حسن العاني في الولد الكبير وليلة الأحتفاء بالحرية

حسن العاني في الولد الكبير وليلة الأحتفاء بالحرية

إشكالية الرموز الجنسية

فائزة عبد الواحد

في عام 1980 صدرت المجموعة القصصية الاولى، للاديب العراقي حسن العاني، وهي تنبئ باهتمام مبكر جداً عن ميل القاص الى مناغاة (الرمز) ثيمة اسلوبية لها حضور واضح في اغلب نتاج هذه المجموعة، وسوف تترسخ معالم هذا الاهتمام بصورة اوضح في مجاميعه الخمس اللاحقة، فنحن لا يمكن ان نضع قصصاً على غرار (حصان مقابل حصان/ أمسية على ضريح الحسن بن هانئ/ الرجل الاسطوري/ الحواجز / وادي الذئاب/ الساعات الاخيرة / الكائن الفضي / صديقة الملاية/ سقوط الالهة الليلية / تساؤلات في ليلة مقمرة/ النوارس الغاضبة/ ..الخ) ، خارج اطار الرموز التي حاول القاص أن ينطلق بها من (الواقع)، أو بتعبير أدق، ايهام المتلقي بأن الاحداث المفعمة بالرموز هي أحداث واقعية مألوفة مما نرى ونسمع ونعيش!!

على أية حال، لا أريد لهذه القراءة أن تنشغل بالسمات الاسلوبية للكاتب، بقدر ما أود التركيز على مسألة لفتت انتباهي كثيراً، وهي تبنيه مفهوم (العلاقات الجنسية)، والطريقة التي اسميها قبل أي شيء آخر (الذكية) ، التي وظف فيها الجنس، كونه احد من أهم الفعاليات الانسانية عبر التاريخ البشري، إن لم يكن أهمها في جذب المتلقي، واقامة نوع من الديمومة والتواصل مع النص القصصي، برغم ما في الجذب او الشد من مخاطر على النص، لانه يصرف الذهن النقدي الى اغراءات الممارسة الجنسية، على حساب الرموز والدلالات، وتحديداً على حساب ما يود الكاتب ايصاله من افكار ورسائل.. وإذن فنحن إزاء صلة رحم وثيقة بين الجنس كمظهر اغواء خارجي، وبين دلالته الرمزية كطريق مؤدية الى هدف.

لو تصفحنا مجاميع القاص الستة، زيادة على روايته الوحيدة (الولد الغبي) ، بشيء من التأني، لاكتشفنا وجود نمطين رئيسين، لما يصطلح عليه بالرموز الجنسية، الاول يقوم على توظيف الكائنات من غير البشر لاداء (الممارسات الجنسية) بأكثر المعاني حسيةً ووضوحاً، ولعل قصة (المرأة والنرجس)(1) تمثل انموذج هذا النمط، فالبطل الذي يتولى عملية السرد.. بلغة الانا – وكأنه شاهد، او بالاحرى كأنه يروي سيرته الذاتية- ينقل للقارئ، حيوات متباينة لاسرار خاصة جداً في اغلب الاحيان، تدور وقائعها بين اوراد النرجس والقرنفل وزنابق الماء والنباتات الظلية واشجار الفاكهة.. الخ، وما يرافقها من مغامرات وعذابات ومواعيد وحب وغدر، ومن مشاهد رومانسية عذبة مرة، واباحية (وإن كنتُ أميل الى تسميتها واقعية) مرة اخرى، غير إن هذه (البطولات النباتية) لم تكن مطلقة، فهي تقدم لنا من طرف اخر (بطلة) من الجنس البشري، إنها إمرأة حقيقية من فصيلتنا الانسانية.. ثم لانلبث ان نقف على ظهور بشري اوسع.. نساء اخريات.. رجال اخرون.. وزهرة النرجس (البطل الذكوري)، لا تكتفي بنقل الاحداث المحيطة بها، والمشاهد التي تقف عليها، لعل اجرأ ما فيها تلك التي تجري في الليالي الحمر في داخل غرف النوم، بل تحرص على سرد علاقاتها الخاصة، اعني علاقة الزهرة (الذكر) او (الفتى) مع نساء حقيقيات عبر (أنسنة) النباتات، وتتفاوت طبيعة تلك العلاقات، ما بين اذلال له وتحطيم لمشاعره، وبين عشق عذب، وتأجيج لمشاعره العاطفية…

