النهج السردي لكمال لطيف سالم

النهج السردي لكمال لطيف سالم

تحولات كائن مسخته الحروب

عقيل مهدي يوسف

(( خيمة من رمال )).. هو عنوان المجموعة القصصية القصيرة، للقاص كمال  لطيف  سالم، التي تناولت، ازمة مثقف من الطبقة الوسطى، في زمن الحرب، الذي تنوع مواقفه وعلاقاته ، وموضوعاته( جزئياً)،  لكنك  تجد بطل هذه القصص المختلفة، ماهو  في حقيقته الا انعكاسا فنياً،  لسردية كبرى  تجمعها، وكأنها ترصد (( شخصية)) واحدة عبرت وقائع متباينة، لترصف من خلالها بنية حكائية واحدة، تخصّ ذاتاً واحدة وهي تدور بين أفلاك محدّدة من الصور الفنية، احداها ( طبيعية) تخص سلوك البطل، الذي نرى ونلتمس مرضه، الذي بات ملازماً له، كنتيجة اساسية دهمته رغم ارادته، والصورة الثانية، هي أفكاره الايديولوجية وخروجه على (( القوانين))  المرعية، فيكون البطل هو العنصر الحاسم، في ممارسة ((ارادته))  ضدها او التمرّد عليها والصورة الثالثة، صورة من خلفية ريفية، متناثرة مع اقامته التالية في العاصمة بغداد، مما ولدّ تذبذباً في معايير الشخصية، وخروجاً عن الضوابط الفلاحية التي عهدها في قريته الأصلية وتطلعه الى قيم تتقاطع في معظمها،  مع العادات والتقاليد تلك، فتلقفته، البارات، والمعسكرات والمقاهي، والفنادق، والشخصيات المتنافرة ، في دروبها، وشوارعها، وساحاتها، ورمت مندحراً تارة، ومتمرداً تارة اخرى في  جحيم قاعها الأرضي ليتنقل من الوظيفة البسيطة في عمل صباحي في دوائر الدولة، الى جندي فقي ميادين المعركة، الى متسكع متمرد فانتازيا السرد تعويذته الكتب والمجلات، والصور والافلام والقصائد/ فانتازيا السرد.

وكذلك تجده في خضم علاقة شائكة مع المقدس الديني والغامض التي تتحكم منظومتها لاشعوريا في مواقفه الاخلاقية العامة او الحميمية الخاصة او بين موقفه الاجتماعي الواسع او علاقته الفردية بالمرأة، وتجربته الذاتية معها، وهذه هي الصورة الرابطة للبطل العابر، لتك القصص القصيرة، التي تؤطر سلوكه مادياً، بمجاراة الآخرين، او معنوياً وهو يلزم نفسه بقناعة قارة في  لاشعوره او خياره الواعي،( الواجب التطبيق)، وبذلك تذبذبت قيمه بين افراط وتفريط، بين الحدث اجتماعي القهري، وبين مرضه ووهنه وتداعي شخصيته الأمر الذي حرمه من امكانية اعادة بناء سلوكه على وفق التطورات والمتغيرات التي اعتورت حياته المتقلبة، وحجمت من  افق( مثله العليا) التي كان يريد الاهتداء بها في عالمه الأرضي.

منذ افلاطون باتت للمدينة ( وظائف) محدّدة، هي الارادة، والدفاع، والانتاج، وبطل القصة لم يكن قيادياً، لكنه انخرط جندياً في الحرب، ولم يتعد انتاجه سوى  بضعة قصص قصيرة، واحلام مؤودة فنية، وغنائية اخرى.

هذا الامر انعكس على قوى نفسه الناطقة، والغضبية، والشهوانية حسب التعبير الافلاطوني القديم، ولم يجد فرصة  سانحة لاعادة وترتيبها، بما يخدم مشروعه ذرائعياً، وبطريقة واقعية متزنة، حسب العرف العام.

