكل أوسع وأدق وزمن عودته ليتوفى على الراجح عام 400 ) ) للهجرة في مدينة ( عنة ) وليدفن في محلة (الســدة ) منزله الأول ، ثم لينقل الضريح عام ( 1957)م الى محلة ( حكــون ) ذات الأغلبية النصيرية ، لقد كانت فترة حياته الممتدة ما بين ( 330 – 400 هجرية ) مســرحاً لأحداث مختلفــة وهجـــرات متتابعة ولم يبق منها إلا لقبه الذي رافقه طوال مسيرته ورحلته بالفخر والعز والكبرياء (مســكَّيةُ الألفاظ عانيّه .. في قلبٍ بهاتيك الربى عاني ) .جاءت صفحات الكتاب البالغة 363 على توثيق ما وقع بين يدي مؤلفه عبد القادر رحيم العاني وبجهود مضنية لقلة المصادر في سيرة حياته ودلالات ورمزية شعره وما اختار منه ولمحات ايضاً من حياة شعراء العصر ( أبا العلاء المعري والمتنبي ) والآراء الفلسفية في فصليه الأول والثاني ، ليتناول بالفصل الثالث غيبته عن ساحة الشعر ، والتنسيق الشعري في قصائده عالم الحب ، الخمر الصوفي ، عقيدة الثالوث المقدس ومباحث أخرى عديدة منها زهده ، وتأثره بنصوص القران الكريم ، أما في الفصل الرابع والأخير فقد جاء على ذكر الأغراض الشعرية في شعره ، السحر الحلال ، التأثر والتأثير ، من هو المنتجب ، مخطوطة الديوان ، ومختارات من شعره ، وصور من الديوان وآخرها بالخاتمة .
