تسوغ العلاقات

ان ما هو اكثر اهمية في هذه القصة، يتمثل في تقديمها كماً هائلاً من تنوع العلاقات، سواء بين زهور الحقل بعضها مع البعض الاخر، ام بين زهرة النرجس، أو (البطل الذكوري) ومجموعة نساء، حقيقيات وكل علاقة بذاتها تؤشر رمزاً، او تريد الوصول الى دلالة، بحيث وضعتنا القصة في دائرة مفتوحة من الرموز والدلالات، لا يحق لي الاجتهاد في تفسيرها، حتى لا يبدو تفسيري ، وكأنه الحقيقة النهائية، وآية ذلك إن كل حدث يخفي رمزاً قابلاً لاكثر من تفسير، وكل حدث يقدم حكاية (صغيرة) تتواءم في مجموعها لانجاز قصة (المرأة والنرجس) الكاملة، ولكن العنصر الرئيس يتمحور حول مسألة ثابتة، وهي إن الجنس لم يكن هو المطلوب لذاته إطلاقاً، بل كان وسيلة المؤلف الرمزية لبلوغ الهدف.. وربما جاء التعريف المبتسر الذي دونته الجهة الناشرة على الغلاف الاخير لمجموعة القاص الرابعة (الولد الكبير)(2)? تلخيصاً لهذا المنهج الذي اشرنا اليه، حيث نقرأ التالي (في مجموعته الجديدة – وهي الرابعة- يواصل القاص حسن العاني، الابحار في عوالمه الفنطازية احياناً، والغرائبية احياناً أخرى، عبر ذلك الانتقاء لابطاله من الاشجار والاسماك او الزهور، ومحاولة منحها صفاتٍ بشرية في الشعور والنطق وتقرير الفعل، أو من خلال تلك الرمزية التي تفرض حضورها الذهني والاستبطاني لخفايا النص، من غير تكلف او تعقيد أو إفتعال لصناعة الرمز… وبذلك يقود القارئ عبر ذلك كله الى اكثر مقومات الواقع التصاقاً بالارض).

على إن القاص حقق “طفرة رمزية” إذا جاز التعبير في مجموعته السادسة (ليلة الاحتفاء بالحرية)(3) وتحديداً في القصة التي تمّ اعتمادها عنواناً للمجموعة، من حيث تحميل الجنس رموزاً سياسية على وفق معادلة غريبة، يصعب ادراكها بسهولة، بمعنى ان الرمز بات صعب المنال بعد أن اكتنفه الشيء الكثير من الغموض والتعقيد، مع الاخذ بالحسبان، إن التمادي في رسم المشاهد الجنسية وتوصيفاتها الحسية، بقدر ما وفرت للمتلقي مزيداً من المتعة، ومزيداً من الانشداد الى الاحداث والتواصل معها بشغف، بقدر ما اوقعت النسبة العظمى من القراء في وهم التفسير، اي فهم هذا النص القصصي على أنه مجموعة مغامرات جنسية ليس الا، ولم يكن غريباً أن (يقع) الروائي والناقد العراقي المبدع (جاسم عاصي)(4) في هذا الوهم، حين كتب عن هذه القصة، وركّز في مقالته على ما يطفو على السطح فقط، أي الغلاف الجنسي من دون البحث عما يخفي تحته، بخلاف ما كتبه الشاعر والناقد العراقي المبدع (ليث الصندوق)(5 حيث تنبه في دراسته التي نشرتها جريدة الزمان على جزءين، الى لعبة الرموز الجنسية لدى المؤلف، وإنها منفذ يؤدي الى الضفة الاخرى، أي الى الغاية الأبعد.