اختار القاص كمال لطيف، زوايا سردية مكثفة، وبلغة تعتمد اسلوباً رشيقاً، موحياً، قادراً على التلاعب بالمجازات، وتراسل الحواس، وفانتازيا المواقف وعجائبية الشخصيات، وهي تنتقل من نسق، وثقافة، وخطاب، الى مواقف بالضدّ منها لتكسر أفق الواقع، بضروب منزاحة عن المنطق العادي المتداول.

لنقف اولاً: عند (( كم))  القصص، حسب عنواناتها ومحمولاتها بشكل خاطف، ومركّز.

العنوانات  ومحمولاتها:

الليلة الاخيرة :

(جان دمو) – الشارع حي، والانسان((شبح))  او مجردج(( ضرس))

خيمة من رمال:

كآبة وفزع وخوف وداء العظمة للتشبه بنابلوين.

غربة:

الارتياب من ( الكتب) فالمثقفون معقدون يرون الآخرين قردة

قفص احدب:

عربات المترفين، وعري بشري يتحوطه الرعد، والمطر، والسيول

بريق خاطف:

بين قناص، وقصف يسقط الشهداء

ابواب موصدة:

غرفة عارية، تكاد تطبق على سرير متسكع

عيون الاحراج:

يطرد الأباء( بناتهم) المتخنثات مثل سعف يابس

قصص:

وجه دائري، يؤطره خمار احمر ووشاي وعين انثى وشناشيل  وبلابل

غابة الحديد:

 محطة قطار  مهجورة ، ورأس كبير على طريق الشيخوخة المدنّسة

الذئاب:

خنزير برّي يشق بطن حارس يحمل بندقية

الهيكل:

( هدى) الجنوبية، القصيدة، هي تذكارها الوحيد،  عنه

السياب يستيقظ غداً:

بين دارة جدّه ومنزل الاقنان، ومقبرة الحسن البصري

القاع الرملي:

وجندي مصري، ودبابة لاتفرق عن ذبابة سريالية

غرق:

وبصقة السبل الدموية، باوراق كاتب قصص قصيرة

خلة العائق:

ارقام مصّنفة( للحب) ثلاثية، وسط غياب، ومقهى، ورسالة ودمية

الصعود:

في مشاهد مسرحية سريالية وغرفة عطنة الرائحة

الملجأ:

الذي حولته( الحرب) الى  ركام يدفن فيه الاحياء

منتصف الليل:

الكتب وأزيز الطائرات والقصف المروّع ودموية الحفر والاجساد

الوحشة:”

كولاج ” مركب من ابواب وسلالم  وطائرات امريكية، واغنية

العتمة:

حين تغلق الأبواب، ويغيب البشر، في تيه مرعب

الجهة الأخرى:

القنابل تترك عربات الاطفال، فارغة

الأمس:

السينما والقصص، والمحلات الشعبية، وجواد سليم، ونصب الحرية

الرتل نحو الغرب:

ارتال لأربع سيارات باتجاه المحرقة

الصوت:

مخمور يقضي ليله من الارق، يسقط، وثمة أمل في الشفاء

الحب مرة اخرى:

قصائد وكؤوس لحب جديد، لكن  ثقافة المرأة محدودة وبحر مخيف

شبح البحار:

يهديها( القاص) الى ولده ( نايل)، لابطال يحلمون بمغادرة البحر.

الزاغ:

غرفة تزدحم فيها الكتب والمجلات والصور والاوراق والحقيبة وراس خرافي.

هذه هي عنوانات( القصص)، وجوّها العام، ومحمولاتها، التي اكدت على ( ثيمة) او موضوعية( التحولات) التي تمسخ سيرة البطل، وتنقله من عالمه التفصيلي اليومي، الى عالم المخيلة، البسيط او الخارق أحياناً في جنوحه الى العبث، واللامعقول الفني في السرد.

التحّولات:

تتحول صورة (السارد)، والبطل في القصص، الى صورة مريعة، وهوية غامضة، يتقمصها من  ( داخل) نفسه، ويتصرف سلوكياً على وفق دوافعها( الفانتازيا) بشكل مجاور للهيئة البشرية،  وكأنه ينقلب على نفسه، ليفارقها، فيقفز دفعة واحدة من سمت ( الضآلة)، والصغار، الى العملقة، والتسلط، متخطياً قدرية كينونته الصغرى. في ( الزاغ)يرى البطل ، ان رأسه مستطيل مضحك، يسلمه الى حلاق لا يعرفه، حتى يشكل هو على نفسه، فلا يعرف الى اي ( جنس) ينتمي، فشخصيته، لا تجلب الانتباه، يقول( قامتي قصيرة) وجهي طفولي، لايوحيان بانني كاتب قصص، او حتى تلميذ في الابتدائية، ثم تتضح  عجائبة وتتعمق غرائبيته( اخذوا يمعنون انظر بهذا الكائن العجيب جمجمة رأسي الغريبة) راس انثروبولوجي عجيب حتى أكداس (المصادر) التي ازدحمت في رفوف المكتبة لم تدله على    ( شكل رأس ادمي يشبه رأسي) وياخذه العجب في غرفة الطبيب، ويتساءل لما  يقتل القوي الضعيف؟! اما الطبيب النفساني ، فقابع مثله في الدرك الأسفل من المدينة ، ممحوقاً في عيادة منسية يقطع البطل في اغلب القص، كل صلة متزنة بالبشر، وقد  يتخذ رتبة جديدة بصفات حيوانية، او كأنه من هوام الحشرات. او تجد لديه ان البراءة قد اختلطت بالجريمة، والعنف ، والتدمير، فهذا طفل لكنه قاتل، لمجرم عتيد، وذاك اب شرس، فاتك بولده، وأمّ متسلطة قامعة لابنها. وهذا صديق الشاعر              ( جان دمو) استحال  الى مجرد( ضرس) يستودع في حضرته كمية من الخمر يرتشفها بعد حين.

تشويه سوّية البطل

يريد القاص في نهجه السردي، مغادرة المحاكاة الواقعية وكأنه ينتقل من (( لقطة))  خارجية، الى لقطات تعبيرية تكشف عن عالم ابطل الروحي الداخلي، لخلق دهشة فنية متخبلة، وربما كانت ( المبالغة)  واحدة من بين تقناته، التي وظفها في تحويل كيان البطل، فيظره صغيراً، ثم كبيراً في لحظة خاطفة، وهو يحتسي كأس الخمر، ليثير ضرباً من فكاهة مرّة.

او يقلب (  الادوار)) ، فترى الخانع التابع، يصبح السيد المطاع، اويقذف ببطله الى     ( عزلة) ترافق البطل هذا ف  حلة، وترحاله، ما حقه ما كان عليه من فطرة ريفية الطابع في الغالب، حتى يكاد البعض ان يطرد هذا الحيوان القذر من المكان لقبحه! يعايش البطل غربته الخاصة، ويقوده صراعه الداخلي الى ان يفصم علاقته بالعالم المحيط، متقبلاً مصيره المزري، بفعل جحيم الآخرين الذي امتدت نيرانه من الاسرة والقرية، وصولاً الى البشر المسحوقين مثله وهم يذيقونه العذاب، وبالاخص (المرأة) العاهرة والحبيبة، التي ارتضى رفضها له، وكأنها من بديهيات الآمور وهذا مايجعله يتحرك في بقعة( بينية) شيدها الانسان المغمور من طرف، بمكبوتاته الحيوانية، وطرف معاد في سلوك مجاف للمنطق، والانصاف، يتقحم حدود عالمه الشخصي ترى في ( اسلوب) القاص، ميلاً الى  صنع ضرباً من كاريكارتورية البطل، وعبثيته،  بما يضخه من تشويهات جسمانية، او لطخات شائبة للكرامة البشرية بطابع معتم سودادوي بغيض وكوابيس تعيد تشكيل شخصيته الغرائبية.