قامت هذه القصة التي تقع في  خمسين صفحة، على بناء خطين متوازيين، الاول يكمن خلف مستوى النظر ، ويمثل الرمز غير المرئي ولكنه في الوقت نفسه، الهدف المقصود، ويراد به مجموعة مما شهده العراق من محاولات (انقلاب او اغتيال ومن انتفاضات… الخ) ضد الدكتاتورية الصدامية، وضد رئيس النظام تحديداً، ولكنها بدون استثناء، في اللحظة التي تنضج فيها تلك المحاولات ، وتكاد تبلغ غايتها وتنتصر على الدكتاتورية، يحدث شيء ما يؤدي الى الفشل، وقد ظلت عملية التخلص من ذلك النظام، اقرب ما تكون الى الحلم الجماهيري الذي لم يتحقق، إلى أن حانت لحظة النجاح واصبحت حقيقية في 9 نيسان 2003 ولكن ذلك النجاح جاء موشوماً بالفوضى والازمات والدم والحواسم والطائفية.. إلا إن ثمة أملاً في تصحيح الانتكاسة، وعودة الحلم معافى بقي عالقاً في اذهان الجماهير، على هيئة امنيات وآمال وطموحات، والسؤال الكبير هو : هل يمكن ان يتحقق ذلك أم إن الابواب مغلقة؟! إنها نهاية مفتوحة ومتعارضة في الوقت نفسه بين المتفائلين في المستقبل، وإن القطار سيعاود السير على سكته الصحيحة، وبين المتشائمين الذي لا يرون بصيص ضوء في آخر الممر!

ليلة الاحتفاء

هذا هو مضمون (ليلة الاحتفاء بالحرية)، وهو قراءة لوقائع التغيير الجديد وما رافقه، والتكهنات المتباينة لصورة القابل من الاعوام، غير إن هذا كله خلف مستوى النظر، وغير مرئي من المتلقي، وكان المؤلف يطمح بالتأكيد الى ايصال هذه الفكرة المركزية عبر الرموز الجنسية (الحسية) المرئية المباشرة، من دون ان تكون هذه الرموز جزءاً من الفكرة، لأنها كما سبقت الاشارة، وسائل وصول لبلوغ الفكرة، وذلك عندما قدّم لنا بطل القصة، وهو يمر بتجربة جنسية، تتلوها تجارب جنسية عديدة مماثلة، تتباين في اسلوبها، ولكنها تقود الى نتيجة واحدة، هي الفشل في الوصول الى الذروة، وبتعيير أكثر وضوحاً، كان في اللحظة التي يشارف فيها على (القذف)، ويبلغ ذروة النجاح الجنسي، يحصل طارئ ما، أو ظرف ما ، يحول دون بلوغه الهدف، هكذا هي تجاربه على الدوام، تخيب في اللحظة الاخيرة، وهو موقف مواز تماماً لمحاولات الانقلاب والاغتيال والانتفاضة، فقد كانت لهذا السبب الطارئ أو ذلك الظرف، تفشل في تحقيق النصر…

الطرفان إذن لهما المسار ذاته، والقصة واصلت ذلك التوازي والتزمت به كلياً، وهذا ما نكتشفه عندما تهيأ للبطل (أخيراً) أن ينجح في (إتمام) العلاقة الجنسية وبلوغ الذروة، ولكن الفوضى المدمرة التي رافقت الانتصار على الدكتاتور والدكتاتورية، هي الفوضى المدمرة نفسها التي سترافق البطل في نجاح مهمته الجنسية ، فبسبب من فشله الجنسي المتواصل (فلتت الامور من يده) وفقد السيطرة على نفسه في تلك الليلة التي كان يحتفي بها احتفاء ملكياً بحريته، مستثمراً أول نجاح مؤزر له، ولهذا تمادى في الممارسة الجنسية تمادياً غير مسموح به، ويتعارض مع نواميس الجسد الطبيعية، يشجعه على ذلك الطرف المقابل، المرأة الحبيبة أو (الانثى) التي شاركته الفراش، فقد كانت بدورها تعاني من جدب عاطفي وحرمان جنسي وعطش غريزي، تمكن القاص من ايصاله ببراعة عبر تلك الاثارات والمشاهد الفلمية المصنوعة بحبكة عالية، ولابد من اشارة نقدية عابرة هنا، وهي إن مشاهد تلك العلاقات الجسدية جميعها، ثم عرضها برؤية فنية موشومة بعواطف رقيقة ولغة شعرية ذات ابعاد انسانية، تعبر عن احتياجات نفسية تفرضها الطبيعة البشرية … بعيداً عن المنظور الرخيص للجنس.