فردوس العائلة المفقودة

تلاحق  صفة الطفولة مصير البطل  الذي ثيقع في براثن الكبار، في موقف متناقض( بارادوكس) فهو يرى نفسه طفلاً، لكنه ينتفض حين يراه الآخرون كذلك! وماذا يتعين عليه فعله؟ حين فقد حنان الاب، وكان الجدّ هو البديل، مع أمّ معذبة من زوج همجي، تركها للمجهول يلحّ على البطل هذا التاريخ المنسي، لكنه النابض بالوجع في  ذاكرته المطموسة فيرى اطياف الاب وهو  يخترق الباب على امه، ليذيقها صنوف العذاب الذي لايسلم حتى هذا الطفل المشدوه، من لكماته الدموية الوحشية! بمهارة بيئنة استطاع( القاص) ان يرسم لنا تضاريس هذا الصنف البدائي( البري) في عالم يتشكل من مقابر وسكك حديد مهجورة ومقاه وارصفة، وبارات، وسجون وجبهات حرب، وسفن بحرية قاصفة وبشر حيوانات! كان يجد خياراته في الانبطاح الطوعي امام سطوة كأس الخمرة ليدور في محراب قنينته العملاقة، بلا حول ولا قوة، مدارياً رعب كأبته، ووحدته ، وعزلته عن العالم ثم لياخذ قسطه في خرشة القصائد والقصص، والتطلع الى النجوم الزواهر، والركون الى سكون النهر، ليعيش اسطورته في عالم سفلي انتزع منه كل ما يعينه على حفظ كرامته الأدمية او ماتبقى منها، اذا لم تترك له الحرب في رعونتها الا المذلة، وهي تدمر كينونته البشرية بآاليتها الجهنمية.

 لا افلاطونية المدينة المعاصرة

بطل  القصص هذا، لولا غريزة النطق المهموس، لبات وجوده المادي نسياً منسّيا بخنوعه امام جبروت العالم المعادي الماحق ولولا ترنمه بقصائده، واغانيه، وقصصه، وصوره وكتبه… لا نحلّ الى قطرات ندية، تجففها الحرب، وتبتلعها مع صاحبها في واحدة من مصائدها الماكرة.ركزالقاص على الجسد البشري، للمرأة والرجل، وقارب الوجوه والعيون والشفاه ، والروائح، والضحك، والصمت، والصوت، والسيقان والاكف والصدور، والمرض والاصحاء ، والدماء، والبكاء، واللحى والشوارب. وفصّل معمار البيوت الطينية، والمحلات، والملاجئ، والبالكونات والشناشيل والشقق والسلالم، والغرف؟، والشوارع، والمقاهي، والبارات، والابواب والشبابك والمقابر، والمزارع، والبساتين، والجدران والادراج  والانهر والمرافق والمكتبات والنصب الفنيه، والقوارب المقلوبة، والهياكل العملاقة لاشياء غريبة في البحر، ومحطات القطار والعربات، وبلاط الشوارع والقاعات والحفر وكل تفصيل منها، تتخذ مساراً مختلفاً، حسب جو القصة العام ولونها، ونسق الحكاية، ومواقف البطل، واكسسوارات مثل، المنقلة، والفانوس، والقناني، والكؤوس ، او الورد، والعشب، والصحراء والنخيل والمطر والرمال، والبقر والمواشي والخنازير البرية القاتلة من هذه المنمنمات الصغيرة  بني ايديولوجية تنويرية توحي بموقف البطل الرافض لرداءة عالمة وانحطاطه،  واقتراحه افقاً مغايراً وان كان سحرياً مخيفاً، او خياليا منحرفاً، حتى كان سلوكه الشاذ هذا بات رهن كائنات ممسوخة تحت وطأة الحروب والتفاوت الاجتماعي والرضات السايكولوجية لكن اللاستعارات الفنية وسعت من اتلاجاهات السرد وزواياه التي يختمها ( بأإنية) العم شاكر في قصة  ( الوحشة)

ملاح بدر الدجى والليل عسعس وجن

حرم بعد الاحبة، الطرب والراح

ولرجعة زمان اصباي والراح

متى عهد الشباب يعود ليه.