واقع سياسي

هكذا وقع الاثنان، البطل والبطلة، أسيري الفوضى والطيش، وإذا كان الواقع السياسي في العراق يقوم على رأيين متناقضين، كما أسلفنا القول، بين متفائل بعودة القطار الى السكة، وبين متشائم من خروجه عنها بصورة نهائية، فأن المؤلف يقدم لنا صورة الواقع الجنسي بطريقة مطابقة للواقع السياسي تماماً، فحين يستيقظ البطل على ضوء الشمس صباحاً ، يجد المرأة التي حققت له حلمه الجميل في بلوغ الذروة، راقدة الى جانبه (الانثى هنا توازي العملية السياسية)، ولكنها غارقة في الدماء… ومن المفيد الاشارة هنا، الى إن المرأة كانت تمتلك نبتة غريبة ترتبط بصاحبها ارتباطاً روحياً ومصيرياً وجسدياً، فهي متعافية اذا كان متعافياً، وتذبل إذا توعك او مرض، وتموت اذا مات صاحبها، وهنا نجد البطل الذي ارعبه مشهد المرأة التي بادلته العشق والاحتفاء بليلة الحرية، وهي راقدة في بركة الدماء، قد فقد صوابه وغادر البيت عارياً، هائماً على وجهه، شبه مجنون، ولكنه قبل هربه من الوضع المأساوي الذي وجد نفسه عليه مع حبيبته، حانت منه التفاتة الى النبتة الغريبة، فلاحظ ان اوراقها ذابلة، ولكنها لم تمت.. والسؤال هو : هل ستعيش؟ هل يمكن أن تسترد عافتيها كما هي العملية السياسية بعد انتصار نيسان 2003 حيث ذبل الحلم ولا احدٌ قادر على قراءة الكف ومعرفة المستقبل والمصير، هذان هما الخطان المتوازيان (المرئي والمخفي)، وهي الاسئلة ذاتها التي اعترضتنا في الواقع السياسي، بل هي القضية عينها حول حكاية القطار، هل سيعود الى السكة ويستعيد عافيته أم يواصل انحرافه حتى يسقط؟ (العملية السياسية) و(الانثى المضرجة بالدماء) كلاهما يواجهان المصير المجهول، ربما يستعيدان عافيتهما، وربما يموتان… النهاية المفتوحة لهما واحدة…

لابد من التنويه اخيراً، الى إن القاص أوكل مهمة العلاقات الجنسية الى عالم النبات قبل 2003 لآن فسحة الحرية في رسم المشاهد العاطفية الحسية، كان محاطاً بشيء من الحذر، وعراقيل الحملة الايمانية المضحكة، غير إنه بعد هذا التاريخ، تخلى عن الوكالة وأعاد الامور الى نصابها، وتولى تسليم المهمة الى اصحابها (الشرعيين)، مستثمراً اجواء الحرية، او بالأحرى مستفيداً من فوضى حرية التعبير، ولهذا ظهرت ليلة الاحتفاء بالحرية بوجهها المكشوف، ثم ظهر آخر نتاج سردي وقفت عليه تحت عنوان (الساقية وشجرة التين)(6) وهي قصة تقع في (12) صفحة، تجاوزت في تصوير المشاهد الجنسية الحسية الرمزية، ما كنا تعرفنا عليه في نتاجاته السابقة، ومن يدري الى أي حد (سيتمادى) الكاتب في توظيف هذا الاتكاء الاسلوبي الاخاذ المبهر الجميل، على ما فيه من صرفٍ لذهن المتلقي (قد) يؤذي النص ويبعده عن غاياته الحقيقية…

الهوامش:

  • المرأة والنرجس/ من المجموعة القصصية الثالثة للمؤلف (ليلة رأس السنة)، مطبوعات دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد 1994/ ص13-26.
  • الولد الكبير/ المجموعة القصصية الرابعة/ دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد- 2000
  • ليلة الاحتفاء بالحرية / المجموعة السادسة/ دار ميزوبوتاميا/ بغداد 2015
  • جريدة الصباح / العدد 3737 / في 24 تموز 2016.
  • جريدة الزمان / الجزء الاول / العدد 2092 / في 3 آيار 2015.
  • جريدة الزمان/ الجزء الثاني/ العدد 2093/ في 4 آيار 2015
  • مجلة الاقلام/ العدد الاول / السنة الثانية والخمسيون / آذار 2017.